الهواجس
الأميركية.. ما علاجها..؟
نواف
أبو الهيجاء/روائي وكاتب صحفي من فلسطين يقيم
في الأردن
هواجس
أميركا كثيرة جداً. فهي متخمة بهاجس الإرهاب
الدولي.. ومثقلة بهاجس الدول المساندة
للإرهاب.. ومترعة بهاجس الإرهاب العربي..!
وقلقة ومهمومة بهاجس الإرهاب الإسلامي..
وهواجسها من أسلحة الدمار الشامل، اكثر من أن
تخفيها وأكبر.. خاصة ما تسميه امتلاك أو تطوير
برامج الأسلحة النووية وذات التدمير الشامل
في دول بعينها.
والرئيس الأميركي جورج بوش لم يرد التحية
الليبية بأحسن منها، ولم يرد التحية الليبية
بما يوازيها، بل هو عمد إلى تجديد العقوبات
على ليبيا، لأنه يريد أن يقرأ الأفعال لا
الأقوال..! وإذاً، ليبيا التي تخلت عن برامجها
التسليحية قوبلت بازدراء أميركي، وبمزيد من
الطلبات الأميركية، كما قوبلت بإعلان أميركي
ـ بريطاني يقول: مسألة الإرهاب وأسلحة الدمار
الشامل اختصاص أميركي ـ بريطاني فقط، ولا
يجوز للأمم المتحدة أو لدول كبرى أخرى التدخل
فيها.
هكذا أبقت الإدارة الأميركية ليبيا على رأس
قائمة الدول الراعية للإرهاب أو الداعمة له،
والتدرج الأميركي ـ صعوداً ـ يشبه إلى حد كبير
ما كان في الموضوع ذاته مع العراق.
أما بالنسبة لطلب عربي قدمته سوريا إلى مجلس
الأمن الدولي لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار
الشامل، فهو غير مقبول، لأن ذلك يشمل الكيان
الصهيوني المدجج حتى أسنانه بجميع أنواع
أسلحة الدمار الشامل النووية ـ الكيماوية،
والبيولوجية والبالستية، فـ"إسرائيل"
بحسب أميركا دولة معادية للإرهاب والمحتلون
لفلسطين يواجهون إرهابا فلسطينيا منظماً،
ولذا (فالمساكين) الذين احتلوا فلسطين يجب أن
يظلوا مسلحين بما يردع خصومهم العرب
والمسلمين وبما يجعل يد الصهاينة هي الأطول
والأقوى.. من كل العرب والمسلمين مجتمعين..!
حين يتخلى العربي عن برامجه أو مشاريع برامجه
التسليحية، فإنه يستحق المزيد من العقوبات،
ليس إلا لأنه أعلن عن هذه البرامج متأخراً،
حتى وإن كان قد تخلى عنها متطوعاً.. وهو يتوقع
نوعاً من المكافأة.. بينما الإدارة الأميركية
تظل تراه ـ أي هذا العربي، مقلقا ـ ويشكل
بالتالي واحدا من أساسيات هواجسها الكثيرة..!
هل أن الموقف الأميركي هو موقف متعنت..؟!
أم تراه نتيجة طبيعية لتصميم أميركي، بتخطيط
صهيوني، وموجها ضد العرب والمسلمين بصورة
محددة وواضحة ودقيقة..؟
قيل إن ليبيا لم تصّنع السلاح النووي وقيل أن
أميركا غاضبة على محمد البرادعي والوكالة
الدولية للطاقة الذرية، وذلك لأن البرادعي
طار إلى ليبيا مع فرقه التفتيشية وقبل أن
يتلقى التعليمات والأوامر من واشنطن. لكن ذلك
جزء ظاهر فقط من جبل الجليد.
الأصل في الموضوع أن الإدارة الأميركية تريد
أن تكون هي، وليس سواها، المسؤول الأول عن منح
شهادات حسن السلوك الدولية، وهي، وليس سواها،
من يتولى التفتيش وفرض الرقابة وتحريك فرق
التفتيش، وإصدار الأحكام بل وتنفيذها أيضا.
أليس هذا ما حدث للعراق..؟
ومن المؤكد أن تغليف الموقف الأميركي بالحديث
عن مساندة الإرهاب ليس سوى وسيلة للابتزاز
والمماطلة والمناورة.. ذلك أن تعبير مساندة
الإرهاب مطاطي، ويخضع لكثير من التفسيرات، من
جهة، وأمر يفتقر إلى دلالة مادية ملموسة، من
ناحية ثانية.
لكن مادام المعني هنا عربيا، فلا مناص من
الالتفاف على الحقيقة، وإضاعة الوقت لأن
إشهار نجاح التجربة الليبية، لا بد أن يشجع
المجتمع الدولي على مزيد من الخطوات في
الاتجاه ذاته في المنطقة، وهذا يعني أن تصل (موس)
الحلاق إلى اللحية الصهيونية الكثة
والملمّعة..؟!!
على هذا فإن الهاجس الأميركي يتسع لمزيد من
المفردات، من مثل "اسرائيل"، إذ من غير
المقبول أميركيا، الآن أن يتجرد الكيان
الصهيوني من أسلحته التدميرية، ولم تتم بعد
تصفية الحقوق الوطنية والقومية لشعب فلسطين.
وكيف يمكن إرغام العرب على الاستسلام لكل
شروط عدوهم الصهيوني إن جاء هذا العدو
متجرداً من أسلحته الرهيبة، وفي مقدمتها
الرؤوس النووية التي يزيد عدد المعروف منها
عن (210) رؤوس..؟!
ثم إذا سمحت الإدارة الأميركية لمجلس الأمن
الدولي أن يفتح الملف ذاته ويبدأ بدراسته
واتخاذ القرارات بشأنه، أفلا يعني ذلك أنها،
أي الإدارة الأميركية، تتخلى عن أهم هدف،
ووسيلة، من أهداف ووسائل القبض على عنق
العالم..؟ ثم إذا ما تم ذلك حقاً ألا يكون (الهاجس)
الأميركي قد فقد أحد أهم مسوغاته بينما لا
تريد الإدارة الأميركية لهواجسها إلا أن
تتضخم حد التخمة، وتنقل هواجسها إلى العالم
كله..؟ ألسنا في عصر العولمة..؟ العولمة
الأميركية، تتطلب أن يكون الصراع الأميركي
صراعاً لرأس الكرة الأرضية بما فيها وبمن
عليها، وإلا فكيف تعلن أميركا غداً أن القرن
الحادي والعشرين هو قرنها، وأن أميركا هي
إمبراطور العالم الأوحد..؟
هذه بعض احتمالات ما وراء موقف الرئيس
الأميركي جورج بوش من ليبيا، مع أننا يمكن أن
نضيف إلى ذلك هاجساً آخر خاصاً ببوش وبالحزب
الجمهوري وهو هاجس الانتخابات الأميركية
المقبلة. إذ يسعى الحزب، والرئيس من بين صفوفه
على بذل أقصى جهد ممكن للفوز برئاسة ثانية،
وهذا يتطلب الكثير، وفي مقدمته تلبية جميع
الاشتراطات الصهيونية المعلن منها والمخفي
على حد سواء.
وبعد احتلال العراق، ووضعه على شفير التقسيم
بعد التدمير، فلا بد من نقل هاجس أميركا من
الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، إلى رؤوس
العرب كلهم، لكي يضمن الصهاينة ألا ترتفع
الرؤوس العربية وأن ينحني الجذع العربي إلى
درجة تقربه من أن ينكسر عموده الفقري. وآنذاك
فقط، تتخلص أميركا المتصهينة من هاجس كبير
كبس على أنفاسها الصهيونية طوال اكثر من خمسة
وخمسين عاماً..!