لم يتبق إلا "خلية إرهابية" واحدة!

عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في دمشق

تقول آخر الإحصاءات الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة أن تعداد المواطنين في الضفة الغربية، بما في ذلك "القدس الشرقية"، هو مليوناً وثلاثمائة ألفاً، وفي "قطاع" غزة مليوناً وأربعمائة ألفاً، وإذا ما أضيف إليهم عدد الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948 وهو مليون وربع يصبح عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية الأربعة ملايين وتسعمائة ألفاً. وبالمقارنة مع عدد المستعمرين "اليهود" في كل فلسطين، اللذين بات عددهم خمسة ملايين وأربعمائة ألفاً، ثلاثمائة ألف منهم من غير "اليهود"، أو من غير المعترف بهم "يهوداً"، يكون الفارق لا يعدو مائتي ألف لصالح "اليهود"، أي أن في فلسطين ما بين النهر والبحر عشرة ملايين هم الآن مناصفة من حيث العدد بين المُحتلين والمُحتَلين بفتح التاء.

وإذا ما عرفنا أن الزيادة الطبيعية للعرب الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة هو، وفق الإحصائيات "الإسرائيلية"، مائة وستون ألفاً في العام الواحد، ولدى "اليهود" تسعون ألفاً، ندرك لماذا يقرع البروفيسور أرنون سافير (صاحب وثيقة سافير الترانسفيرية الشهيرة) جرس الإنذار صائحاً: "نحن في حالة انهيار ديموغرافي"!

(أرنون سافير)، لاحظ أيضاً، أن 75% من سكان الجليل المحتل في العام 1948 هم من العرب، ولاحظ أن الهجرة المضادة باتت تشكل ما يقلق "الوكالة اليهودية"، وسياسات ما يسمى بالاستيعاب. وكذا فإن الإحصائيات التي تلاحق عودة "اليهود" الروس، أو ما يعرف بدول الاتحاد السوفييتي سابقاً، إلى بلادهم التي استقدموا منها لا تبشر، بالإضافة طبعاً إلى تزايد عدد "اليهود" من مغادري فلسطين المحتلة من المتوجهين شطر الأمريكتين وأستراليا. ويزداد القلق "الإسرائيلي" أكثر عندما يتم الكلام عن أن مجموع الفلسطينيين، الذين لم يزيدوا عام النكبة وضياع فلسطين كثيراً عن المليون وبضعة آلاف، قد غدا تعدادهم اليوم في الوطن والمنافي يربو على تسعة ملايين وسبعمائة ألفاً، أي ما يقارب العشرة ملايين، أو المتضاعف تسعة أو عشرة إضعافاً، بينما عدد "يهود" العالم أجمعين يتراوح، وفق الإحصائيات المتعددة، ما بين الأحد عشر مليوناً والثلاثة عشر، أي ما ينبئ بالمزيد من التناقص لا الزيادة.. أي أن المقارنة هنا، وفق المصادر "الإسرائيلية"، هي بين مجموعات بشرية شابه هي العرب الفلسطينيين وأخرى هرمه هي "اليهود".

هذه الأرقام، أو هذا الهاجس الديموغرافي المفزع لدى الكيان الصهيوني، وليس التغيير في الاستراتيجيات، أو السياسات التهويدية لكامل ما يزعم بـ"أرض إسرائيل"، أو النكوص عن التطبيقات الخادمة لهذه الاستراتيجيات التي لا يختلف عليها اثنان في ذلك الكيان، هو ما يقف وراء كل المناورات، أو ما يطرح من أشكال غائمة لحلول ملتبسة، يراد لها أن توحي، رغم افتقارها إلى الجدية، كما يثبت كل يوم، بأن "الإسرائيليين" معنيون بالبحث عن حلول تفاوضية ما للصراع. أي أنها تظل، إلى جانب كونها لذر الرماد في العيون، ومحاولة خداع من يسهل خداعه، أو من يريد أن يخدع، بأن "الإسرائيليين" معنيون فعلاً بالسلام المختلف عن مفهومهم هم للسلام، أي استسلام الآخر، مناورات تعكس فعلاً مأزق البحث عن حلول صهيونية لهاجس ديموغرافي "يهودي" مزمن، لكن وفق المنطق التهويدي، أي بما لا يتناقض مع تلك الإستراتيجيات المشار إليها. أي بعيداً كل البعد عن المفهوم الحقيقي للسلام، الذي يستحيل تحقيقه أصلاً، وفق المعادلات القائمة راهناً في ساح الصراع، وفي ظل موازين القوى الراهنة المختلة بما لا يقاس.

في تعليقه على تراجع شارون في بيانه في الكنيست عما سبق وأن طرحه في خطاب هرتسيليا، قال الزعيم العمالي المعارض حاييم رامون: أن "شارون كان أسداً في هرتسيليا وأرنباً في الكنيست"، وهو يعني هنا، تراجع شارون عن مصطلحات كان قد كررها أيضاً في مؤتمر حزبه الليكود، في سياق ما يصفه بـ"التنازلات الأليمة"، التي درج على إخراجها من جعبته عند الضرورة ثم لا يتوانى عن طيها بذات السهولة، مثل "فك الارتباط"، و"اقتلاع مستوطنات"، و"إخلاء مواقع". وهو تراجع أجمع المتابعون على أنه كان برسم إرضاء شركائه في الإتلاف ممن هم على يمينه مثل، حزب "المفدال"، و"الاتحاد الوطني"، بالإضافة طبعاً إلى المعارضة القوية داخل حزبه نفسه. أي ما لحضه إيلي يشاي، رئيس حزب شاس بقوله: أن "لعبة الكلمات التي يقوم بها (شارون) أتاحت لأحزاب اليمين تأييد بيانه الغريب".

إذن، هي لعبة كلمات، ومع ذلك، ما الذي تراجع عنه شارون في بيان الكنيست؟ أو ما الذي تبدل في خطابه السياسي منذ "خطاب هرتسيليا"، وكلمته في مؤتمر الليكود، فاستحق أن يقول له شمعون بيريز، إنك كمن تتعطل الكهرباء في بيته فيستدعي سبّاكاً؟!

إنها، كما أشرنا، تلك المصطلحات الغائمة المذكورة آنفاً، مقابل تنفيذ الفلسطينيين سلفاً لكل الالتزامات الأمنية التي تفرضها عليهم "خارطة الطريق"، المشذبة بثلاثة عشر تحفظاً شارونياً عليها، أي بمعنى آخر شروعهم في حرب أهلية غدت منذ حين مطلباًً "إسرائيليا"ً – أمريكياً مشتركاً، وإن توانوا في ذلك في مهلة زمنية لا تزيد عن أشهر فحسب، يكون شارون في حلٍ، بحيث يقوم بإجراءات من جانب واحد، هي في مجملها ضم ما يقارب 58% من الضفة الغربية المحتلة، بالإضافة إلى ما يعرف بالقدس الكبرى، وبناء الجدار الشرقي لإكمال ما لم يكمله الجدار الغربي من تهويد وتمزيق للكانتونات الفلسطينية المتبقية، إلى آخر ما هو معروف ويجري تطبيقه عملياً على الأرض، وردده ويرده شارون قبل وبعد خطاب هرتسيليا.. شارون في بيان الكنيست، أو ما أطلق عليه بعض "الإسرائيليين": بيان "فك الارتباط مع خطاب فك الارتباط"، لم يذكر مصطلحاً واحداً من هذه المصطلحات، واستبدل ذلك بما يلي: "عندما نتبين أن في هذا الوقت (المعطى للفلسطينيين) قد نفدت كل إمكانيات تطبيق "خارطة الطريق"، فسنضطر إلى اتخاذ سلسلة خطوت تضمن الأمن الأقصى لمواطني "إسرائيل"، بحد أدنى من الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين"، ولكي يطمئن غلاة تكتله الحاكم أردف: و"بعد حوار كامل بين محافل الإتلاف، وفي ظل التنسيق التام مع حلفائنا في العالم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة"، وزاد فوعد بأن يطرح "الخطوات الأمنية" للمصادقة عليها في الكنيست.

بيان فك الارتباط مع خطاب فك الارتباط هذا حظي بتأييد 51 عضواً في الكنيست مقابل معارضة 39، فكانت نتيجة التصويت تنسجم مع مقولة لرئيس كتلة المفدال شأوول يهلوم: "طالما لا تعني سياسة رئيس الوزراء بالقيام بخطوات من طرف واحد إخلاء مستوطنات فسنواصل تأييده".

إذن، والحالة هذه، ما هو الثابت لدى شارون المناور الذي لا يشق له غبار، والوحيد الذي يبدو بأنه يعرف ما يريده، أو ما يستحق عليه مظاهرة يمينه ضخمة في تل أبيب تهف له: "أريك لا تنثني"؟!

أنه الهاجس الديموغرافي الذي يعالجه بمزيد من التهويد وخلق الوقائع المؤدية في نهاية المطاف إلى "الترانسفير" وليس إلى ما يسمى "الدولة الفلسطينية" مهما تشوّه وتزيّف مفهومها ومسخ معناها، وانتفى من ثم مضمونها، وتضاءلت إمكانية قيامها ولو شكلياً..

هذا يجرنا إلى خطة أو مشروع حل أعده المستعمرون في كتيب نشرت مضمونه صحيفة "معاريف" في الحادي عشر من الشهر الجاري، جاء فيه:

أن "ضم 3 مليون عربي في يهودا والسامرة وغزة سيطرح ميزاناً ديموغرافياً يعرض للخطر الطابع اليهودي للدولة". وعليه يقترح المشروع ما يلي:

1-  تفكيك السلطة، وطردها، ومحاكمة "الإرهابيين".

2-  تتولى "إسرائيل" الأمن في مناطق السلطة، وتقوم بخطوات من طرف واحد لا تتيح للفلسطينيين إقامة دولة. وتقام إدارات مدنية في 5 أو 6 معازل مهمتها الخدمات فقط، ولها رؤساء تعينهم "إسرائيل" في المرحلة الأولى، وينتخبون في مرحلة لاحقة.

3-  شق طرق للمستوطنين، وأخرى للفلسطينيين، تكون منفصلة، ومهمتها غير المذكورة، إلى جانب الفصل بين الطرفين، هو تطويق الكانتونات الفلسطينية وتمزيق ما تبقى دون تمزيق منها. والتهام المزيد من الأرض.

4-  العودة إلى ما يعرف بالخيار الأردني، حيث يقول المشروع:

توجد عملياً في أراضي ما وراء نهر الأردن دولة فلسطينية برئاسة المملكة الهاشمية.. وعليه فإن السكان الذين يسكنون في نحو ربع "يهودا" و"السامرة" سيجدون التعبير الوطني كجزء من الأمة العربية في الدولة الفلسطينية – الأردنية، شرقي الأردن. في التسوية الدائمة سيكونون مواطنين أردنيين مقيمين في "إسرائيل".

أما قطاع غزة فيرى المشروع أنه "يجب أن يتسع إلى ما وراء حدوده الحالية" مع مصر، وعليه "على مصر أن تضع تحت تصرف السلطة الفلسطينية أراضي واسعة في سيناء".  يقول المشروع أنها لا تشكل بالنسبة لها سوى "قطعة صغيرة"!

5-  تشجيع الهجرة الطوعية الفلسطينية خارج فلسطين "عبر وكالة الغوث".. وإذا  ما أضفنا إلى ذلك، أن انتقال الفلسطيني أو هذا "الأردني المقيم في الضفة الغربية"، وفق هذا الحل، إلى الشرقية، جراء التضييق الاقتصادي عليه، أو لأي سبب قد يفتعل لاحقاً، يصبح ترانسفيراً شرعياً، بمعنى انتقال مواطن داخل حدود الدولة التابع لها، نصل إلى تحقيق الترانسفير كهدف صهيوني نهائي، لكن دونما ضجة عالمية، وبأسهل التكاليف.

وإذا ما عرفنا أيضاً أن الخيار الأردني هذا الذي يشير إليه مشروع المستعمرين للحل، هو أصلاً خياراً قديماً يعود إلى ما عرف بمشروع آلون، ثم لطالما دعي إليه شارون قبل قدومه للسلطة، وأن جدار الفصل العنصري في الجزء المقام فيه حول القدس فقط يتم العمل فيه على مدار 24 ساعة، لأن المطلوب هو إنجازه خلال ستة أشهر في أقصى حد، وإن هذا الجدار قد بدأه اليسار وليس اليمين، وكذا المستوطنات، وإن هذا اليسار هو الأشرس في معارضة لحق العودة، يتبين لنا أن مشروع المستعمرين المشار إليه، لا يتناقض في الجوهر مع خطط شارون أو حلول "الأمن الأقصى" التي طرحها في خطاب هرتسيليا، أو مؤتمر الليكود، أو حتى ما يقال أنه تراجع مناوراً عنها في بيان الكنيست، وإنما هو أيضاً في جوهره خيار "إسرائيلي" عاماً.. هو ترجمة لإستراتيجية تهويدية، وهاجس ديموغرافي مزمن.. أنه المأزق أيضاً.. المأزق الذي عبر عنه الشاعر مائير أريئيل في إحدى قصائده مولولاً:

"في نهاية كل جملة بالعبرية يجلس عربي مع نارجيلة"!

وعبّر عنه بمرارة، وفق ما نقلته صحيفة "يدعوت آحرونوت"، ضابط أمن كبير، لكن بلغة أخرى غير شعرية، فقال:

"تمكنا من تصفية كل خلايا الإرهاب، ولم يتبق أمامنا سوى خلية واحدة تضم ثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني"!