عبد الناصر: استثناء فريد في عصر الهزائم المجنونة

مطاع صفدي/مفكر عربي يقيم في باريس
كل ما تتكبده المجتمعات العربية مع أنظمتها الحاكمة اليوم إنما هو عائد في أهم أسبابه الموضوعية إلى بنية الدولة العربية المستقلة التي هي في أساسها من صناعة الاستعمار الأوروبي، أو من بقايا نظام الولاية العثمانية الذي طورته الإدارة الاستعمارية بما يتلاءم مع حاجاتها، فلا يمكن الحكم علي هذه البنية بالاستناد إلى أنها نتاج التطور الذاتي للمجتمع العربي، بل على العكس فقد كانت هذه الدولة، سواء في اصلها كولاية عثمانية أو كإدارة استعمارية، مفروضة من قبل الآخر الأجنبي، فلا مشروعية حقيقية لها ولكل من استحوذ عليها فوقيا فيما بعد مما سوف يسمى بحكومات الاستقلال. فهي إذن لم تكن طيلة تاريخها الحديث نسبيا اختيارا طوعيا لحكامها (الوطنيين) كما أن بنيتها الإدارية لم تتبع تقدما متناميا ينتمي إلى تيار الإصلاح العام الذي عرفه المجتمع بأحواله العفوية والطارئة.
إلى جانب هذه الحقائق التاريخية لا بد من الإشارة إلى أن المجتمع الاستقلالي لم يستطع طيلة تحولاته السياسية غير النابعة عن ظروفه أصلا، أن ينمي نخبا حضارية تتمتع بحدود كافية من الوعي القادر على التأثير في مجريات الأمور العامة، ليس هناك ما يدعى بالثقافة السياسية الخارجة عن إطار الأفكار المبعثرة، أو الشعارات الأيديولوجية المتواترة التي لا يمكنها أن تشارك في تكوين وعي فعال يطرح قضايا السلطة وجاهزيتها النظامية، ويحلل علاقاتها مع مجتمعها بحسب الظروف والمتغيرات المتلاحقة داخليا وخارجيا، بكلمة واحدة فقد تجمدت بنية الدولة خارج تيار النهضة العامة، غير النظامية هي كذلك، لكنها جارية مع ذلك بفعل دوافعها وقواها الخاصة العفوية، ذلك أن زحمة المخططات حول مشاريع التنمية المأمولة والمتصورة والتي انخرطت في تبنيها وتنفيذها أجهزة غير تنموية ولا متطورة أساسا وتابعة لبنية تلك الدولة المتخلفة دائما، هذه الحالة من فورة الستينات والسبعينات التي داهمت مجمل أقطار العرب والموصوفة خاصة بثورة البناء والتحديث العمراني وبعض الرخاء الاقتصادي، قد حلت وانقضت دون أن تؤثر في البنية التقليدية للدولة إلا انتفاخا بيروقراطيا وتضخما مرضيا بالأجهزة وعدد الموظفين.
كأنما تاريخ خمسين عاما من اسم النهضة العربية الثانية التليدة لم ينتج إلا هذا الوحش الخرافي الذي يجسده حجم البيروقراطية الهائل، وقد كان عليه أن يستوعب أجيال المتخرجين جميعهم تقريبا من تلك المدارس والجامعات التي انحط تعليمها إلى مستويات الأمية الثقافية والعلمية الشاملة. فلا الدولة ولا المجتمع أتيح لهما فرصة التكوين الذاتي الواعي، فكان الأسهل دائما على عصر التنمية العربية الانطلاق من ذات قواعد التخلف المتوارثة، بدلا من مواجهتها مباشرة والاعتراف بعوائقها الماثلة في كل شيء، ومحاولة العثور على مفاتيح علمية لمغاليقها المستحكمة منذ دهور، ولم يكن لدى كل من الحكومات الثورية أو المحافظة، المتعاقبة على احتلال قمم هذه البيروقراطيات، لم يكن لديها لا فرصة للوعي وفهم الواقع تحتها، ولا الوقت المحشور دائما، كيما تعيد النظر الحيادي والمسؤول في أصول المشكلات الطارئة.
هذا الهرم الشاهق من بيروقراطية التخلف الدهري مضافة إليها بيروقراطية التنمية الشكلانية الزائفة، كيف يمكن له أن ينبت فوقه قمة سلطة حرة وعادلة. فالثمرة الوحيدة المتوقعة لشجرة العلقم هذه هي الشوكة الكبرى القادرة على حماية فرعها وأصولها من فوران الأرض التي تميد تحتها. فالحاكم العربي لا تنطبق عليه حتى خصائص الديكتاتور الغربي، إذ يظل هذا الأخير أقل شعورا من زميله العربي بالتملك المطلق من شعبه وتاريخه ومصيره. وربما ذلك كان عائدا إلى كون الديكتاتور الغربي الحديث مقيدا بمشروع سياسي وكينوني شامل يشاركه فيه تيار شعبي غالب ونخبة عقائدية خبيرة ومحنكة.
هذا لا يعني أن أحادية السلطة العربية لم تنتج زعماء، كانت لهم مطامح ثورية كبرى حول تغيير واقع بلادهم غير أن المسألة هي أن التاريخ قد يجود بزعيم كينوني واحد في آماد متباعدة من الزمن، لكنه قد يفيض بنسخ متكاثرة عن الزعيم الاستثنائي، وهنا تقع الطامة الكبرى إذ يغدو الاستيلاء على أعلى سلطة هدفا مركزيا في ذاته، كما يمسى التشبث بالمركز الأعلى والاستمرار في التمتع بأمجاده ومنافعه، ثم في الدفاع عنه ضد منافسيه أو معارضيه هو البديل الفعلي عن كل الادعاءات حول الإصلاحات الكبرى، أو التصدي للعدو القومي الحقيقي، فالفارق بين الزعيم المرشح للمهمات التاريخية وبين الديكتاتور المغتصب للسلطة ولأدوارها الشمولية عن غير حق قانوني أو جدارة، هو أن الأول إنما تصنع زعامته إنجازاته الموضوعية برفقة شعبه ومحبته وتأييده الواعي له، فهو الوكيل الأمين على مصالح مجتمعه والمبادر الناجح لتحقيق آماله التقدمية، حتى عندما يتكالب عليه أعداء الخارج والداخل معا فإن هزيمته الشخصية تغدو بمثابة هزيمة قومية شاملة. لكن تظل إنجازاته وإصلاحاته المادية والاجتماعية شاهدة على نقاء سيرته الذاتية، وقد تغطي على بعض نزعاته الفردية، وحتى على أخطاء الحكم عينها من خطط غير مدروسة تماما وتقديرات متسرعة، وعلاقات غير ديمقراطية تماما مع تيارات وتحزبات غير موالية.
يبرز إلى الذهن في هذا السياق نموذج جمال عبد الناصر بما له وبما عليه، فالعرب في وطنهم القومي الكبير منحوه زعامته عليهم، بل كادوا أن يفرضوها عليه فرضا، وقد استحقها بدون قمع ولا تزوير أو ابتزاز، وفي أقطار لا يحكمها، لكنه أصبح وحده فوق حكامها جميعا الزعيم الأوحد الذي تصير أقواله بمثابة أوامر للشعوب، وإشاراته تفجر الثورات في كل مكان، تلك سنوات نادرة تحولت فيها قارة العرب إلى وطن واحد موحد ما فوق سدوده وعوائقه المصطنعة، والقارة لم يعد لها من شاغل حقيقي في حياتها الخاصة والعامة سوى خطابات الناصر ومواقفه وتوجيهاته، ذلك المثال النادر في وحدة السياسة والأخلاق هو الذي نهض بمفهوم الزعامة التاريخية ما فوق البنية المهترئة والمتخلفة لكل دولة عربية وإسلامية، وما دام الزعيم محلقا بإنجازاته ووعوده البطولية فوق أطلال الدول القائمة وحكامها العجزة، فإنه قد ينأى بنفسه ونظامه عن أذى الآلية الهرمة حتى الخاصة منها بدولة قطره المصري، لكن التحليق لا يدوم، وعند أول انتكاسة للبطل المحلق تتساقط الأحلام العظيمة على أيدي بعض العسكر الغادر والمغدور، يلتقط معانيها السلبية نظام التخلف العام ليستعيد مسيرته الأولى وتعود الدولة العتيقة إلى ممارسة قوانينها العقيمة، تفبرك حكامها العاجزين، وتغطي عودتها البائسة بإنتاج نسخ سلطانية جديدة مخطوفة عن زعيم ولد وقاد ومات لمرة واحدة وحيدة لا تتكرر.
متى يكون الزعيم السياسي قائدا تاريخيا حقيقيا، عندما يستطيع أن يستثني نفسه من نتاج الظروف المضادة السائدة في دولته العاجزة ومجتمعه المتخلف، ويتطلع إلى أفق من الأهداف الإنسانية التي تستحقها أمته، ويؤمن بالتنمية الشاملة العادلة التي تؤهل الأجيال لمعايشة الحداثة وممارسة الديمقراطية على أسس من أخلاق العدالة والمسؤولية والمساواة، تلك هي الصورة التي نظر العرب من خلالها إلى شخصية جمال عبد الناصر، وعلى أساسها حاكموا أفعاله ورشحوه لدور الزعامة التاريخية المفقودة من حياتهم السياسية منذ قرون، وهو الأمر الذي جسد الخطر الأكبر بالنسبة لـ"اسرائيل" وأرباب الاستعمار الجديد، وبقية القصة معروفة.
لكن المشكلة الحقيقية التي خلفها غياب الزعامة الناصرية هي من ناحية أولى مضاعفة الحاجة الكينونية وليست السياسية فحسب إلى تجدد القيادة التاريخية تحت طائلة التهديد بعصر النكسات الكبرى على كل صعيد، ومن ناحية أخرى فقد كان على كل قيادة أخرى أتت بعد عبد الناصر أن تتبع نموذجه، وكان الأسهل على الزعامات المستجدة ارتداء عباءة السلطان وحمل صولجانه دون القدرة على استئناف أفعاله الحاسمة بعد أن تغيرت البيئة السياسية الإقليمية والدولية كليا. فأمست الزعامة هدفا في حد ذاتها، وكل ما عداها من أعباء الحكم والتغيير البنيوي للدولة والمجتمع أضحى مجرد تسميات فارغة ومرصودة لخدمة السلطان الجديد وحده، هكذا ودع العرب عصر الزعامة التاريخية ليغرقوا في عصر السلاطين والمماليك الجدد. فانقلب كل شيء في حياة الأمة البائسة، بدأ وقت المغيب والزوال من مدار الشمس أولا قبل أن يصل إلى ظلالها وضواحيها على الأرض.
خلال ذلك تم اختراع مبدأ الحرب الأهلية اللبنانية كبذرة لمختلف أشكال الحروب والنكبات القادمة في المستقبل القريب، حدث هذا في الوقت الذي ودع العالم مرحلة الحرب الباردة الكونية إلى غير رجعة، ولكن لتعود فتسكن ارض العرب وحدها، وتحولها إلى أعشاش لسلالات من الفتن الكبرى والصغرى، ومواطن لأوبئة الفساد على أنواعها، وبدءا من فساد الرأس السياسي وشراذمه علي الأرض، حتى أضحت ذئاب مجتمعاتنا وسلالاتها هي طبقة رعاتها وقادتها الأمينة على مصير أجيالها، فالقائد التاريخي يولد ويقود ويموت لمرة واحدة، كيما يغير من التاريخ حقا، أما النسخ عنه ومسوخه فتتوالد كالفطر كيما تجمد التاريخ تحتها وتعيث في الأرض فسادا وجورا.
مهما تقدم الزمن على الحقبة الناصرية فإنها تظل هي متقدمة على كل ما أتى بعدها، متشبها بها، ومدعيا أهدافها، لكنه استخدم من اجل تحقيقها المزعوم كل الوسائل المضادة لها ولأخلاقيتها، فلقد افتتحت الناصرية معارك النهضة العربية الثانية على كل المستويات المطلوبة دفاعيا وحضاريا، وإذا كانت في النهاية خسرت معركتها العسكرية، فذلك لا يعني في الأقل أنها لم تسجل تاريخ تجربتها الفريدة كمعايير ممكنة المثول والحضور في أية نهضة جديدة تالية: أما سقوط الأشباه المضادة بعدها فليس ذلك سوى شكل من أشكال التصفية التاريخية لرواسب الأحداث الحقيقية، وهو قانون إنساني عرفه تاريخ النهضات للأمم الحية.