غاضبة
مثل أدونيس
لميس
بلال/كاتبة من سوريا
ما
الذي يدفع أديباً عالمياً مثل أدونيس أن
يحاضر منتقداً بيروت مدينته الحبيبة وهو
يتأهب للثورات ويفتح صدره أمام العواصف
المتأتية من أعدائه الشخصيين والفكريين؟
انتزعني
السؤال من مجلسي أمام شاشة "خليك بالبيت"
وأدخلني في تفاسيري من خلال ما أستقرئ عن
الشاعر النبي عموماً، وعن أدونيس بشكل خصوصي..
أقول:
إنه ما يدفع الابن لأن يصرخ في وجه أبيه.. "أريد
أن أستمر في احترامك، مع أني أقدر أن أغادرك
فلا أعود أبداً.. سيفي على جنبي لكنني لا أريد
أن أقتلك".. إنه ما يدفع ابنة أذهلتها حقيقة
أمها ذات مرة.. أن تصرخ "أمي أريد أن أستمر
في حبك"..
لكن
أدونيس عندما شتم مدينته مسترجعاً طفلاً يشتم
أمه وينتظر منها أن تركض خلفه ثم تلتقطه بين
ذراعيها وتضحك سعادة وهي تضمه.. لم يحظ بغير
الاستهجان والاستنكار والهجوم، ما زاد على
مصيبته بمقتل أمه مصيبة اتهامه بقتلها وتنفيذ
الحكم به غيابياً ونشره على صفحات الجرائد
والمجلات..
هل
يستطيع أحد المغتربين القاطنين في أرض الوطن
أن يتصور حجم الألم الناتج عن حملات الدعاية
والوشاية ضد المواطن الحامل وطنه حيثما ذهب،
وهو يستشعر الرفض مسلطاً على إبداعه من قبل من
يحاول امتلاك بيروت ويمنعها كأم مظلومة عن
أبنائها الأعز والأغلى..
إن
ما أثار حفيظة المستوطنين الأغيار سؤال
اعتقدوه بديعاً ونشروه مثل فضيحة ظنوها مدمرة..
هل يقول أدونيس ذلك في دمشق؟ وللتمويه أضافوا..
وفي بغداد أو القاهرة؟
ولم
يعرف أحدهم أن ما يراه أدونيس في بيروت غير ما
يراه في غيرها، وما يريده منها غير ما يريد من
غيرها.. هي أمه وهم مجرد نساء.. حبيبته، وهم
صديقات.. بيروت في أدونيس قلب وحزن وإبداع.. هي
منه ضميره وفكره وذاته.. وهي له حضن يحن وقلب
يغفر..
فهل
نلومه عندما يخاطبها بقسوة حرصاً منه على
طهارتها وعلى ما يريد منها من سبق وإبداع
وحداثة.. هل نلومه لأنه لا يقتلها في نفسه
ويمتلئ بباريس، أو يسكت عما يراه تراجعاً
فيها حرصاً على هناء ساكنيها ومجاملة
لأصحابها ومن استأثر بها.. وكيف السبيل وهو
الرجل الخارج عن العادات، وهو الشاعر الذي
كسر قيود المجاملات وغيرها من الآفات التي لا
زلنا لجهلنا نتباهى بها..
أدونيس
ابن بيروت.. مستقبلها.. وله الحق في استفزاز
ركودها ومحاولة استنهاضها، وله الحق بعشقها
وامتلاكها وتفريغ غضباته فيها، وأن يزعل
منها، ثم يعود إليها طامعاً بعطفها وغفرانها..
علاقة
الأديب بالمدينة أقرب لحالات العشق وإذا تسنى
لي وصرت في موقع جدلي كموقع أدونيس في عالم
الثقافة، سأشتم كل مدني، سأوبخهم كالأطفال
إذا أساءوا.. سأعتزلهم كزوجة تعتزل رجلها
وتنتظره بفارغ الصبر أن ينادي في طلبها..
الآن
سأكتفي بالصراخ: بيروت.. يا بقية ما تبقى.. تباً
لما صرت عليه..
وأتأهب
للثورات التي ستقوم، وأفتح صدري للعواصف التي
ستأتي..