الاقتصاد العربي والعولمة

بقلم الدكتور لويس حبيقة/باحث ومحلل اقتصادي من لبنان

 

حققت الدول العربية نموا سنويا قدره 4 % خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أي ما يقارب نسبة الزيادة السكانية.  هذا يعني أن الناتج الفردي لم يتحرك في فترة مهمة تقدمت خلالها مجموعات جغرافية أخرى.  لم يكن النمو العربي متساويا خلال الفترة، إذ انحدرت نسبة النمو الحقيقي السنوية من 7,3 % في فترة 1971-1979 إلى 0,8 % في فترة 1980-1989 وثم ارتفعت إلى 4,3 % في التسعينات.  تدنى حجم الاستثمار الدولي المباشر في المنطقة العربية من 2458 مليون دولار في سنة 1990 إلى 1209 في سنة 2000، أي انخفاض قدره 51 %.  في نفس الوقت زادت هذه الاستثمارات بنسبة 2611 % في أوروبا وأسيا الوسطى و 368 % في شرق أسيا و 818 % في أميركا الوسطى والجنوبية و 567 % في جنوبي أسيا.  حجم المنطقة العربية الاقتصادي هو في تراجع مستمر بسبب الأوضاع العامة وعدم تنفيذ السياسات الصحيحة.  أما نسب زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بين سنتي 1990 و 2000 فبلغت فقط 9 % في الأردن، 2 % في لبنان، 4 % في تونس و 1 % في كل من سوريا والمغرب ومصر.

ما هي أسباب التراجع العربي؟

أولا: التضخم الذي تقلب من معدل سنوي لأسعار الاستهلاك قدره 12,1 % في السبعينات إلى 18,7 % في الثمانينات وإلى 12,1 % مجددا في التسعينات.

ثانيا: الاستثمارات العربية التي انخفضت نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 28,3 % في السبعينات إلى 24,3 % في الثمانينات و24,5 % في التسعينات.

ثالثا: إنتاجية عوامل الإنتاج TFP التي انحدرت من نسبة إيجابية سنوية قدرها 2,3 % بين سنتي 1960 و 1973 إلى نمو سنوي سلبي قدره 2,2 % في فترة 1973-1984 و سلبي 1,5 % في فترة 1984-1994.  الحجم الاقتصادي للعالم العربي يعادل ما بين 2,5 % و 3 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.  أهمية الإنتاجية هو تأثيرها على النمو وبالتالي على مستوى الرفاهة الاجتماعية العامة.  يتكون المجتمع العربي من نسبة عالية من الشباب والشابات، وبالتالي الحاجة ماسة إلى تنفيذ السياسات المقوية للإنتاجية التي تسمح بتوسيع أسواق العمل وتخفيف هجرة الأدمغة.

بالإضافة إلى مواضيع الحريات واعتماد الشفافية في الممارسات الحكومية والخاصة والتحرير الاقتصادي لمختلف القطاعات، إن عودة نسب النمو الاقتصادي العربي إلى مستويات عالية ترتكز على:

أولا: تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي وصولا إلى السلام العادل والشامل.  الفوضى الحاصلة اليوم في العراق تعقد الأمور وتضعف العالم العربي أكثر.

ثانيا: تحقيق الاستقرار المفقود بسبب هيكلية اقتصاديات المنطقة واعتمادها شبه الكلي على النفط، كما بسبب السياسات المتنوعة غير المناسبة.  فأسعار النفط، كبقية المواد الأولية، اشتهرت بتقلبها.  أما السياسات غير المناسبة فلا تتوقف على العوائق الإدارية أمام التجارة أو على الدعم السخي للعديد من القطاعات، بل تتعلق أيضا بسياسات سعر الصرف الثابتة والمرتفعة التي تقف في وجه نمو الصادرات.

ثالثا: تطوير المؤسسات بكافة أنواعها إذ ما زالت دولنا ترتكز على الشخص أو على مجموعة قليلة من الأشخاص، فاذا رحل أو رحلوا ذهبت معهم المؤسسات والقوانين.

رابعا: صيانة وتطوير البنية التحتية لتجاري التقدم العالمي.

خامسا: تطوير القطاع المالي.  يحتاج القطاع في نفس الوقت إلى المؤسسات المصرفية القوية والمتنوعة والى القوانين العصرية التي ترعى شؤون العرض والطلب حفاظا على حقوق المواطنين والشركات. فعمليات تبييض الأموال تتم عموما في الأنظمة المالية البدائية أو في غير الشرعية. تطوير القطاع المالي العربي يسمح لأجهزة الرقابة بمراقبة رؤوس الأموال التي تتجول للتبييض أو للإرهاب أو لتمويل الصفقات السياسية والاقتصادية المشبوهة.  بلغت قيمة الأسهم المتداولة في المنطقة سنة 2000 حوالي 7,2 % من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة ب 69,8 % في شرق أسيا و 36,8 % في أفريقيا السوداء وأرقام أعلى بكثير في الدول الغربية.  المطلوب بناء أسواق مالية فاعلة وشفافة تسمح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بتمويل استثماراتها.

سادسا: وجود عمالة وطنية كافية من ناحيتي الكفاءة والاختصاص في كل القطاعات. لا بد من تسهيل انتقال الأشخاص والسلع والخدمات والأموال بين دول المنطقة، بحيث تتفاعل مع بعضها البعض.  تحقيق منطقة تجارية حرة حقيقية يبقى في طليعة الأهداف الاستراتيجية العربية ويجب أن يسبق أية مناطق تجارية أخرى بما فيها المقترحة من قبل الأميركيين. فالمشروع الأخير يربط تجاريا كل دولة بأميركا، دون أن يساهم بربط الاقتصاديات العربية بعضها ببعض.

سابعا: درس أوضاع القطاع العام وحجمه بحيث يفسح المجال أكثر للقطاع الخاص للنمو والازدهار. القطاعات العامة العربية فضفاضة وغير فاعلة في معظمها، وبحاجة إلى إصلاحات جذرية تعزز الإنتاجية وترشد الإنفاق. ففي العالم العربي تبلغ قيمة الاستثمارات الخاصة ضعفي الاستثمارات العامة، مقارنة ب 6 في الدول الصناعية الغربية و5 في دول شرق أسيا.  ترشيد الإنفاق يبقى موضوع مهم جدا في منطقة تعتمد مواردها المباشرة وغير المباشرة على سلعة واحدة هي النفط. يجب التفكير بوسائل مالية تواجه تقلبات أسعار النفط حماية للإنفاق العام وللأوضاع الاجتماعية. وقد نجحت النروج مثلا في إنشاء صندوق يمول من الإيرادات النفطية وتستعمل فوائده عندما يكون هنالك عجز في المالية العامة.  هنالك دول كفنيزويلا تستثمر في الأدوات المالية المشتقة الحديثة بهدف تغطية تقلبات سعر النفط.

إن مواصلة الانفتاح الاقتصادي فيما بين الدول العربية وبين العالمين العربي والخارجي هو في غاية الأهمية. من نتائج حادثة 11\9\2001 انغلاق المجتمعات بعضها على بعض، أو بعضها ضد بعض. فما التصريحات الأخيرة للمدير العام لمنظمة التجارة العالمية إلا لتؤكد مرة جديدة على وعي العالم لأهمية الانفتاح ولجدوى التجارة الدولية. لذا ستتابع المنظمة ما تقرر في الدوحة وتنطلق من جديد لتكمل الجولة بمشاركة الدول العربية والنامية عموما.