المعارك في مواجهة التحالف الأمريكي الصهيوني

اللواء الركن المتقاعد محمد عليان عليمات/الأردن

كان العدوان الأميركي ـ الصهيوني ضد العراق عام 1990 حربا عنصرية همجية حاقدة بحقيقتها وإنسانية لتحقيق العدالة ونصرة المظلوم بظاهرها المزيف، والحقيقة أنها جاءت لتخدم مصالح الغرب واستراتيجيتهم في الهيمنة على الوطن العربي، لقد استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية ترسانة أسلحتها الاستراتيجية التي لم تجر بها والتي كانت مكدسة في مخازنها إبان الحرب الباردة مع الكتلة الشيوعية التي انهارت فأسالت لعاب الغرب وخاصة الولايات المتحدة للتربع على آبار النفط العربي والتحكم في الشرق (اليابان) والغرب (أوروبا) وإخضاعها لإرادتها السياسية والتحكم بمصير العالم.

لقد مات في الحرب العالمية الثانية ما يقرب من (25) مليون إنسان وسجل ذلك الحدث كمأساة حقيقية في أسفار التاريخ ومنذ تلك الحرب فقد العالم ضمن حروب إقليمية ما بين 75 ـ 170 مليون إنسان، حيث فقدت كمبوديا وحدها مثلا أبان حكم الخمير الحمر 14% من سكانها البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة فلم نجد الولايات المتحدة أو الغرب يتحركون لحقن الدماء ووقف هذه النزعات ـ وهم في الغالب المحركون لها ـ إلا لما يخدم مصالحهم وعنصريتهم ولذا نجدهم يهبون لمحاربة العراق بحجة العدالة الدولية ويحاصرون شعبا تعداده عشرين مليونا باسم الشرعية الدولية التي هي ثوب منفصل على مزاجهم وأهوائهم.

لقد كانت الحرب العدوانية ضد العراق نتيجة لإرهاصات وحبائك ودسائس وحيل استراتيجية لتدمير القوة العراقية الواعدة، التي أظهرت فاعليتها خلال حرب الصمود على البوابة الشرقية حيث أظهرت الولايات المتحدة إبان تلك الحرب عدم احتجاجها على مجرياتها علنا واتخذت صفة المراقب آملة في أن تحتوي ايران وأن تدمر العراق الذي تضمر له الشر وكانت هذه استراتيجية عليا تطبقها في الوقت المناسب ولذا نجد أنها دعمت ايران بأسلحة متطورة نتجت عنها فضيحة أمريكية أطلق عليها ـ كونترا غيت ـ.

لقد تابعت تطور أم المعارك عن كثب واستنكرت في نفسي ذلك التسابق المسعور للدول نحو إرسال قواتها بما في ذلك بعض الدول العربية لتدمير القوة العراقية وأسأل نفسي، ما هذا الهراء الذي يجري؟ في حين كان الشارع العربي يشتعل حماسة للشعب العراقي وقيادته، حتى أخذ الناس يرون الروايات الأسطورية وأخذت العقول تشطح شطحات حالمة، وكان يبهجني أنني كنت أرقب الصواريخ العراقية وهي متجهة صوب تل أبيب حيث كنت اعمل على قاطع القدس ـ عمان، تلك الصواريخ التي سجلت لمطلقيها الفخر بأنهم أول من جعل الصواريخ تتساقط على رؤوس الصهاينة حقيقة وليس جعجعة إعلامية ولذا استحقوا أن يدونوا في موسوعة غينيس للتفرد.

لقد كانت الحرب حربا عالمية ويمكنني أن أطلق عليها (الحرب العالمية الثالثة) فهي من حيث حشد الجيوش واشتراك الدول لا تقل عددا وعدة وتفاعلا عالميا عن أي من الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويمكنني أيضا القول: أن هذه الحرب هي حرب الوسائل التكنولوجية وإعلان لبدء محدودية فعالية الوسائل التقليدية في الحرب وزوال أساطير البطولات الشخصية وفقدان العنصر الإنساني من قبل الأعداء ضد العراق الذي خاض أم المعارك بكل عناد واقتدار.

إن الاستثمار الغربي الحاقد كان يمتثل بالخوف على الكيان الصهيوني المسخ النشاز فقد أصابهم تنامي العراق المادي والمعنوي بالهلع فخافوا على ضيعتهم ولقد زاد خوفهم هذا عندما انتهت الحرب العراقية الايرانية عام 1988 وعقدت بعدها القمة العربية في بغداد عام 1990 حيث أعلن العراق أن العرب شركاء في القدر العراقي وأنه آن الأوان لبناء القدرة الذاتية للعرب وإزالة الفقر والديون وذلك بتخصيص دولار واحد من كل ثمن برميل نفط كدعم للقدرة العربية، فأيقنت الدول الغربية أن العراق تجاوز الحدود الممكنة ضمن استراتيجيتهم الحاقدة المتربصة، فحركوا صنائعهم للضغط والعصيان والإيذاء.

وعليه فأن خاصية العدوان الثلاثيني في أم المعارك تنبع من الصراع الحضاري الذي لا يسمح للعرب بأن ينهضوا أو الذي يتجدد باستمرار بتجدد الظروف والأساليب التي تمر بها المجتمعات الإنسانية فقد ورث الغرب الصهيوني الذي أوجد الصهيونية قبل مارتن لوثر كينغ بثلاثمائة ـ عن أجدادهم البدائيين تطلعاتهم الشهوانية الجامحة نحو المشرق العربي وثرواته ودفء حضارته وقد نالت حملاتهم الصليبية أو حملاتهم الصهيونية ـ لا فرق ـ في ذلك إلى أن أتت (الاستثمارية ـ الإمبريالية ـ الرأسمالية ـ الاحتكارية) واقتسمت فيما بينها وطننا العربي في القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين وكان حقدهم البربري هذا يتصاعد ضد الأمة العربية والإسلامية كلما زاد تصاعدهم المادي الرأسمالي وتوحدت الرأسمالية الاستثمارية (الاستعمارية) الغربية بزعامة رأس النظام العالمي الجديد، الولايات المتحدة لتصوغ مفهوما جديدا في الصراع الأيديولوجي بيننا وبينهم وهي الحلقة التي يعتبرونها نضوج الرأسمالية وذلك بعولمة حضارتهم وإزالة وجودنا كأمة.

لقد كان العراق وحيدا كقوة في صد العدوان ولكن الشعب العربي كان معه ولم تسمح ظروف الوطن العربي المهلهلة والمعقدة بأن يقف الشعب العربي وقفة واحدة ضد الاعتداء البغيض ورفض التبعية للرأسمالية الاستثمارية (الاستعمارية) وقد وقع وطننا العربي بين براثن المتسلطين الداخليين والذين هم ابعد ما يكونون عن الاستيعاب الضروري للسياسة والألاعيب الدولية فأصبحت أقطاره مشتتة، متنازعة متناحرة، لذا فأنه لا يمكن إيجاد استراتيجية موحدة للوطن العربي في واقع الأضداد أو (الاخوة الأعداء) ولذا فأن قدراتنا ومواردنا العظيمة مشتقة إلى كيانات هشة هلامية، ضعيفة ولهذا فلا استراتيجية موجودة ومرسومة بشكل متقن ومتفق عليه ولا أهداف يمكن أن تتحقق في ظل هذا الواقع الأليم والذي يترجمه الواقع العربي المتردي (...)..

لقد تحمل الاقتصاد الأمريكي أعباء الحرب العالمية الثانية وتكلفة إعادة بناء أوروبا ضمن مشروع مارشال، في حين أن الاقتصاد الأمريكي لم يتحمل أيا من تكاليف الحرب ضد العراق، لقد استثمرت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب ضد العراق للتخلص من مديونيتها التي وصلت إلى مئات المليارات عام 1990 وحولت تلك الحرب إلى صفقات أنعشت الاقتصاد الأمريكي الذي كان في وضع حرج وكان في غرفة الإنعاش وبأمس الحاجة لتخطي مشاكله المتنامية وقد تبجح الرئيس كلينتون –آنذاك- بأن الولايات المتحدة لم تصل إلى ما وصلت إليه من الانتعاش الاقتصادي والوفرة في الناتج القومي مثل ما شهدته خلال السنوات الثمانية 1992ـ 2000 وهي فترة حكمه للولايات المتحدة بدورتين رئاسيتين وهذا الانتعاش لم يمثله أي انتعاش آخر منذ 40 سنة وطبعا هذه الوفرة وهذا الانتعاش الذي تبجح به كلينتون حصل بتحصيلات استحقاقات الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها بالنيابة عن أنظمة الخليج العربي مكافأة لها وحليفاتها هذه الدول التي فتحت خزائنها وسلمت مفاتيح أرصدتها للولايات المتحدة دون تردد في حين تحجم عن دعم الدول العربية الفقيرة التي تعاني صعوبات جمة في اقتصادها ولقد أظهرت أم المعارك هذه الحقيقة وأبرزت الحقد والبخل والتقوقع لهذه الدول على شواطىء الخليج وأدارت ظهرها لكل عربي.

لقد كانت أم المعارك منازلة تاريخية كبرى هزت العالم وأطاحت بكل المعادلات والتحالفات والتوقعات وأظهرت النظام العربي على حقيقته من الهشاشة والضعف، ومنذ ذلك الحين زاد الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بحجة توفير مظلة دفاعية للمنطقة الغنية بالنفط، على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لشعوبها.

والسؤال الذي يطرح نفسه، مادام العرب أصحاب قوة اقتصادية وأصحاب كثرة عددية في الخليج العربي والجزيرة لماذا يرمون بأنفسهم في أحضان أمريكا وهي تلفظهم وتمتص دماءهم وتدمر مدينتهم؟ في نفس الوقت تحنو على الكيان الصهيوني وهو الذي مجرد عالة وثقل على الاقتصاد الأمريكي؟ الجواب لا يحتاج إلى طول تفكير، انه الصراع العقائدي والحضاري الذي يقوم به الغرب والصهيونية ضد الأمة العربية خاصة تلك الأقطار ذات الثقل الاستراتيجي مثل العراق، إن في الإدارة الأمريكية (65) شخصية صهيونية من أصحاب القرار في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي لقد زار الرئيس الأمريكي كلينتون مع زوجته وابنته الكيان الصهيوني وقد أفضى بتصريح مفاده انه يعتز بهذا الكيان وروى انه زاره قبل أن يصبح رئيسا حينما كان واليا لإحدى الولايات المتحدة ولاية (اركنسو) وأن الحاخام الأكبر آنذاك استقبله وأخبره انه يتوقع له مستقبلا زاهرا وأن يصبح رئيسا للولايات المتحدة وتمنى عليه أن يدعم كيانه وأنه إخلاصا لتلك النبوءة يكن للكيان الصهيوني كل الطاعة والأمر ومن منطلق عقائدي فأن الصهاينة والمسيحيين المتهورين يعتبرون العراق حفيد بابل وبابل هي التحدي التاريخي والتقليدي للصهيونية المسيحية ولذا فهم ينظرون إلى العراق نظرة التحدي المتجدد مع الزمن، ونجد أن الولايات المتحدة خلال عهد كلينتون منحازة تماما للكيان الصهيوني وليس أدل على ذلك من وقوفها ودعمها للعدوان الصهيوني الغاشم على المواطنين العزل في فلسطين العربية المحتلة وفي الضفة والقطاع الذين يواجهون بصدورهم الدبابات والطائرات والمدافع الصهيونية.. وهم ينظرون أي الغرب والصهاينة إلى أن كل قائد عراقي هو (نبو خذ نصر) جديد.. ومتجدد في الإرادة والقوة.

يقول الغربيون ومن يدور بفلكهم مرغمين: أن الكيان الصهيوني وجد ليبقى وأنه قلعة يلوذ إليها الغرب لتطويع الوطن العربي وقد تمثلت هذه العلاقة درجة التزاوج العقائدي والاندماج الروحي فالمسيحية المتصهينة والتي يماثل خطرها على النصرانية خطرها ضد الإسلام هي التي تتحكم الآن في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهولندا وهي في نزاع مستمر مع الكاثوليك والأرثوذكس وهي التي أوجدت الصهيونية.. ولذا نجد ريغان الرئيس الأمريكي السابق يبرم معاهدة تحالف استراتيجي علني مع الكيان الصهيوني ويغدق عليه بالمعونات الكبيرة، وكذلك الرئيس كارتر الذي جاء بمبدئه الذي يقول: "إن الاقتراب من المياه الدافئة في الخليج العربي يعني الاشتباك المسلح مع الفاعلين". أما بوش الأب اللعين فهو الذي دعا إلى (النظام العالمي الجديد) وعلى رأسه الولايات المتحدة وكما قال رالف نادر أحد مرشحي الرئاسة الأمريكية لعام 2000 (الأمة لا يمكن الاستغناء عنها) وهو أي بوش الأب الذي قاد العدوان ضد العراق وقد تكفل بالحرب لإزالة المتحدي الحقيقي في نظرهم ضد الكيان الصهيوني ومن اجل إخراج هذا الكيان من الحرب وإبقائه سليما مقابل تكريم مادي بمبلغ (16) مليار دولار أمريكي دفعتها لها أنظمة الخليج العربي. ومن ثم أتى بوش الابن ليكمل ما بدأه والده.. لذا فأن الكيان الصهيوني سيظل هو التحدي الأكبر والتهديد الأخطر على الأمن العربي وذلك لطبيعة الفكر الصهيوني الاستعماري التوسعي الذي يتحين متغيرات دولية ملائمة للحصول على ذلك، ولذلك يعمل جاهدا لخرق النظام العربي وتعظيم سلبياته وتحريك نقاط الضعف فيه..

لقد أثبت العراق العظيم انه صوت ضمير الأمة العربية وأظهر التباين الكبير ما بين رؤى وتطلعات الأنظمة وبين رؤى وتطلعات أبناء الأمة العربية قلبا وضميرا حتى تمكنت هذه الرؤية لإيمانه أن تجعل من المحفل العالمي أن يعيد النظر ببرامجه اللصوصية التعسفية حيث تيقن أن العراق هو حارس الأمة العربية وحامي حضارتها الآن وفي المستقبل.. من هنا كان العدوان والغزو الأمريكي الصهيوني ضد العراق في آذار/مارس عام 2003.. 

إن المعادلة التي خرجت بها من أم المعارك ما يلي:

كيان صهيوني + نفط + استعلاء وانتقام حضاري (الولايات المتحدة والغرب) رفض كيانات مصطنعة + نفط العرب للعرب + حماية الحضارة والثقافة بوجود عراق قوي واع ومدرك لدوره ودور أمته المجيدة.

النتيجة: صراع عسكري واقتصادي وحضاري مستمر.

لذلك فإن تحصين إرادة المقاومة واستمراريتها فضلا عن رفع شعار الوطن والإنسان العربي اعتباره أغلى ما نملك لتجسيد حقيقة القدر العربي وغرس روح الجهادية والاستشهادية في فكر الجيل من اجل تنمية الشعور التحفزي لحضارة الأمة وتراثها في تحقيق الحرية والوحدة والحياة الفضلى.. عندها ستكون النتيجة إن شاء الله الحق يعلو والحتمية التاريخية.