لا تخذلوا فلسطين

المحرر

ردود الفعل العربية والإسلامية والعالمية على ما يرتكب من جرائم في الأرض المحتلة كلها تؤكد أن الناس يفهمون ما يجري ويعرفون من هو صاحب الحق ومن هو الظالم، ويرفضون المجازر وتهديم البيوت والمدن والاحتلال. ولكن الناس، المواطنين العاديين، لا يملكون اكثر من أن يعبروا عن رأيهم ويضغطوا على حكوماتهم بالوسائل المدنية المعروفة من احتجاج وتظاهر وبيانات وكتابات صحفية.. الخ

ومع كل ما تم من تعبير عن الرفض في كل أنحاء العالم لممارسات الكيان الصهيوني العنصري المحتل، لم تبادر أية حكومة للأسف باتخاذ قرار فعلي بإجراء من شأنه أن يجبر الكيان الصهيوني على الرجوع عن منهجه الفاشي اللئيم. نعم.. لوح الاتحاد الأوروبي بمقاطعة تجارية، واتخذ مجلس الأمن قرارات تطالب القوات الصهيونية بالانسحاب، ولكن الأمر في الحالتين لم يكن بمستوى من الجدية تقنع العدو. فضلا على انه لا يعمل إلا بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي مازالت حتى اللحظة تبارك جرائمه، ولا تخدع التصريحات ولا فعاليات المبعوثين الشكلية أحدا.

ولأن السياسة كما يرونها مصالح، كان لا بد من أن ترافق حركة الاحتجاج الشعبي قرارات حكومية تجبر العدو وراعيته أميركا على أن تحسب للآخرين حسابا. وليس اكثر من تهديد مصالحها النفطية سلاحا يجبرها على ذلك، كما أثبتت التجربة.

وفي ذكرى العدوان الثلاثيني الصهيو-أمريكي ضد العراق عام 1991 لا بد من التذكير بمبادرة العراق باتخاذ قرار بوقف تصدير النفط شهرا كما أعلنها الرئيس صدام حسين، وعده الحد الأدنى المتاح من الدعم لنضال الشعب الفلسطيني في معركته الحالية، وأقل واجب اليوم هو أن تقوم يقوم العمال العرب ونقاباتهم إذا لا زالت مستقلة وتعمل من أجل الطبقات العمالية الكادحة في الأقطار العربية هو أن تعيد تفعيل هذا القرار قولا وفعلا.. وأن تعمل على تثبيت قرارات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) قبل أن تسقط هذه المنظمة في قبضة قوى الشر الصهيو-أمريكية التي باتت تسيطر على أكثر من 54% من احتياط نفط العالم بعد أن سيطرت على دول الخليج العربي وعلى منطقة قزوين وأخيراً بعد غزوها العراق الذي يمتلك في كركوك فقط أكبر احتياط نفطي في العالم.

إن مصدري النفط من العرب قبل أولئك في الدول التي يقال أنها إسلامية يدركون جيدا أهمية هذا الإجراء وخطورته عليهم لأنهم أعلنوا في السابق وعلى لسان وزير خارجية "السعودية" أنهم لن يفعلوا ذلك، لأنهم يحسبون النتائج الاقتصادية المباشرة لهم.. ولكن العمال العرب ماذا سيخسرون بعد أن أصبحوا يهيمون صبحا مساء بحثا عن لقمة العيش بسبب سياسة التبعية التي تتبعها الأنظمة العربية منذ ما قبل غزو العراق؟.

وللتذكير أيضا نود القول بأن العراق عندما اتخذ قرار إيقاف تصدير النفط في بداية عام 2002 وهو محاصر منذ نحو 12 عاما، مع العلم أن العراق يعتمد في موارده أساسا على النفط.. ولم ينجح الحصار في سلب إرادته واستقلالية قراره السياسي. لذلك لا يجدر بالعمال العرب يترددوا في ردف مواقفهم المعلنة التي تصدر في بيانات نقاباتهم برفض العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، بل عليهم تأكيد ذلك بالفعل.

وللتذكير أيضا نعيد القول بأنه بعد إعلان العراق عن احتمال وقف تصدير النفط قد رفع سعر البرميل الواحد 4 أو 5 دولارات، فما بالك عزيزي القارىء لو أن الأشقاء في العروبة في كل البلاد العربية وقفوا وقفة عز واحدة وقرروا وقف ضخ النفط لأسبوع واحد مقابل أن يتراجع الكيان الصهيوني عن إبادته وتهجيره لشعب فلسطين؟. في الواقع إن قرارا من هذا النوع لا يخدم نضال الشعب الفلسطيني وحده، بل يخدم مصالح كل الأقطار العربية والبلدان المصدرة للنفط لأنه يمنحها أهمية سياسية أخرى ويجعل مواردها تتوظف في خدمة مصالحها الآن وفي المستقبل. كما يساهم في دعم قوى التحرر في فلسطين والعراق، لأن الغرب الأناني الذي يحرص على استقرار السوق اكثر من حرصه على أرواح الملايين وحقوقهم الأساسية، لا يهمه في الاستقرار سوى رفاهيته هو و(نمط حياته) التي يتباهون بها كثيرا!!.  وفي هكذا موقف تمنح البلدان والأقطار المصدرة للنفط فرصة لأن تجعل مواردها حرة، وقرار التصرف بها خارج إرادة الرأسماليين الاستعماريين، نسبيا. كما انه قرار يعطي النفط أهميته الحقيقية كسلاح سياسي، بالضبط كما يستخدم الأميركان الاقتصاد والمعونات الاقتصادية والعقوبات أسلحة ماضية على رقاب البشر.

إذن المطلوب الآن من المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية ألا يخذلوها.. فإن لم يستطيعوا دعمها كما يريدون في مواجهة قوى الشر والطاغوت فعلى الأقل يمكنهم محاولة دعمها بهكذا عمل وهو اضعف الايمان.

إن الملحمة التي يخوضها الشعب الفلسطيني الآن، والصمود الأسطوري الذي أبداه في جنين وفي نابلس كما في كافة أرجاء فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر، دليل عملي على أن صاحب الحق مهما كانت أدواته قليلة قادر على مجابهة الباطل والعدوان مادام إيمانه بحقه يسلحه بالإرادة. إن كل نداءات العالم لم ولن تجبر الكيان الصهيوني على الانسحاب أو وقف العدوان الهمجي ضد شعب فلسطين، وحده صمود المقاتلين في جنين ونابلس يجبره على ذلك، بدلا من أن يأتينا من يفرض علينا "خارطة الطريق" أو "وثيقة جنيف" وغير ذلك من مسلسلات التنازل.

ومن خلال وقف تصدير النفط العربي سنرى أوروبا وكافة دول العالم وفي مقدمتها شركات النفط الكبرى في أمريكا وهولندا وفرنسا يسارعون للتدخل بدلاً من "التوسل" لهم وطلب معاونتهم في الضغط على الكيان الصهيوني لوقف إبادته ومجازره ضد أبناء فلسطين. فهل نسمع قريبا عن دور للعمال العرب أم نقول على العمال العرب السلام؟.


لتستمر الانتفاضة وليتوحد الصف

المحرر

عندما نحاول تقييم انتفاضة أهلنا في فلسطين المحتلة ضد الغزاة الصهاينة الأشرار، لا ينبغي أن نكتفي بمقياس واحد أو ببعض المواقف والمظاهر، بل علينا أن نأخذها بمجموعها ونطبقها كلها، لأن الانتفاضة وفعلها العظيم في مكانها الحي، هي أسطع برهان، يضاف إلى إشعاع أم المعارك الخالدة، على صحة الحيوية في الأمة العربية وفي شعب فلسطين، بعد أن حمل كل معاني وجوهر الأصل في صفاته وموقفه، بغض النظر عن المعاني أو الأوصاف التي حاولت أن تعاكس تلك المعاني العالية، والتي أراد البعض لها أن تكون تحت أغطية وأوهام، فأخفق في الاسترسال والافتراض، حتى آثرت المعاني الأصيلة، معاني الجهاد والفضيلة والبسالة والتضحية ما يخلد المكانة في مسميات ساحاتها، لتلتقي بساحة الشرف والمجد والعز في العراق العظيم، التي على أساسها وقاعدة إيمانها الثابت، يتقرر مصير الأمة ومصير إرادة الشعب واتجاه فعله التاريخي.

فلماذا أفلحت الانتفاضة، وأثمرت صفات البسالة والتضحية والجهاد في أوساط أهلنا في فلسطين؟.. لقد أفلحت الانتفاضة، لأنها الحق بعينه، القادر على أن يدحر الباطل ويهزمه دائما، ولأنها وحدها القادرة على أن تمثل الصفات الأصيلة لشعبنا الفلسطيني وإرادته الوطنية والقومية المؤمنة، برغم كل الحشد العدواني الهمجي الذي حشده الصهاينة، يردفه الإعلام الغربي الصهيوني، لمواجهة الانتفاضة الباسلة على مدى الأشهر الماضية، وبرغم كل ألاعيب ومؤامرات الأمريكان المتصهينين المعبر عنها بصيغة (مقترحات وأفكار ومشاريع ومفاوضات.. الخ).. وأفلحت الانتفاضة، في كشف الدور الأمريكي الإجرامي العامل على تمزيق وحدة الانتفاضة الجماهيرية، فنبهت إلى مخاطر ما تطرحه الإدارة الأمريكية من مشاريع، لن تكون إلا على حساب شعبنا الفلسطيني وعلى حساب أرضه وحقه في وطنه من النهر إلى البحر، وعلى حساب العرب أيضا، حتى وإن استعانت بآخرين، على وفق عناوينهم وبمواقفهم المعروفة، لأن أمريكا تعرف الآن أنها لم يعد بإمكانها أن تبسط إرادتها على موقف شعبنا العربي الأصيل في فلسطين، أو أن تظهر بحلول تسمى سياسية مثلما اعتقدت وتصورت في ضوء مستوى الانتفاضة العميق الذي تفاجأت به هي، ومن تحالف معها.

إن انتفاضة شعبنا في فلسطين بداية صحيحة لطريق صحيح حتى وإن طال.. ونجزم أن مناورات أمريكا الحالية وأساليب الصهاينة الوحشية في مواجهة أطفال وشباب الحق الفلسطيني، لن تنجح، أو تحقق أهدافها بالكامل، ما دام الشعب قد صمم على الجهاد والنضال والاستعداد العالي لتقديم التضحيات، لأنه أيقن أن الكيان الصهيوني وحليفته الطاغية أمريكا، هما المسؤولان عن جريمة احتلال ارض فلسطين والعراق، والمسؤولان عن عمليات العدوان والقتل في فلسطين المحتلة وما لحق بالأمة من أذى وضرر على مدى عقود الزمن الماضية وحتى اليوم.

نعم.. لقد أوجع أهلنا المجاهدون في فلسطين، أمريكا وكيان الصهاينة، برغم عدم تكافؤ الصراع بالمعنى الفني، ولكنه بالمعنى التاريخي صراع متكافىء يتطلب إدامة زخمه إلى أمام (طوعاً وإرغاماً) خاصة وأن الحجارة موجودة في الأرض العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وأن إمكانات الأمة عظيمة وكبيرة، إذا ما أردنا أن نصدق مع أمتنا ونحبها، ونصدق النية مع فعل الانتفاضة بعمقها القومي المؤمن، فضلا عن ما نتمناه على أشقائنا الفلسطينيين من توحيد صفهم لمواجهة المجرمين الصهاينة ومناورات أمريكا الخبيثة، لأن فلسطين عربية وجزء من الوطن العربي، ولو لم تكن بهذا الانتماء الصميمي لما احتلت من قبل الصهيونية العالمية بتخطيط متقن، تعاون عليه الغرب الاستعماري بالدرجة الأساس، حيث أراد أن يلجم الأمة العربية باحتلاله للعراق، حيث أدام مستلزمات الاحتلال والعدوان والتوسع الصهيوني على العرب وعلى حسابهم ظلماً وعدواناً.

ولما كانت فلسطين تدفع الآن ثمناً بتضحياتها لأنها عربية، فإن من أبسط الواجبات إزاءها، أن يقف العربي، الموقف القوي المؤمن، وينتخي لطليعة الأمة في التضحية والجهاد لأن قضة العراق وفلسطين قضية واحدة، والتضحيات التي تتحملها اليوم فلسطين ما كان لها أن تكون بذات الموقف الجهادي والتاريخي، لو لم تكن عند خط الانتماء الأصيل للأمة، وعند التصميم على مستوى التفكير والعمل والالتزام بهما.. وعلى هذا الأساس ندعو كل العرب ليعبروا التعبير الصميمي عن الانتماء للأمة، إزاء ما يجب أن يكون عليه الموقف الصحيح تجاه فلسطين وما تتحمله اليوم من تضحيات.. بل كما قال الرئيس صدام حسين (على العرب أن يضحوا من اجل فلسطين، لأنهم عرب.. ولذلك فمن يقول دع الفلسطينيين يقاتلون وسأقدم لهم الدعم عن بعد، عليه أن يعيد النظر في نفسه، ويسأل نفسه، وإذا أجاب بعد السؤال انه عربي، عليه أن يقاتل كالفلسطينيين، وإن لم يستطع فبالوسيلة التي هو قادر شرعا على أن يقوم بها، بكل القياسات القومية والوطنية والإنسانية، والإنسانية بمعنى الانتماء إلى الأمة، وليس بمعنى التعويم.. فالبعض يهرب ويعوم الأمة وسط الإنسانية ليهرب من التزاماته تجاه القومية العربية).

وإذا كان الألم يعتصر عشرات ملايين العرب على ما يجري في فلسطين من إجرام صهيوني ضد أبناء فلسطين العربية، وضد العراق المحتل وكلهم شوقاً لمقاتلة الصهاينة المجرمين من اجل تحرير فلسطين والعراق، وهم كلهم على يقين ثابت من أن الانتفاضة ستستمر وستنتصر، ضد قوى الاحتلال وضد المشروع الأمريكي مهما طال الزمن ومهما غلت التضحيات.