من
حقائق العدوان الثلاثيني الغادر ضد العراق..
عندما
شرعت قوات تحالف الشر عام 1991 بعدوانها
العسكري ضد العراق كانت الآمال المعادية
معقودة على الحرب الجوية التي ابتدأت
العدوان، وما ستسفر عنه هذه الحرب من خلال حجم
الأذى المادي الذي سيحل سريعا بالمرافق
الحيوية في الساحة العراقية، ومن خلال نتائج
القصف الجوي الذي ستتعرض إليه خنادق القتال
الأمامية، وما سيترتب على كل ذلك من تحقيق ما
أطلق عليه (بالحد الأعلى للصدمة) التي ستؤدي
إلى استنزاف الصمود وقهر معنويات القتال
الأمر الذي سيتم فيه الانتقال إلى الحرب
البرية خلال أيام معدودة، إن لم تشهد
المواجهة استسلام الإرادة العراقية وإذعانها
لفعل القوة المعادية قبل هذا الانتقال.
هذه
النتيجة التي كانت تتطلع إليها قيادة
العدوان، والتي صممت الحرب الجوية، وفكرة
إدارة الحرب ضد العراق بموجبها، لم تكن في
الحقيقة خارج سياقات الحروب وقوانينها
المعروفة، بل إن ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو
أن الحرب الجوية عادة ما تعتمد كصفحة متقدمة
قبل المباشرة بالعمليات البرية، وكثيرا ما
تحقق انعكاساتها الإيجابية على عمليات
القوات البرية وتمهد لإحراز نصر هذه القوات،
برغم أن هذه الانعكاسات دائما ما تحصل لأحد
الأطراف مع وجود نوع من التوازن في القوة ما
بين أطراف النزاع، وليس في مثل ظروف التفوق
التي تحققت للحرب الجوية ضد العراق، وما اتسم
به هذا التفوق على مستوى حشد واستخدام
التهديد الجوي الذي كان مهيئا أساسا لمواجهة
الاتحاد السوفيتي (السابق) و(حلف وارسو)، إذا
ما أخذنا بالحسبان عناوين الدول التي شاركت
في العدوان، سواء التي يحمل بعضها هوية
الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي أو تلك التي
تصطف مع دول الحلف وتخضع لسياستها.
إذاً
فتصميم العدوان ضد العراق، وبناء فكرة إدارته
على مثل هذا الاستخدام الواسع والمركز
للتهديد الجوي بقصد الانتقال المباشر إلى حسم
الحرب، كان يحمل كما يبدو مسوغاته التي أفضت
إلى قبول العديد من الأطراف والجهات التي
كانت تتابع تطور الأحداث بما كانت تعلنه
دعاية الحرب المعادية، بل أن بعض القراءات
العسكرية التي واكبت الحرب الجوية بالتحليل
والاستقراء خلال الأيام الأولى قد اجتهدت في
أن زمن هذه الحرب لن يتجاوز الأيام المحدودة.
ومع
كل هذه التوقعات التي انتهت إليها بعض
القراءات العسكرية، وما كانت تعلنه الإدارة
الأميركية من موقع مسؤوليتها في قيادة
العدوان، فإن الحرب الجوية لم تتقدم باتجاه
ما كان مؤملا لها أن تنجزه على مستوى الاقتراب
السريع من حالة حسم الحرب، برغم أن العدوان
الجوي قد شن (وفي أقل من أسبوعين 30 ألف طلعة
جوية، وهذا يوازي بصورة تقريبية ربع عدد
الطلعات المنجزة في فيتنام خلال ثماني سنوات)..
وبرغم أن هذه الحرب قد استمرت بعد ذلك
باستخدام (ما يزيد على 5000 طائرة متنوعة، قامت
بتنفيذ نحو مئة ألف طلعة تقريبا، وألقت
خلالها نحو 90 ألف طن من القنابل والصواريخ)
الأمر الذي اصبح معه استمرار الحرب الجوية
مدعاة لإثارة التساؤلات التي باتت تبحث عن
أسباب هذا التراجع الذي حصل على الادعاءات
التي كانت تطلقها أطراف العدوان بشان اثر هذه
الحرب الجوية في حسم الصراع وإنهاء الحرب.
بل
أن بعض المواقف التي حصلت في ساحة المنازلة
الميدانية قد أضفت على هذه التساؤلات الدهشة
والاستغراب، عندما جاءت نتائج هذه المواقف
بالضد من الادعاءات المعادية، والتحليلات
التي آزرت هذه الادعاءات، ومن بين هذه
المواقف النجاح الذي أحرزته القوات العراقية
بعد مرور أسبوعين من المباشرة بشن الحرب
الجوية، وفي ظروف تصعيد هذه الحرب، من تنفيذ
تعرضها الناجح على القوات الأميركية في مدينة
الخفجي السعودية، حيث جاء هذا النجاح ليثير
تساؤلات خطيرة إزاء ما قيل عن حسم الحرب من
الجو، بعد أن بات واضحا أن آثار الحرب الجوية
على القطعات العراقية، لم تحل دون تنفيذ
العملية، وأن تفوق التهديد الجوي المعادي لم
يمنع أو يعترض النجاح الذي تحقق لها، لذلك لم
يكن الإنجاز العراقي في الخفجي مجرد مفاجأة
للأطراف التي ضللتها التصريحات الأميركية
بشأن اثر الحرب الجوية في القدرات القتالية
والروح المعنوية للجيش العراقي فحسب، وإنما
كان لهذه المفاجأة فعل الصدمة على قيادة قوات
العدوان، والإدارة الأميركية، التي تعذر
عليهما تفسير فعل الجيش العراقي الذي تحقق
بعد أسبوعين من القصف الجوي المستمر والمركز.
لذلك
استمرت الحرب الجوية، وتم تعليق قرار تنفيذ
الحرب البرية، وطال انتظار هذا القرار بعد أن
استمر القصف الجوي بتركيز غير اعتيادي على
قطعات الجبهة وخطوط المواصلات لمدة 43 يوما
وعندما بدأت عمليات القوات البرية بدأت على
أساس التحليلات الدقيقة ومعلومات
الاستخبارات التي أفادت بإحراز الحرب الجوية
للنتائج التي تسمح بالتحول إلى مرحلة حسم
الحرب.
ولكن
سرعان ما جاءت نتائج الميدان لتؤكد غير الذي
ادعته التحليلات والمعلومات الاستخبارية،
وتكفي لتؤكد ذلك الإشارة إلى ما ذكره (شوارزكوف)
في مذكراته بشأن هذا الموضوع ولاسيما انه
اختار قوات الحرس الجمهوري التي كانت اكثر
القطعات العراقية عرضة للقصف الجوي عندما
يقول: "إن المحللين يؤكدون أن وحدات الحرس
الجمهوري لا تزال محافظة على قواتها قريبا من
معدل مئة في المئة"، وفي هذا الاتجاه نفسه
جاءت معلومات بعض التقارير الصادرة في
الظهران لتؤكد هي الأخرى "أن نخبة القوات
العراقية لم تتضرر بالقصف الجوي حسب تأكيد
الحلفاء".
والحقيقة
إن المعلومات الميدانية لم تؤد إلى مثل هذا
الاعتراف الصريح بإخفاق الحرب الجوية في
أحداث ما مخطط لها في قدرات ومعنويات الجيش
العراقي، وإنما جاء رد فعل الجيش العراقي
خلال المواجهة البرية ليثير حيرة التساؤلات
التي انتقلت إلى أعلى مستويات القيادة في
الإدارة الأميركية، والتي لم تجد تفسيرا
لاحتفاظ هذا الجيش بقدراته العسكرية وروحه
المعنوية برغم شدة القصف الجوي الذي تعرض
إليه.
وكان
الجنرال (كولن باول) الذي كان يشغل منصب رئيس
هيئة الأركان المشتركة، من بين من وقع تحت
طائلة حيرة التساؤل وهو يهاتف (شوارزكوف) من
واشنطن باحثا عن أسباب التباطؤ الحاصل في
حركة قوات ما يسمى بالفيلق السابع الذي يقوده
الجنرال يوسوك وتردد هذه القوات في مواجهة
قوات الحرس الجمهوري، التي تعرضت طويلا للقصف
الجوي، ويذكر (شوارزكوف) نص هذا الحوار في
مذكراته قائلا: "قال لي باول اتصل بالجنرال
يوسوك وأخبره أن رئيس الأركان محشور في زاوية
ضيقة بسبب وضع الفيلق السابع.. أريد أن اعرف
لماذا لا يتحركون، ولماذا لا يستطيعون مهاجمة
عدو تم قصفه من دون انقطاع طوال 30 يوما، إن
الفيلق السابع مازال يناور منذ يومين ولا
يزال بعيدا عن الاشتباك مع العدو يصعب تماما
تبرير تصرفات الفيلق لأي إنسان هنا في واشنطن".
ومع
أهمية الوقوف إزاء هذه النتيجة التي انتهت
إليها الحرب الجوية وتناولت توثيقها الأحداث
الميدانية، ومذكرات قادة العدوان، فإن الأهم
من ذلك هو القراءة الستراتيجية التي ينبغي أن
تتحقق لتفاصيل الموقف العراقي سواء على مستوى
القرار أم الإجراءات التي رافقت التنفيذ،
وأدت إلى أن ينتصر العراق على استراتيجية
الحرب المعادية التي خطط لها وقاد تنفيذها
خبراء المؤسسات العسكرية في الدول الكبرى.