في ذكرى العدوان الثلاثيني الغادر على العراق

الأكاذيب والتضليل سمة من سمات الإدارة الأمريكية

فؤاد الحاج

"حرب الخليج هي أحقر حرب خضناها (نحن الأميركان) حتى الآن.. وأنها خطأ مأساوي سيكلفنا الكثير"..

هذا ما صرح به بعد أيام قلائل من قصف ملجأ العامرية البروفيسور (ماكغواير غبسون) المتخصص في حضارات ما بين النهرين في جامعة (شيكاغو) لصحيفة (الغارديان ويكلي)، تعبيرا عن استنكاره الجرائم البشعة التي ارتكبتها الإدارة الأميركية ضد شعب هو من اعرق شعوب الأرض قاطبة.

اليوم وفي ذكرى العدوان الثلاثيني الغادر ضد العراق الأبي عام 1991 نعيد لتذكير ليس بذلك العدوان الذي عملت له قوى الشر العالمية بقيادة الإدارة الصهيو-أمريكية فقط بل بواحدة من الجرائم الكبيرة التي ارتكبها أولئك الأشرار في عدوانهم على العراق وهو قصف ملجأ العامرية الذي ذهب ضحيته مئات الأبرياء من النساء والأطفال ومعمل حليب الأطفال.. الذي بذات المنطق الذي استخدمته إدارة الشر الأمريكية لتبرير قصفها مدينتي (هيروشيما) و(ناكازاكي) بالقنابل الذرية حينما ادعت أميركا أنها قصفت قاعدة مهمة للجيش الياباني.. فقد أعلنت تلك الإدارة الشريرة، حينما أقدمت على جريمتها بقصف معمل حليب الأطفال أنها قصفت منشأة عسكرية تنتج أسلحة كيمياوية.. بينما ادعت أنها قصفت مقر قيادة وسيطرة عسكرية في بغداد حينما قصفت ملجأ العامرية المدني.

الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أن أميركا استهدفت قتل المدنيين الأبرياء في العراق مثلما استهدفت قتل المواطنين اليابانيين قبل نصف قرن من الزمن.. وما ادعاءاتها المختلفة إلا محاولات للتضليل والأكاذيب التي تتقن صناعته فقد أرادت من هذه الجريمة البشعة ترويع الناس وإرهابهم وهز معنوياتهم والتأثير في صمودهم ومقاومتهم للعدوان.

فبعد قصف معمل حليب الأطفال في الثاني والعشرين من كانون الثاني/يناير عام 1991 وتحويله إلى حطام توجه فريق من الصحفيين والمراسلين المتواجدين في بغداد بينهم (بيتر ارنيت) مراسل شبكة ((CNN التلفزيونية آنذاك وبعد جولة لهم في أرجاء المعمل المدمر لم يعثروا على أي دليل يثبت كونه معملا لإنتاج الأسلحة الكيمياوية، أو أي نوع من أنواع الأسلحة وقام (بيتر ارنيت) بتذوق عينات من الحليب أمام كاميرات التلفزة بينما أخذ قسما آخر منه ليجوب بها كبريات المدن الأميركية عند رجوعه.. وكان يقدمه ممزوجا بالقهوة‍‍!!

إن الهدف الأساس من قصف المعمل كان الطفولة العراقية وزيادة معاناتهم في ظل الحصار، من خلال الإيغال في منع الغذاء والدواء عنها وخصوصا حليب الأطفال.. وعلى الرغم من هشاشة المزاعم الأميركية قال الجنرال (كولن باول) ما غيره الذي يشغل وزير خارجية إدارة الشر الصهيو-أمريكية اليوم في إحدى مقابلاته وقد أخذته العزة بالإثم "نحن على يقين من أنه معمل للأسلحة الكيمياوية." واعترض المراسلون الغربيون على ذلك ومن بينهم (بيتر ارنيت) على هذا القول.

وبعد مدة قصيرة أعلن المتحدث باسم شركة (نستلة) السويسرية وهي المنتج الأول للأغذية الخاصة بالأطفال في العالم.. "نحن نعرف أنه معمل لأغذية الأطفال" وأكد مسؤولون في الشركة انهم كانوا يقومون بزيارات دورية للإشراف على بنائه طوال السنوات الماضية قبل تحويله إلى ركام بفعل صواريخ "الديمقراطية" الأميركية.

إن هذه التصريحات لم تنقل في أي من الشبكات الفضائية الناطقة بالعربية والغربية بشكل عام التي حرصت على نقل هجوم باول على مراسل شبكة (CNN) مثلما حرصت على نقل تصريحات المسؤولين الأميركان بأن المعمل منشأة عسكرية!

(رامزي كلارك) وزير العدل الأميركي الأسبق أكد أن معمل حليب الأطفال كان أحد الأهداف الأولى للقصف ولا يعتقد أي عراقي أو عربي أن القصف حصل بالمصادفة.. وأن ما زعمته الإدارة الأميركية كذب.. لأنه تحدث مع اكثر من عشرين شخصا ممن يعملون في المعمل، وكلهم أكد له بشكل قاطع أنه معمل لحليب الأطفال دون أدنى شك.

وحينما قصف الأميركان ليلة الثالث عشر من شباط/فبراير ملجأ العامرية قدموا النموذج نفسه (الكذب والتضليل) الذي اعتمدوه في حروبهم.. فقبل الفجر بساعة أطلقت الطائرات الأميركية من نوع (أف-111) صاروخين موجهين بالليزر صمما خصيصا لاختراق سقف الملجأ يزن كل منهما طنين فأحدث الأول فتحة كبيرة في سقف الملجأ، من خلال فتحة التهوية ليحدث عصفا يؤدي إلى إغلاق الأبواب في الملجأ ويمنع المقيمين فيه من الخروج.. أما الثاني فأنه مر من خلال الخرق الذي أحدثه الأول لينفجر في داخل الملجأ ممزقا أجساد الأطفال الغضة وأجساد النساء والشيوخ، ويحول الملجأ إلى فرن لصهر البشر بلغت حرارته آلاف الدرجات المئوية.. وهذا مما أدى إلى استشهاد (403) من المواطنين الذين احتموا بالملجأ من قصف الطائرات.. كان من بينهم (52) طفلا رضيعا و(261) امرأة امتزجت دماؤهم برماد الموت ونثار الإسمنت المحطم.. وأمام آثار الدماء المختلطة بالركام والخطوط التي حفرتها الأمهات والأطفال الشهداء على جدران الملجأ، أمام الحقيقة التي لا يمكن إغفالها انهارت صناعة الكذب الأميركي.. اضطر (البنتاغون) إلى الاعتراف بالجريمة البشعة التي ارتكبتها أميركا ضد شعب العراق على الرغم من أنه حاول تصوير جريمة القصف بأنها حدثت "خطأ" وليس بالقصف المتعمد لمكان مدني فقد نشرت صحيفة (الصنداي تايمز) البريطانية في عددها الصادر يوم 17/2/1991 أن مصدرا رفيعا في (البنتاغون) أبلغها بأن "وزارة الدفاع الأميركية تعترف بارتكابها خطأ بقصف ملجأ مدنيا في بغداد، وأن المعلومات التي بموجبها تم تشخيص المكان كملجأ عسكري كانت معلومات قديمة"!!.

وقد ذكر شهود عيان في منطقة العامرية، حيث يقع الملجأ، أن الطائرات الأميركية ظلت ثلاثة أيام متوالية تحوم حول المنطقة، وأحيانا بارتفاعات منخفضة.. ويبدو أن الهدف من هذا الطيران كان تصوير المنطقة بدقة والتعرف على مواصفات الملجأ وتحديد كيفية إصابته إصابة مباشرة وإلحاق الأذى الفادح بالقاطنين فيه.. وهذا ما عكسته طريق تنفيذ الجريمة.. إذاً المعلومات ليست قديمة، ولكنها أكذوبة قديمة، وورقة من أوراق التضليل الأسود.

في كتابه (احذروا الإعلام) أفرد (ميشيل كولون) فصلا مهماً لدراسة أساليب التضليل التي مارستها ماكنة الدعاية الغربية لطمس حقيقة هذه الجريمة البشعة وسعي شبكات التلفزة الأميركية والغربية عموما إلى الحد من تأثير هذه المأساة وانعكاساتها في الرأي العام العالمي.

يقول (ميشيل كولون) "إن الأمر الذي صدمتنا ملاحظته هو أن المراسلين يتحدثون عنه باسم (الملجأ) في حين تصر هيئة التحرير المركزية على تسمية (المخبأ العسكري). إن اختيار التسمية ليس بريئاً.. فالملجأ هو مدني بالضرورة، أما المخبأ فهو عسكري بالضرورة أيضا، والثاني يوافق الطرح الأميركي الرسمي"..

ويستغرب (كولون) من عدم نشر مجلة (باري مانش) الفرنسية صور ضحايا الملجأ وهي التي عودتنا على نشر الصور الواضحة للحوادث ومحاولات الاغتيال.. لكنه يجيب على هذا الاستغراب بالقول.. "إن سبب تكتم الصحيفة على نشر صور الملجأ هو أن أولئك القتلى لا يخدمون أغراضها ويناقضون الدعاية المطلوبة".. الأدهى من ذلك أن المصادر العسكرية عدت قصف الملجأ، حتى بعد انكشاف الحقيقة، دليلا على مهارة الطيارين الأميركان وفعالية قنابلهم (الذكية)!!

لقد كشفت جرائم الأميركان وحلفائهم مدى استهتارهم بالقيم والمواثيق الإنسانية واستخفافهم بحياة الشعوب.. فقد أرادوا النيل من إرادة العراقيين وإصرارهم على مواصلة مسيرة النهوض ووقوفهم وراء قيادتهم، وبذات الوقت أراد الأميركان إعادة الاعتبار لأنفسهم التي هزمت في فيتنام والثأر من العراق الذي دك تل أبيب بالصواريخ، التي قال عنها (شيمون بيريز) خلال زيارته إلى المغرب عام 1992، "أن العراق سيدفع غالياً ثمن الصواريخ التي أطلقها على تل أبيب"، من اجل شددت الإدارات الأميركية المتعاقبة من (الجمهوريين) و(الديمقراطيين) معاً حصارها الجائر على عراق العروبة ومن ثم قامت إدارة الإجرام الدولي بقيادة بوش الصغير بغزوها للعراق في العشرين آذار 2003.