المتاجرون بفلسطين

د. عوده بطرس عوده
احتفالية جنيف في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2003 للمتاجرين بفلسطين، الوطن والمقدسات والقضية والحقوق والمصير العربي، تشكل إضافة لأبرز أيام المسيرة الاستسلامية التصفوية التي انطلقت بها حركة فتح بالأبواب السبعة من الكويت عام 1959 تحت شعار فلسطيننا ومقولة أننا الأحرص من الدول العربية في حماية القضية من مؤامرات التصفية بالتوطين والتهجير وللتذكير كانت هذه الانطلاقة أيام كان المد القومي الوحدوي جارفا يهدد بقية الإقطاعيات العربية بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة يوم 1958/2/22 بزعامة عبد الناصر العظيم وانتصار ثورة 14 تموز العراقية عام 1958 أيضا التي أسقطت حلف بغداد. ثم تتالت الأيام البارزة التي تشكل وصمة لن تمحوها الأيام في تاريخ هذه الحركة التي امتصت الروح الجهادية الفدائية وجعلتها مجرد عمليات إذاعية دعائية من وراء خطوط الهدنة تحت شعار التحرير الشامل. وأصبح ياسر عرفات (أبو عمار) القائد العام لثورة التحرير الشامل من النهر إلى البحر وانشغل الكثيرون أيامئذ في البحث دون جدوى عن جذوره التاريخية وتمكن بالتحالف مع منظمة الصاعقة المرتبطة بسوريا من السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية في شهر فبراير/شباط 1969.
بعد وفاة عبد الناصر (1970/9/28) ووصول السادات (1971/5/15) انفتحت الأبواب لتنفيذ المخطط وصولا لهدف التصفية الشاملة للقضية الفلسطينية، أعقد قضايا التاريخ البشرى فكان يوم 1974/10/29 فاصلا في تاريخ هذه القضية! إذ كان يوم اختتام قمة الرباط بقرار الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني الذي تحفّظ عليه صدام حسين بربطه على طريق التحرير ومنذ هذا القرار تخلّى الجميع باستثناء العراق عن اعتبار القضية الفلسطينية هي القضية المركزية وبؤبؤ العين وأسرعت أمريكا بفتح أبواب الأمم المتحدة أمام ياسر عرفات ليدخلها بغصن الزيتون.
في العام 1978 كانت جمهورية الفاكهاني في بيروت بزعامة أبو عمار في أوج ازدهارها، وكان سخيا في العطاء بلا حذر للكثيرين من الكتاب الذين صاروا يؤدون أدوارا مزدوجة وأعرف البعض منهم ما زالوا في الخدمة ويتقاضون مرتبات شهرية منتظمة في ذلك العام عقد القائد العام لثورة التحرير الشامل اتفاقا سريا مع العدو "الاسرائيلي" التزمت به حركة (فتح) ولأن عدة منظمات أخرى استمرت تنشط عبر خط الهدنة اللبناني قررت وزارة بيغن بإلحاح وزير دفاعها شارون اجتياح لبنان عام 1982 وإخراج المنظمات الفدائية كلها من لبنان وبذلك سقطت الفاكهاني!
في العام 1991 بعد العدوان على العراق انعقد مؤتمر مدريد بدعوة من بوش الأب بدون مشاركة رسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولخشية أبو عمار من خلق قيادة بديلة من الشخصيات الفلسطينية التي شاركت ضمن الوفد الأردني، رغم أنهم اعتبروه مرجعيتهم فانه لعدم إحراز أي تقدم معهم ارتضى بمفاوضات سرية في العاصمة النرويجية أوفد إليها رئيس وزرائه الحالي أحمد قريع بإشراف محمود عباس رئيس وزرائه السابق وبهذين الرمزين جاءوا إليه باتفاق أوسلو الذي احتفل بالتوقيع عليه يوم (13/9/1993) حاملين معهما بساطا أحمر ليتدرب عليه.
أخطر ما في ذلك الاتفاق التنازل عن قرار التقسيم الذي اتخذته الأمم المتحدة يوم (29/11/1947) وبموجبه تقوم دولتان يهودية بمساحة 54 في المائة من فلسطين. وعربية بمساحة 46 في المائة مع جعل القدس وبيت لحم منطقة دولية مفتوحة ولأن ياسر عرفات ومنذ قرار الممثل الشرعي الوحيد السخي في العطاء اجتمعت عزوة حوله، وبعث لرابين قبيل حفل التوقيع (9/9/1993) بكتاب رسمي يعترف فيه بحق "اسرائيل" في الوجود ويتعهد بحماية أمنها.
احتفال جنيف (1/12/2003) الذي تكشّف بأن ياسر عبد ربه مثّل دور أحمد قريع فيه يُعتبر التنازل الثاني وهو التنازل عن حق عودة اللاجئين إلى ديارهم رقم (194) بتاريخ 12/12/1948.