الأبعاد الحقيقية لقرارطرد منظمة مجاهدي خلق من العراق

صباح الموسوي *

 لم يكن قرار ما يسمى "مجلس الحكم" بإخراج ما تبقى من أعضاء منظمة مجاهدين خلق الإيرانية المعارضة من العراق وليد صدفة أو انه نابعا من إرادة وطنية حقيقية لدى أعضاء المذكور المجلس لا لكون هؤلاء (أعضاء) لم يكونوا يرغبون بذلك من قبل بل العكس من ذلك فهم يتسابق على تقديم مثل هذه الخدمة لحلفائهم الإيرانيين ولكن الذي أعاقهم طوال المدة الماضية هو كونهم يفتقدون القدرة على اتخذ مثل هذا القرار السيادي فـ"مجلس الحكم" هو مؤسسة تابعة لسلطة احتلال ومن يملك السلطة والسيادة في العراق طبقا لقرار مجلس الأمن هي قوات الاحتلال وما "مجلس الحكم" إلا أداة تنفيذية تشكلت بموجب قرار من قوات الاحتلال ولم يكن وليد إرادة عراقية حرة ولهذا فأن "مجلس الحكم" لا الحق له والقدرة في إصدار أي قرار ومهما صغر فما بالك بإصدار قرار مهم يرتبط بطرد الآلاف من أعضاء منظمة لها ارتباطاتها الإقليمية والدولية وتشكل جزء من حلقات اللعبة الدولية في المنطقة وتحضا بحماية دول كبرى، فقرار طردهم من العراق أو تسليمهم إلى ايران ولشدة تعقيداته ومخاطرة لا يقدم عليه بهذه الطريقة التي سمعناها من أعضاء "مجلس الحكم" نظام مستقل وصاحب سيادة فما بلك بخمسة وعشرون دمية ليس لها من الحكم إلا الاسم. و من السخرية في هذا القرار إنه اتخذ في فترة رئاسة عبد العزيز الحكيم الذي كان أول من أعلن عنه والذي وصف فيه (منظمة مجاهدي خلق) بـ"الإرهابية" و"الغير شرعية"، ومن يعرف عبد العزيز الحكيم وكيف تشكل التنظيم الذي يترأسه اليوم بعد مقتل أخيه باقر الحكيم سوف يضحك ملأ فمه على هكذا تصريح الذي لا يقل سخافة عن القرار الطرد نفسه، حيث وكما هو معلوم أن ما يسمى بـ"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" قد تأسس عام 1982م من قبل الاستخبارات الإيرانية وكان اسمه عند بداية التأسيس "مكتب الثورة الإسلامية في العراق" وكانت قيادته بيد مكتب الاسناد (الپشتبانی) التابع لفرع اللجنة الخارجية في استخبارات الحرس الثوري الإيراني (كمية برون مرزي) وكانت حينها منظمة (مجاهدي خلق) الذي تأسست في ستينيات القرن الماضي تخوض حربا ضروسا مع النظام الإيراني وكان اغلب قادتها قد انتقلوا إلى خارج البلاد واستقروا في فرنسا حيث يحمل اغلبهم الجنسيات الأوروبية. ومع اشتداد الحرب بين ايران والعراق ذهب وزير خارجية العراق آنذاك طارق عزيز إلى باريس وعقد اتفاقا مع منظمة (مجاهدي خلق) تم بموجبه نقل قيادة المنظمة إلى العراق وقد وضع بين يديها جميع الإمكانيات وعندها قامت بتشكيل جيش يعد بعشرات الآلاف جاءت عناصره من ايران وأمريكا وأوروبا واغلبهم من اللاجئين السياسيين والطلبة الإيرانيين في الخارج وقد شكل العنصر النسوي نسبة كبيرة في هذا الجيش.

ومع تطور وضع (مجاهدي خلق) طورت ايران من وضع التنظيمات العراقية المعارضة وفي عام 1984 تم الإعلان عن تشكيل تنظيم "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" وهو تجمع معارض كان في البدء يضم في عضويته العديد من الشخصيات والمنظمات الإسلامية العراقية التي كان اغلبها قد تم تأسيسها بعد "الثورة الإيرانية" والبعض الآخر مع نشوب الحرب الإيرانية العراقية وقد أسندت رئاسة المجلس في بادئ الأمر لسيد علي الحائري من الإيرانيين المبعدين من العراق ثم لمحمود الشاهرودي رئيس السلطة القضائية في ايران حاليا ثم استقرت رئاسته للمقتول محمد باقر الحكيم وأعقب تأسيس المجلس المذكور تشكيل قوة عسكرية من العراقيين الفارين من الخدمة في الجيش العراقي أو الاسلاميين الشيعة المعارضين للنظام العراقي إضافة إلى ذوي الأصول الإيرانية الذين تم تسفيرهم من العراق بدوافع سياسية وقد أطلق على هذه القوة (لواء بدر) وكانت تسمى قبل ذلك معسكر الشهيد الصدر (معسكر غيوري اصل) وكان مقر هذه القوات في ضواحي مدينة الأحواز وبعد أن ضم إليه آلاف من الأسرى العراقيين الذين أطلق عليهم اسم التوابين بعد أن ادخلوا دورات غسيل الأدمغة واشترط عليهم إطلاق سراحهم من الأسر مقابل الانضمام إلى هذه المليشيا التي تحول اسمها فيما بعد إلى (فيلق بدر) وقد أسندت قيادتها إلى ضابط في استخبارات الحرس الثوري اسمه محسن دقايقي وقد قتل في جبهات الحرب بعد عامين من توليه قيادة المليشيا المذكورة، وبعد مقتله توالى على قيادة هذه القوة ضباط آخرون من الحرس الثوري الإيراني إلى ما بعد انتهاء الحرب بين ايران والعراق وذلك على العكس من منظمة (مجاهدين خلق) حيث كانت قواتها العسكرية التي أسمتها بجيش التحرير الوطني الإيراني تخضع لقيادة ايرانية خالصة ولم يتدخل الجيش ولا المخابرات العراقية في شؤونها وكانت معسكراتها مغلقة على العراقيين تماما وكانت تنطلق في تعاملها مع الحكومة العراقية من منطلق الشراكة وليس التبعية كما هو حال مجلس الأعلى و(فيلق بدر) والسبب في ذلك يعود إلى أمرين:

الأول: إن منظمة مجاهدين خلق منظمة تاريخية أنشأت بقرار إيراني وطني معارض قبل إنشاء "مجلس الأعلى لثورة الإسلامية في العراق" من قبل المخابرات الإيرانية بأكثر من ربع قرن.

ثانيا: إن منظمة مجاهدي خلق عندما ذهبت إلى العراق ذهبت ضمن اتفاقيات رسمية تمت بين جهتين اعتباريتين حددت فيها شكل ونوع التعاون بين الطرفين مع شرط عدم تدخل السلطات العراقية في الشؤون الداخلية للمنظمة، وعندما ذهبت قيادة المنظمة إلى العراق لم تذهب خلسة وإنما ذهبت تحت علم ودراية عدد من الدول الأوروبية من بينها فرنسا وبريطانيا كون الكثير من أعضاء المنظمة يحملون جنسية الدولتين ولهذا كانت منظمة (مجاهدي خلق) تتعامل وكما قلنا من موقع الشراكة وليس التبعية كما هو حال "المجلس الأعلى".

ثالثا: إن ذهابها إلى العراق كان قد تم بطلب وقرار عراقي مستقل و ذات سيادة يختلف تماما عن قرار طردها الذي جاء بطلب من قوات الاحتلال ولكن تم الإعلان عنه على لسان مؤسسة عراقية فاقدة الاستقلالية والسيادة،  والدليل على ذلك إن محامي منظمة (مجاهدي خلق) السويسري مارك هزلين تقدم بطلب إلى وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد ومعاونه پل ولفوويتز لإعطاء المنظمة مهلة إضافية من عشرين إلى أربعين يوما لحسم أمرها وقد اعتبر فيه قرار الطرد مخالفا لقوانين جنيف من قبل قوات الاحتلال ولم يقدمه هزلين طلبه إلى "مجلس الحكم" الذي جاء القرار على لسانه.

ولكن لماذا أقدمت أمريكا على هذا القرار؟ هل هو تصفية حسابات مع منظمة (مجاهدي خلق)؟ أو هو إرضاء لإيران التي ساهمت بدعم أمريكا في حروبها ضد أفغانستان والعراق؟ أم انه قرار صفقة كما أعلن عنها والتي سوف يتم بموجبها طرد مجاهدي خلق من العراق مقابل تسليم ايران لسبعين من أعضاء منظمة القاعدة المحتزين لديها؟ أم أن الأمر أبعد من ذلك؟.

لا شك إن ما بين منظمة (مجاهدي خلق) وأمريكا ما صنع الحداد حيث اتخذت المنظمة ومنذ نشأتها خط التصادم مع امريكا وذلك بحكم أيديولوجيتها الاشتراكية ومعارضتها لنظام البهلوي الذي كان حليفا لامريكا وضمن مسلسل الصراع الطويل الذي خاضته مجاهدي خلق مع النظام البهلوي وكانت في السبعينيات قد أقدمت على اغتيال الملحق العسكري الأمريكي في طهران وعدد من عناصر المخابرات الأمريكية الحدث الذي ادخل المنظمة بصراع مباشر مع امريكا التي قدمت الكثير من المعلومات والخبرات الاستخبارات لنظام البهلوي آنذاك بهدف القضاء على المنظمة المذكورة. ورغم سقوط الشاه وتشكل الصراع الدامي بين منظمة (مجاهدي خلق) و"النظام الجمهوري الإسلامي" الذي يفترض أن يكون خصما معاديا لامريكا، فأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة بقيت ترفض إنشاء أي علاقات مع المنظمة بل قد تطورت حالة العداء بينهما إلى وضعها على قائمة "الإرهاب" الأمر الذي منع المنظمة من ممارسة أي نشاط سياسي على الأراضي الأمريكية وجعلها ملاحقة من قبلها.

وبعد احتلال العراق وجدت أمريكا الفرصة سانحة لتصفية حساباتها القديمة مع المنظمة إلا أن الولايات المتحدة حاولت التصرف بأخلاقية الدولة العظمى ولم تستعجل التصفية من دون أي مقابل, فمنظمة (مجاهدي خلق) ورقة سياسية مهمة إضافة إلى كونها منظمة لها مؤيديها وقواعدها في امريكا وأوروبا وبالتالي أي عمل تهوري من الممكن أن يؤدي إلى عمل لا يحمد عقباه وما عزز هذه التصور هو قيام الحكومة الفرنسية بحملة مداهمات غير مبررة شنتها ضد عدد من مكاتب المنظمة واعتقلت فيها جمع من قادتها حيث خرج على أثرها الآلاف من الإيرانيين من أنصار المنظمة بحملة احتجاجات ومظاهرات عمت أوروبا كما قام العشرات منهم بحرق أنفسهم تأييد لقادة المنظمة المعتقلين والتحذير من المساس بهم.

هذه اللعبة التي أخرجتها فرنسا فهمتها امريكا وهدأت من تعاملها مع المنظمة وسمحت للعدد من قادتها السياسيين والعسكريين الكبار بالخروج من العراق وأبقت على حوالي الأربعة آلاف من عناصر المنظمة بعد إن جمعتهم في معسكر واحد وهؤلاء الذين بقوا تسعون في المئة منهم يحملون إما جناسي أو إقامات دائمة في بلدان أوروبية وأمريكية وقد حاولت امريكا طوال الأشهر الثمانية الماضية إجراء عدت مفاوضة مع فرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى للوصول إلى اتفاق بشأن الخلافات حيال الوضع العراقي وكانت امريكا دائما تلوح لفرنسا وألمانيا خصوصا بورقة (مجاهدي خلق) إلا أن هذه الدول لم ترضخ للابتزاز الأمريكي وعندما أدركت ايران أن الفرصة مواتية لها قامت بفتح بازارا على ما في يديها من محتجزي القاعدة فعرضت الصفقة على الوسيط الأردني الذي حمل الرسالة إلى الإدارة الأمريكية والتي وجودت إن في هذا العرض فرصة مناسبة لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فهي:

أولا: تقتص من (مجاهدي خلق) لمقتل دبلوماسيها إضافة إلى كونها كانت حليف لعدو لدود.

ثانيا: تكافأ ايران على خدماتها الجليلة وتأخذ منها عناصر القاعدة ألد الأعداء الذين قد يوجود من بينهم من هو على قدر كبير من الأهمية بنسبة لها.

ثالثا: وهو تصفية الحساب مع فرنسا وألمانيا ودول أخرى يهمها أمر (مجاهدي خلق).

ولهذا ولخلق مبررات تعفيها من المسائلة القانونية والأخلاقية كونها قوت احتلال فقد أوعزت الولايات المتحدة الأمريكية إلى "مجلس الحكم" الخاضع لسلطة حاكمها المدني في لعراق بول بريمر أن يصدر قرار طرد (مجاهدي خلق) وقد جاء هذا القرار على لسان من لا يملك لمن لا يستحق.

* عضو المكتب السياسي لحزب النهضة العربي الأحوازي  

13 كانون الاول 2003