الحوار
ليس هدفا بحد ذاته
د.أحمد
مجدلاني/رام الله – فلسطين المحتلة
وصل
حوار القاهرة لنهاياته المتوقعة بموقف الحد
الأدنى الذي عبر عنه بالبيان الإنشائي
المقتضب والذي لم يحمل سوى فضيلة التأكيد على
مواصلة الحوار وكأن الحوار هدفا بحد ذاته
وليس وسيلة لإدارة الخلافات الداخلية وصولا
للقوا سم المشتركة.
لقد
أسقطت نتائج الحوار أوهام كثيرة كانت معلقة
عليه سواء تلك التي لم تكن تتوقع منه أن يخرج
بأي موقف سياسي يعكس الحد الأدنى من مما ينبغي
الاتفاق عليه، او مابين من كان يروج أن
الاتفاق على وقف إطلاق النار جاهز والجميع
ذاهب لكرنفال احتفالي بالقاهرة من اجل إخراج
الموقف، ووصل الوهم بأصحاب هذا الاتجاه
بالقول إن القوى قد سلمت سلفا بتقديم ورقة وقف
إطلاق النار وتخويل القيادة الفلسطينية
بالإعلان والتفاوض مع الولايات المتحدة
وإسرائيل على ترتيباته وذلك ارتباطا بضغوط
دولية وإقليمية على هذه القوى تحملها
ولاعتبارات تتصل بوضعها على تغيير لغة خطابها
ومواقفها، علاوة على أن تجربة وقف إطلاق
النار السابقة وطريقة إخراج الاتفاق الذي
أعلنه كل فصيل من جهته وكأنه دولة مستقلة، قد
اضر بالعملية برمتها ولم يحمل إسرائيل على
احترامه، لأنه لم يوفر أساسا لإحداث ضمانه
دولية عليه.
هذا
البعض الذي قرأ المعادلة معكوسة وكعادته
ووفقا لرؤيته البراغماتية، لا يرى في الحوار
الوطني حول أي قضية، سوى ورقة استخدامية وفي
الأزمات فقط والمطلوب أن تخدم سياساته
وتوجهاته الآنية بصرف النظر عن رأي ومواقف
الآخرين ورؤيتهم للحوار ووظيفته على اعتبار
أن ختم الشرعية معه، وما دام الأمر كذلك فإن
ورقة وقف إطلاق النار يجب أن تعطي له
ليستخدمها في مجالها وفي مجالات أخرى.
بيد
إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد فالشعب
الفلسطيني والحركة الوطنية الفلسطيني لا
تعاني فقط من محاولات الهيمنة والاستئثار
والتفرد بالقرار الوطني على هذه الشاكلة
والطراز، وإنما من الاتجاه الآخر أيضا الذي
يعتقد انه يملك الفيتو من خلال ادعاءه انه
الوحيد الذي يملك خيار المقاومة المفصل على
مقاصة ووفقا لرؤيته وأغراضه السياسية
الدنيوية وليس الأخروية.
وحتى
لا يبدو أن من يتحمل ما وصل إليه الحوار فقط
يتصل بالأسباب الداخلية الفلسطينية على
أهمية ذلك، فإن الموقف الأمريكي والإسرائيلي
بعدم الاستعداد المسبق على تقديم ضمانات
للوصول لاتفاق وقف أطلاق نار متبادل ومتزامن
ووفق التزامات متقابلة ومتوازية قد دفع
بالحوار الى مأزقه المحتوم، الذي كان من
الممكن لو أطلقت مبادرة أحادية الجانب أن
تعيد إنتاج وتكرار ما جرى مع حكومة أبو مازن
التي حاولت اخذ هدنة من جانب واحد لتولد
مفاعيل دولية للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها.
إن
النتائج التي آلت إليها حوارات القاهرة وضعت
الحركة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني
أمام خيارات صعبة ومريرة، في ظل ظروف ومعطيات
تتطلب توحيد الجهد الوطني الفلسطيني لمواجهة
التحديات التي يحاول شارون فرضها وتكريسها
على ارض الواقع مستفيدا من حالة الانشغال
الأمريكي في مواجهة المقاومة الوطنية
العراقية، ودخول الانتخابات الرئاسية هناك
مرحلتها الرسمية وتراجع إمكانية أي ضغوط من
الممكن أن تمارسها الولايات المتحدة إن رغبت
لحفظ التوازن على مصالحها في المنطقة جراء
ذلك.
لذا
فإن التحدي الذي يطرحه شارون أمام الشعب
الفلسطيني وحركته الوطنية والشعبية بمواصلته
بناء جدار الضم والنهب والفصل العنصري،
ومواصلته الحصار والقتل والاغتيالات، هو
تكريس لسياسة الأمر الواقع، ومحاولة تقرير
ومن جانب واحد شكل وطبيعة ومضمون الحل
النهائي للشعب الفلسطيني مفصلا على شاكلة
غيتوات أشبه ما تكون، او هي تكرار واستنساخ
لتجربة نظام الميز والفصل العنصري في نظام
جنوب أفريقيا البائد.
إن
المعالجات القاصرة والجزئية للشأن الوطني
العام بما فيها للشأن الداخلي الذي لم يعد
يحتمل المحاولات الترقيعية من هنا وهناك ولا
لعبة تبديل الكراسي في تشكيل الحكومات وإعادة
وتشكليها، ولا الانشغال بالصراعات على
المكاسب ومراكز القوى والنفوذ.
إن
المواطن الفلسطيني بحاجة ليرى أعمال جدية
وملموسة تعني أول ما تعني بمعالجة قضاياه
الحياتية اليومية جراء سياسية الحصار
والتجويع الإسرائيلية، وهنا لا يجوز أن يتحمل
عبء الحصار والتجويع غالبية الشعب بينما
تتنعم القطط السمان بخيرات الوطن وإمكانياته
وترتع في الفساد المالي والإداري بدون حسيب
او رقيب.
إن
المسؤولية الوطنية وبعد أن اتضحت حدود اللقاء
السياسي في القاهرة والتي أبرزت حقيقة معروفة
ليست بحاجة لبرهان الصراع بين برنامجين
ونهجين سياسيين، وان جرى التأكيد على مواصلة
الحوار والاستعداد لتحييد المدنيين والتي لا
تعتبر كافية بنظر البعض لتحريك الموقف
السياسي، أن هذه المسؤولية تقتضي أن تركز
الحكومة الفلسطينية على معالجة القضايا
الاجتماعية والاقتصادية لغالبية الشعب
الفلسطيني وان تسعى ما أمكن وفي ظل القناعة
المتولدة أن لا حلول سياسية في الأفق في
المرحلة الراهنة الى إدارة حوار وطني كخيار
استراتيجي يسعى لتقليل الخسائر الفلسطينية،
والحفاظ على ما تبقى من البنية الاقتصادية
والاجتماعية، ومواصلة نهج الإصلاح في مؤسسات
ووزارات وأجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية،
والتحضير لانتخابات حرة وديمقراطية ووفق
قانون انتخابات عصري وديمقراطي يقوم على أساس
التمثيل المختلط لضمان أوسع تمثيل ممكن
ومشاركة سياسية فاعلة، ليتسنى بعد ذلك وفي
ضوء النتائج تحديد بأي وجهة نريد أن نواصل
المسيرة وكيف.
إن
خيار التجديد وإعادة البناء الديمقراطي في
النظام السياسي الفلسطيني هو الخيار الوحيد
الذي ينبغي أن نعول عليه وليس خيارات فرض
الرؤى من جانب واحد سواء باستمرار سياسة
الهيمنة والتفرد أم باستخدام سياسية الفيتو
أو الرضوخ للأجندات الخارجية.