ليندون لاروش: سياسة أميركا الخارجية هدفها نهب الأمم الأخرى

حسين العسكري

يعتبر ليندون لاروش الذي ينافس على ترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عام 2004، من أكثر السياسيين الأميركيين إثارة للجدل. وهو يخوض منذ أكثر من عام حملة قوية ضد مجموعة المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية ونائب الرئيس ديك تشيني الذي يعتبره المحرك الرئيسي للرئيس جورج بوش. وقد هاجم المحافظون الجدد لاروش بشراسة في الآونة الأخيرة باعتباره مصدر معظم النقد الذي يتعرضون له في وسائل الإعلام الأميركية التي أدت إلى فتح سلسلة تحقيقات في الكونجرس الأميركي حول طبيعة عملهم قبل وبعد حرب العراق.

يذكر لاروش أنه المرشح الثاني بين الديمقراطيين في نسبة عدد المساهمات المالية من مواطنين أميركيين لحملته الانتخابية حسب الاحصاءات الرسمية للجنة الانتخابات الفيدرالية. كما أنه كون حركة شبابية تقدر بعدة مئات هدفهم إيصاله إلى الترشيح للرئاسة. وقد أصدر لاروش في الآونة الأخيرة بيانا يطالب بسحب القوات الأميركية من العراق وعدم التلاعب بموضوع الدستور العراقي، والاستناد إلى الدساتير السابقة للعراق بدلا من كتابة دستور جديد في ظل الاحتلال.

ـ إلى أين تتجه السياسة الخارجية الأميركية في الوقت الراهن؟ وما هو تأثير مصالح اليمين السياسية الخاصة وقوى الضغط المالية في تحديد السياسة الأميركية؟

ـ من الناحية الفعلية، فإن السياسة الخارجية الأميركية الآن هي تلك السياسة التي اقترحها وزير الدفاع السابق ديك تشيني بدون نجاح بين عامي 1991-1992 هذه السياسة تهدف إلى خلق هيمنة امبريالية أميركية في العالم ونهب الأمم الأخرى من خلال حكومة عالمية تأتي عن طريق ما يسميه تشيني وآخرون «الحرب الاستباقية النووية». وتعتبر الصين على سبيل المثال واحدة من الدول على لائحة الأهداف.

هذه السياسة هي إحياء لمذهب «الحرب النووية الوقائية» الأصلي الذي صاغه برتراند راسل خلال الأربعينات من القرن الماضي، وهو مذهب دخل حيز التطبيق خلال الفترة بين أغسطس 1945 وبداية الخمسينات. لكن قيام الاتحاد السوفييتي بتطوير أول سلاح نووي حراري في العالم أدى إلى التخلص من «المحارب النووي الوقائي» الرئيس هاري ترومان وسياساته عن طريق تنصيب الرئيس دوايت آيزنهاور المعادي لمذهب الطوباويين لفترتين رئاسيتين. ثم دفع انهيار الاتحاد السوفييتي بما يسمون بـ «المحافظين الجدد» إلى الاعتقاد بأن ذلك يعني أن فترة «الانفراج النووي» قد انتهت، وبالتالي تم إحياء سياسات راسل للحرب النووية من الأربعينيات من جديد من قبل هؤلاء المحافظين الجدد.

هكذا تم إحياء هذه السياسة من قبل تشيني كاقتراح لكيفية استغلال الفرصة التي أوجدها انهيار القوة السوفييتية بين عامي 1989- 1991، لكن رفضت إدارة جورج ه. و. بوش «الأب» مقترحات تشيني في ذلك الوقت. أما ظهور تلك السياسة التي كان تشيني ملتزما بها طوال التسعينات مجددا، فقد تم فرضها بنجاح على إدارة بوش الحالية من قبل تشيني بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001. وأصبحت تلك سياسة معلنة للولايات المتحدة منذ إلقاء الرئيس جورج دبليو بوش الابن خطاب حالة الاتحاد في الكونجرس في يناير 2002.

من وجهة نظر عسكرية مبدئية فإن ما يقترحه تشيني هو ليس سياسة فاشلة فحسب بل وجنونية أيضا. لكن كونها سياسة مجنونة لا يعني أنها لن يتم تطبيقها من قبل الولايات المتحدة إذا لم تتم إزالة تشيني من منصبه الحالي. فسياسات هتلر كانت أيضا جنونية خاصة في يونيو عام 1940 عندما قرر ونستون تشرتشل منع بريطانيا من الانضمام إلى هتلر الذي كان يبدو منتصرا على أوروبا الغربية في ذلك الوقت. أما استمرار الحرب فأصبح أمرا محتوما، لكن أصبحت هزيمة ألمانيا واليابان على يد الولايات المتحدة أمرا محتوما أيضا.

ـ ما هو التأثير المحتمل الذي قد يحدثه انتقال السلطة إلى الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة؟ ـ إذا لم يتم انتخابي أنا، فإن السياسة الأميركية الحالية ستستمر، بالرغم من أنه سيطرأ عليها بعض التغييرات الثانوية. دعني أوضح ذلك.

هنالك عاملان أساسيان يحددان السياسة الحالية والصراعات السياسية بين القوى المهيمنة على «المؤسسة» السياسية الأميركية اليوم. أولهما هو الانقسام ما بين «اليمين» حيث يوجد ما يسمى بالطوباويين الذين يميلون أكثر إلى سياسات تستند على تحقيق إمبراطورية عالمية من خلال ترسانة من الأسلحة النووية، و «اليسار» المؤلف من أولئك الذين يميلون إلى المذاهب الأقل مغامرة لتحقيق الهيمنة العالمية عن طريق الوسائل التدريجية لأشكال من السياسات الليبرالية الأنجلوهولندية التقليدية التي تسمى بـ «الامبريالية الليبرالية».

أما الانقسام الثاني فهو بين التراث السابق للولايات المتحدة باعتبارها الأمة المنتجة القيادية في العالم، وبين النزعة التي جاءت بعد عام 1964 نحو التحول إلى مجتمع طفيلي «ما بعد صناعي» استهلاكي وقوة منحلة ثقافيا في صورة مشابهة لانحطاط روما القديمة في الفترة التي جاءت مع نهاية الحرب البونية الثانية «الحرب ضد قرطاجة». إن قيادة الحزب الديمقراطي واقعة تحت التأثير الايديولوجي لفكر المجتمع «ما بعد الصناعي»، بينما أنا أقف ضد هذه السياسات. لذلك فإن الديمقراطيين سيخسرون انتخابات عام 2004 إن لم أكن أنا مرشحهم. إن الفساد المذهل والروح السياسية الهزيلة للشخصيات القيادية في الحزب على سبيل المثال هي انعكاس لانحطاط النسيج الفكري والأخلاقي للحزب الديمقراطي بين عامي 1994-2003 من خلال ما يسمى بشكل مفيد «فترة التحول الثقافي السلبي» 20031964 للولايات المتحدة من أمة عظيمة إلى أمة منحلة ومفلسة في الوقت الحاضر. كل منافسي لترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة هم ضحايا لذلك التحول الثقافي السلبي. إن التعبير النمطي عن ذلك الانحلال في أوساطهم يمكن رؤيته في سياساتهم الاقتصادية المناهضة للصناعة والتكنولوجيا وتواطئهم في عملية التدمير المستمرة للبنى التحتية الاقتصادية الأساسية التي اعتمدت عليها قوة الولايات المتحدة الاقتصادية في السابق.

هؤلاء هم كسمك ذهبي يدور في إناء السمك الزجاجي. الإناء هو تقيدهم بأفكار متوافقة مع عملية التحول الثقافي السلبي لثقافة ما بعد عام 1964 للاقتصاد الأميركي والرأي العام الشعبي. الآن وصلنا إلى نقطة جلبتنا فيها عملية الانحدار بين عامي 1964-2003 الولايات المتحدة إلى أزمة انهيار اقتصادي مبكر وشامل. بإمكاننا النجاة من تأثيرات تلك الأزمة إذا عدنا إلى قيم ما قبل عام 1964 المرتبطة بتراث الرئيس فرانكلن روزفيلت. إن منافسي البائسين، وبعضهم في حقيقة الأمر أشخاص نزيهون وعاقلون، كانوا وما زالوا عاجزين عن قبول طريق الأمان الذي يوصل إلى خارج إناء السمك الثقافي الذي جاءت نهايته الآن. هذا نموذج نمطي للتاريخ حين ندرسه على المدى البعيد. إن ما يجلب الأمم إلى حافة الدمار هي عيوب في الثقافة. بالمقابل فإن ما يساعد الثقافات المهددة حتى وإن كانت على حافة الكارثة هي تغييرات مناسبة في المنحى الثقافي لكي تتعافى هذه الثقافات وتمضي إلى الأمام. كما يقال «فإن الأموات قد يتملكون الأحياء»، كذلك فإن الفشل في الهروب من موروث العادات المكتسبة في ماضي منهار قريب هو علامة على نهاية القوى العظمى. على أية حال فإن أحد استطلاعات الرأي أظهر مؤخرا أن جميع منافسي الديمقراطيين سيهزمون أمام بوش في انتخابات عام 2004، لكن نفس الاستطلاع أشار إلى أن مرشحا غير مذكور قد يفوز على بوش. أنا هو ذلك المرشح. وما قلته للتو هو المفتاح لفهم أهمية ترشيحي في ضوء المؤهلات الفاشلة لنظرائي.

ـ هل أدت «الحرب على الإرهاب» إلى أية نتائج؟ وما هو البديل لهذه السياسة؟

ـ لقد أدت إلى نمو وانتشار الإرهاب إلى مديات تفوق أي شيء كان ممكنا قبيل الهجمتين الأميركيتين المتتابعتين على أفغانستان والعراق واستغلال رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون للتأثير الذي يملكه على السياسة الأميركية بشكل وحشي واستفزازي متعمد.

والأسوأ من ذلك هو أن انتشار هذا الإرهاب بسبب السياسات الأميركية الحالية قد دفع المستقبل المنظور للعالم في اتجاه الانتشار العالمي لتكنولوجيا الحروب غير المتكافئة النووية إلى أبعد مما كان ممكنا التفكير فيه بجدية خلال كل المدة منذ عام 1945، إن السياسات الأمنية للأمم اليوم يجب أن تضع هذا الخطر المتنامي على رأس تحركاتها الدبلوماسية وما يرافقها من شئون صنع القرار السياسي.

ـ كيف تم رسم المعلومات الاستخبارية لحرب العراق؟ وكيف يمكن تصحيح ذلك لتفادي حروب جديدة؟

ـ إن المعلومات الاستخبارية الزائفة التي تم اختلاقها في سبيل استغفال الكونجرس الأميركي وآخرين لانتهاك الدستور الأميركي عن طريق شن الحرب الحالية تم تنسيقها تحت نفوذ نائب الرئيس ديك تشيني ومساعده لويس ليبي بالتنسيق بشكل كامل مع أرييل شارون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير. الأدلة تثبت أن كل ذلك كان محض تزييف. ـ ماهو رأيكم بمبادرة جنيف الفلسطينية الإسرائيلية؟ وكيف تنظرون إلى مشكلة التطرف الديني اليهودي والمسيحي ودوره في أزمة الشرق الأوسط عموما؟

ـ إن إسرائيل هي قنبلة يدوية نووية على وشك أن تلقى على العالم الإسلامي. وليس المعروف عن القنابل اليدوية أنها تبقى بعد انفجارها. هذه الحقيقة الأخيرة يدركها العسكريون المحترفون في إسرائيل جيدا، كما يدركها غيرهم من المجموعات السياسية. لهذا السبب، شهدنا منذ منتصف السبعينات مدا وجزرا كثيرا في قوة التحالف الإسرائيلي من أجل علاقة سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

هنالك مكونان أساسيان لذلك العامل السلمي بين الإسرائيليين المؤيدين للفكر الصهيوني. أولهما هو تراث ناحوم جولدمان، أما الآخر وهو المكون بشكل رئيسي من الحركة العمالية الصهيونية المرتبطة باسم ديفيد بن جوريون التي أدركت مدى محدودية العدوان الإسرائيلي ضد العالم العربي. اليوم هنالك حتى أعضاء في حزب الليكود ممن يتشاركون في الرؤية العملية إلى الحاجة إلى سلام.

إن طريقة تعاملي مع هذه القضية مبني بشكل أساسي على سابقة «معاهدة سلام ويستفاليا» المبرمة عام 1648، ومبدأ «مصلحة الآخر» الذي أعتقد أنه الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تنجح في ظل الظروف الحالية التي حددها مجرى التاريخ. سواء أكان الحل دولتين أم دولة واحدة، فلا بد من وجود اتفاق من أجل السلام على أساس ذلك المبدأ. كل الحلول المخالفة لذلك فشلت. لو كنت رئيس الولايات المتحدة، لاستخدمت كامل نفوذ الولايات المتحدة لإنجاح مثل هذه الطريقة في التعامل مع القضية.

بطبيعة الحال، أنا أؤيد اتفاقية جنيف، وأيضا خطاب الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر في تلك المناسبة. هذه الاتفاقية لا تشكل حلا كاملا بعد، لكنها خطوة لا غنى عنها وجيدة في اتجاه مفيد. ـ هل بإمكانك التعليق على قضية المعايير المزدوجة التي يستخدمها الغرب في تعامله مع موضوع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط؟

ـ إن كلمة «معايير مزدوجة» هي إدانة مخففة أكثر من اللازم. إن ما يجري هنا هو بالضبط نفس نوع النفاق السفسطائي الذي كان يستخدمه حكام أثينا القديمة والذي أدى إلى إشعال «الحرب البيلوبونية». إن مرتكبي مثل هذه الدبلوماسية المنافقة تحكمهم رؤية فلسفية هوبزية «نسبة الى توماس هوبز» تجاه شئون العالم، مثلما كانت تصر على ذلك وزيرة الخارجية الأميركية السابقة «مادلين أولبرايت». هذا يعني الحكم عن طريق دبلوماسية التهديد حيث تكمن المصلحة المنافقة للطرف القوي المزعوم في خضوع الأطراف المستهدفة.

ـ هل هناك كلمة أخيرة يود لاروش أن يوجهها لقراء الملف السياسي لـ «البيان» حول حملته ونشاطاته الحالية؟ ـ إن موقع حملتي على الانترنيت يوفر مساحة وعمقا غير عاديين لتعاملي الحالي مع هذه القضايا المطروحة وغيرها من المواضيع ذات الصلة. هنالك الكثير مما ينبغي البحث فيه ومناقشته. لقد اقتصرت في ردودي على أسئلتكم هنا على مجموعة محددة ومناسبة من القضايا الأساسية.