أمريكا إمبراطورية غبية ومتغطرسة

الدكتور غالب الفريجات/الأردن

          بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وخلو الساحة الدولية من لاعبين كبار ليقفوا في وجه الإمبراطورية الأمريكية، كانت هذه الإمبراطورية على مفترق طرق، لو أنها ملكت من الساسة الكبار وأصحاب العقول المتزنة والإحساس والإدراك بالمسؤولية الإنسانية لاتجهت لحكم العالم وتسيير دفة أمور الكون بدون أية حروب وبدون عداوات، لأن العالم وفي معظمة كان يتوق للحياة الأمريكية، وكانت أمريكا تمثل طموح كل مواطن في الشرق والغرب لأنها كانت تمثل لهؤلاء بلاد الفرص الذهبية في الثروة والحياة، ولو أن القيم الإنسانية التي دعا لها العديد من الساسة الأمريكان كانت المحك في ممارسات هؤلاء القابضين على مقاليد السلطة في واشنطن لاستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تأخذ العالم إلى العالم الأمريكي بدون مقاومة وكراهية، ولاستطاعت هذه الدولة الإمبراطورية أن تكون نموذجاً يحتذى في المأكل والملبس وحتى الثقافة.

          ولأن أمريكا التي نصفها هكذا هي أمريكا الحرية والعدالة، لهذا فهي لن تكون إلا مع الشعوب المضطهدة والمقهورة ولا تلجأ إلى سياسة الكيل بمكيالين، ولن تكون إمبراطورية استغلالية في نفسٍ استعماري بغيض، ولكن يبدو أن الاتجاه الآخر الذي قاد السياسة الأمريكية اتجاه الغطرسة، قد دفع إلى الغباء السياسي الـذي لا يفهم إلا لغة القوة، هذا الاتجاه الذي أودى بحياة الإمبراطورية الحديثة قبل أوانها، فالسقوط السريع لهذه الإمبراطورية سيكون أسرع من أية إمبراطورية عرفها هذا الكون لأن انعدام التوازن الخلقي في الممارسات الإمبراطورية الأمريكية سيكون في هذا القرن أكبر الرصاصات التي توجه إلى قلب هذه الإمبراطورية، ويبدو ذلك جلياً في عدم قدرة هذا الكائن الإمبراطوري الأمريكي على فرز قادة سياسيين يديرون دفة الحكم في داخل الإمبراطورية وخارجها، فالمتتبع لصناع القرار في الإدارة الأمريكية يُصاب بالذهول من حيث أميتهم الثقافية في شؤون الحكم وما يتعلق فيما يجب أن يعرفوه عن العالم، وضياعهم في عدم معرفة جوانب الحياة السياسية ومصالح الآخرين تقودهم إلى التهور وقياس الأمور بمنظار لا يصلح إلا لقصيري النظر، حتى كاد أن يتحول العالم في نظرهم إلى مزرعة خاصة بهم ولا يحق لأحد أن يتجول في جنباتها إلا بإشارة من هذا السيد الجديد لهذه المزرعة.

          قد يجادل البعض في أن الدولة الإمبراطورية الناشئة بعد هي في مرحلة تجاذب داخلي لم يستقر الوضع لهذا الطرف أو ذاك لكي نتمكن من التحليل القادر على سبر غور اتجاهات هذه الإمبراطورية، فالأمور لم تستقر بعد لهذا اللوبي أو ذاك – الصهيوني، رجال المال والنفط، صناعة السلاح – وأن كنا نقر أن هذه اللوبيات منفردة أو مجتمعة هي وبال على هذه الإمبراطورية وطموحاتها، ولن يكون لأي من هذه اللوبيات القدرة في تغيير الصورة القذرة لهذه الإمبراطورية الناشئة.

          إن الإمبراطورية الأمريكية التي تملك ترسانة عسكرية هائلة يمكن أن تدمر العالم عشرات المرات، من العار لهذه الإمبراطورية أن تضع نفسها في مواجهة دولة من دول العالم الثالث (العراق) وتحت ذرائع لا أخلاقية وبدون أي سند قانوني، في نفس الوقت تلجأ لاستخدام أسلحة الدمار الشامل وهي التي تدعي أن سبب حربها على العراق هو امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وأن ترفع شعار تحرير وطن ودولة في الوقت الذي يعرف العالم أن هذا الأسلوب هو استعمار واستغلال لمقدرات شعب ودولة.

          ومن العار لهذه الإمبراطورية أن تضع نفسها في الخندق الصهيوني، وهي التي ترفع شعارات الديمقراطية والحرية والصهيونية هذه هي نقيض لكل ما هو أخلاقي ولا يمكن لها أن تلتقي مع الحرية والديمقراطية لأنها وبكل بساطة حركة عدوانية توسعية، والعدواني هو من لا يطيق الأساليب المؤدية إلى الديمقراطية والحرية، والأنكى من ذلك أن هذه الإمبراطورية القذرة تساند الصهيونية بكل ما أوتيت من قوة وبكل أسباب الحياة لوليد مسخ لهذه الصهيونية تقيم على أرض شعب ضاربة جذوره في أعماق التاريخ رغم الإدعاء الصهيوني الباطل أن فلسطين أرض بلا شعب تعطى لشعب بلا أرض.

          إن السياسة الإمبراطورية الأمريكية سياسة غبية تتأتى عن أناس أغبياء في كل حقول المعرفة وفي المقدمة منها السياسية، وكذلك هي سياسة غطرسة تعتقد أن القوة العسكرية قادرة على أن تهزم الحق عندما وضعت حق القوة في وجه قوة الحق، وأنا على يقين أن هذه الممارسات الغبية والمتغطرسة هي التي ستقود إلى الإنهيار السريع الذي قد يفاجأ العالم، بحيث يكون عمر هذا الإمبراطورية أقصر من أي إمبراطورية عرفها التاريخ.

          إن شعوب الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مرحلة أرقى وأفضل شعوب هذه الأرض وأن الأمراض الاجتماعية والاقتصادية قد تحول الإمبراطورية الأمريكية على النقيض من اليابان التي توصف بالفيل الاقتصادي والفأر العسكري، وقد توصف أمريكا بالفيل العسكري والفأر الاقتصادي، وليس بمقدور هذا الفيل أن يتربع في زوايا الكرة الأرضية ليأمر وينهي ويهيمن لأن تبعـات ذلك كبيرة عليه وليس بمقدوره أن يوفيها حقها، ناهيك عن الكراهية العالمية لهذا النمط من السلوك اللاأخلاقي والشائن للساسة الأمريكان ومرتزقتهم في كل أنحاء المعمورة، ولم يعد لعملاء أمريكا في أي بقعة من هذه الأرض إلا الخزي والعار من جهة وعدم الاحترام والتقدير لهم من قبل الشعوب التي يعيشون بين جنباتها من جهة أخرى.

          أمريكا تتراجع اقتصادياً من عام لآخر، والديمقراطية فيها أخذت بمنحى أكثر إيغالاً في الاتجاه ضد الآخر أياً كان هذا الآخر في الداخل والخارج، والنهم والجشع في الهيمنة على حقوق الآخرين من شعوب ودول الأرض أصبح سمة للنظام الأمريكي، والعدوانية أصبحت ديدن هذه الدولة الإمبريالية الجديدة، والفقر والبطالة والأمية تنخر في جسد المجتمع الأمريكي، والهوة تزداد من يوم لآخر بين فئة محدودة من الرأسماليين الجشعين وبقية أفراد المجتمع وتكاد الطبقة الوسطى تختفي أو هي في طريقها إلى زوال، وفوق هذا وذاك الإحساس الإمبريالي الأمريكي أن أمريكا فوق المجتمع وأفضل من الجميع.

          أي نوع من الإمبراطوريات هذه التي تغذ السير باتجاه السقوط نحو الهاوية، وهل فقدت الشعوب الأمريكية القدرة على ولادة نمط من الساسة الذين يأخذون بيد بلادهم نحو خير بلادهم والإنسانية، أم أن لعنة التاريخ قد أصابت هذه الإمبراطورية منذ اليوم الأول لنشأة الدولة لأنها فقدت الإحساس بالآخر ولم تتمكن من بناء نفسها إلا على حساب الآخر، وقد عرفت الدنيا بتاريخها الطويل أن نفي الآخر وإلغائه هو مقدمة للانهيار والسقوط فالحياة لا تقوم إلى على الاعتراف بالآخر والإقرار بحقوقه، أم أن التاريخ الإمبريالي الأمريكي هو ذات التاريخ الصهيوني الذي لا يستقيم له إلا تغييب الحق وإظهار الباطل وما علموا أن الباطل كان زهوقا.