أهدرت حق العودة وأطلقت يد المشروع الصهيوني

"وثيقة جنيف" تحطم كل الثوابت الفلسطينية

رياض أبو ملحم/كاتب ومحلل سياسي من لبنان يقيم في باريس

كان من الطبيعي أن تثير "وثيقة جنيف"، التي جرى إعلانها في احتفال عالمي متميز، كل هذا الجدل والنقد العنيف الذي بلغ حد اتهام موقعيها ومروجيها، من الطرفين، بالتفريط والخيانة. فـ "الاتفاقية المفترضة" تجاوزت "الخطوط الحمر" لكل من الجانبين. وإذا كان الجانب الفلسطيني يجد نفسه مطالباً، بعد عقود من النضال المرير والتضحيات الهائلة والتشرد والضياع، بالتنازل عن العديد من ثوابته الوطنية، وعن حقوق طبيعية كرستها مختلف القوانين والشرائع الدولية.

فإن الجانب "الاسرائيلي" الممثل بحكومة شارون الليكودية المتطرفة يرى في هذه المبادرة تهديداً لمشروعه الاستيطاني التوسعي، والذي لن يبلغ نهايته المرسومة إلا بقيام دولة "اسرائيل الكبرى" المهيمنة على المنطقة برمتها.

والتعامل مع هذه الوثيقة، أما أن يتم من خلال تحليل مضمونها والحكم عليها وفقاً لقراءة موضوعية لمختلف موادها وبنودها، واما الاكتفاء بمناقشة موقع المبادرة في العملية السلمية الحالية المتعثرة ومدى قدرتها على إحداث اختراق جدي لحالة الجمود والانسداد السائدة، بغض النظر عن العناصر التي تشتمل عليها هذه "الاتفاقية المفترضة".

بالنسبة للاحتمال الأول، فإن أبرز شيء تقدمه هذه الوثيقة للجانب الفلسطيني هو قيام "دولة فلسطينية مستقلة" ولكن عند استعراض شروط إنشاء هذه الدولة والقيود التي ستفرض عليها منذ ولادتها وحتى إشعار آخر، نرى أنها ستكون دولة ضعيفة (بدون جيش أو مقومات سيادية واضحة) وتحت الوصاية والحماية والمراقبة الدولية الدائمة أي أنها ستكون دولة منقوصة السيادة، فضلاً عن تبعيتها الاقتصادية المتوقعة لـ"ألدولة الأقوى" "اسرائيل".

فـ "القوة متعددة الجنسيات" التي تنص الوثيقة على إنشائها، سيكون لها الدور الرئيسي إذ أنها ستقوم مقام الجيش الفلسطيني الذي اتفق على ألا يكون له وجود ضمن ترتيبات الأمن داخل دولة فلسطين الموعودة، وسيعمد لهذه القوة أمر «تزويد الطرفين بضمانات أمنية والعمل كقوة ردع والإشراف على تطبيق الأحكام ذات الصلة في هذه الاتفاقية".

ومن ذلك على سبيل المثال (وفقاً لنص الوثيقة):

1- "نظراً إلى طبيعة الدولة الفلسطينية (كدولة لا تملك جيشاً)، تقوم «القوة متعددة الجنسيات» بحماية سلامة أراضي دولة فلسطين".

2- "تعمل هذه القوة كقوة ردع ضد الهجمات الخارجية التي قد تهدد أياً من الطرفين".

3- "تنشر مراقبين لمراقبة الحدود البرية والبحرية لدولة فلسطين".

4- "تساعد في تطبيق إجراءات مكافحة الإرهاب".

وينص أحد بنود الوثيقة على أن "القوة متعددة الجنسيات" ترفع تقاريرها إلى "مجموعة التنفيذ والتحقق" (الدولية) التي ستكون صاحبة المرجعية الأساسية في كل ما يتعلق بسير الأمور وبمستقبل الوضع في دولة فلسطين. والمعروف أن هذه المجموعة تضم في عضويتها كلاً من الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، و"أطرافاً أخرى إقليمية ودولية يتفق عليها الطرفان".

كذلك تمارس "القوة متعددة الجنسيات" دوراً مماثلاً داخل مدينة القدس، حيث تتواجد داخل الحرم القدسي لحل كافة المشاكل التي تطرأ فوراً كما تؤسس "مجموعة التنفيذ والتحقق" وحدة شرطة في البلدة القديمة لتقوم بأعمال الارتباط والتنسيق بين قوات الشرطة الفلسطينية و"الاسرائيلية"، وتساعد في نزع فتيل التوترات المحلية وفض النزاعات وأداء أعمال الشرطة في المواقع المحددة لذلك".

دور "اسرائيل" اللاحق

وفيما يتعلق بالصلاحيات الممنوحة لـ"اسرائيل"، ضمن الترتيبات المقررة، ثمة مرحلتان:

الأولى تشمل فترة الثلاثين شهراً التي تستغرقها عملية الانسحاب، حيث سيكون هناك تداخل شديد في الصلاحيات والمسئوليات والتواجد المادي والرقابة الحدودية.. الخ.

والثانية تحدد أشكال التمدد "الاسرائيلي" داخل دولة فلسطين، ومن ذلك مثلاً: الاحتفاظ بمحطتين أو ثلاث محطات للإنذار المبكر (دون تحديد حجم كل منها أو مساحة انتشارها)، واعتبار المجال الجوي الفلسطيني امتداداً للمجال الجوي "الاسرائيلي" (لأغراض التدريب العسكري).

كما "لا يجوز لاستخدامات أي طرف للمجال الكهرومغناطيسي أن تؤثر على استخدامات الطرف الثاني لهذا المجال"، وهذا الشرط، الذي يتعلق خصوصاً بالثروات الطبيعية الباطنة في الضفة الغربية، ومنها الثروة المائية، موجه للجانب الفلسطيني تحديداً، الذي يجد نفسه إمام قيود خاصة بأوجه استفادته من ثرواته الوطنية مستقبلاً.

إلى هذا، ظلت أمور عديدة غير موضحة في نص الوثيقة، كاستغلال الثروة المائية التي تختزنها أراضي الضفة الغربية، خصوصاً تلك التي تقوم فوقها المستوطنات "الاسرائيلية" الرئيسية التي ستصبح جزءاً من "دولة اسرائيل"، وكذلك العلاقات الاقتصادية كما تضمنت الوثيقة إشارات كثيرة متكررة إلى ما سمي "الملحق  أكس". الذي سيتضمن تفصيلات وافية للعديد من القضايا التي جرى أو سيجري الاتفاق عليها لاحقاً. ولأن الملحق لم ينجز بعد، من الممكن أن تكون هذه التفاصيل موضع خلافات في المستقبل نظراً لحساسية المواضيع التي تتناولها ولعل تجربة "اتفاق أوسلو" خير مثال على ذلك.

وإذا كان الإنجاز الأكبر للجانب الفلسطيني في هذه الصفقة، وهو "الدولة المستقلة"، ينطوي على هذا المقدار من المحاذير، بالإضافة إلى أمور عديدة أخرى لا يتسع المجال لها في هذه العجالة، فإن الثمن يصبح باهظاً جداً اذا كان ما يقابله هو تنازل الفلسطينيين عن حق العودة، ثم الاعتراف بـ"اسرائيل" "دولة يهودية"، بحيث تصبح "دولة ليهود العالم" كلهم، باعتراف دولي كامل.

بالنسبة لحق العودة، وبرغم "إقرار الطرفين" بأن "قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وقرار مجلس الأمن 242، ومبادرة السلام العربية (فيما يتعلق بحقوق اللاجئين الفلسطينيين) تشكل الأساس لحل قضية اللاجئين"، فمن الواضح أن ما اتفق عليه لا يشمل حق العودة لهؤلاء اللاجئين، وإنما اقتصر الاتفاق على البدائل الأخرى الواردة في القرار 194، وهي التعويض على من لا يريد العودة، أو التوطين في دول أخرى ثم أضيف احتمال آخر هو تحويل من يرغب في العودة إلى دولة فلسطين (في الضفة الغربية وقطاع غزة).

أما الاعتراف بـ"يهودية دولة اسرائيل"، وهو الهدف الاستراتيجي الأكبر للحركة الصهيونية العالمية منذ قيامها عام 1897، فإلى جانب أهميته الأيديولوجية، فإنه يهدد وجود نحو مليون وربع المليون عربي فلسطيني في "دولة اسرائيل". وإذا كان هؤلاء العرب يواجهون الآن كل أشكال التمييز العنصري من قبل الحكومات "الاسرائيلية" المتعاقبة، فكيف سيكون حالهم بعد تكريس "يهودية الدولة العبرية" وكيف سيتم تنفيذ ما ورد في "وثيقة جنيف" من تعهدات بإعادة قسم "محدود" من لاجئي 1948 و1967 إلى ديارهم تحت عنوان "جمع الشمل"؟

في الاحتمال الثاني

أما الاحتمال الثاني، المتصل بدافع "مبادرة جنيف" وبموقعها في العملية السلمية الراهنة، فإنه يطرح مجموعة من المشاكل المرتبطة بأزمة الشرق الأوسط والصراع العربي ـ "الاسرائيلي" والأدوار المتناقضة لمختلف الأطراف المعنية.

من المتفق عليه أن "وثيقة جنيف" شكلت صدمة عنيفة لطرفي الصراع: "الاسرائيلي" والفلسطيني، فالأول رأى فيها تهديماً لخطته القائمة على إطالة أمد الصراع وسد كل أبواب التسوية السلمية، على أمل أن يتمكن في نهاية المطاف من فرض الأمر الواقع الذي يعمل على استكماله وتكريسه في شكل متسارع ويبرز هذا الهدف بوضوح حالياً من خلال سياسة التوسع الاستيطاني التي تنفذها حكومة ارييل شارون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعبر جدار الفصل العنصري الذي يريده شارون أن يشكل حدود الدولة الفلسطينية الموعودة كما يتخيلها العقل الشاروني الجهنمي.

أما الطرف الثاني، فقد اعتبر أن الخطوة كانت متسرعة وغير ناضجة، فضلاً عن التنازلات الرئيسية التي انطوت عليها. وترى الفصائل الفلسطينية، على اختلافها، أن التسوية التي مثلتها "اتفاقية جنيف"، تظهر الجانب الفلسطيني وكأنه الطرف المعتدي والمهزوم في الوقت ذاته، وهذا يخالف الواقع.

ويقول النائب العربي في "الكنيست الاسرائيلي" عزمي بشارة، انه إذا كان هدف موقعي "مبادرة جنيف" (خصوصاً الجانب الفلسطيني) هو تحريك ملف التسوية السلمية، فإن الثمن سيكون غالياً جداً، لأن الوثيقة انطوت على تنازلين خطيرين: حق العودة.

والاعتراف بـ"يهودية دولة اسرائيل"، ثم، وهذا هو الأهم، انخفاض سقف المطالب الفلسطينية في أية مفاوضات مقبلة. ويتفق هذا الرأي مع القائلين بأن الطرف "الاسرائيلي" الموقع على الوثيقة لا صفة رسمية له، وبالتالي فإنه لا بد من مواجهة مرحلة تفاوض رسمية لاحقة. وسيجد المفاوض الفلسطيني نفسه وقد سلم جميع أوراقه مقدماً، في الوقت الذي يتعين عليه أن يقدم تنازلات أخرى، فوق كل تلك التي قدمها في السابق: من مدريد، إلى أوسلو، إلى واشنطن وكامب ديفيد ولندن وطابا.. وأخيراً جنيف.

الاصطدام بـ "خريطة الطريق"

على أن ما ينبغي التوقف عنده ملياً هو أن "مبادرة جنيف" لم تصطدم بالرفض المنطلق من الجانبين ا"لاسرائيلي" والفلسطيني فحسب، وإنما اصطدمت بـ "خريطة الطريق" أيضاً، برغم التأييد المتحفظ لها أميركياً، والأكثر وضوحاً أوروبياً، والملتبس عربياً.

والسبب في ذلك يعود إلى أن الإدارة الأميركية تريد أن تحافظ على إيقاع بطيء في العملية السلمية ينسجم مع ظروفها العراقية المعقدة ومع مشاغلها الانتخابية. وهذا الايقاع البطيء توفره "خريطة الطريق" التي لم يحدث أي تقدم فيها حتى الآن.

كذلك فإن الرئيس جورج بوش لا يريد الدخول في صدام مع حكومة شارون قبيل بدء حملته الانتخابية، في الوقت الذي يتلقى فيه وزير خارجيته كولن باول تقريعاً فظاً من ايهود أولمرت نائب رئيس الوزراء "الاسرائيلي" بسبب موافقته على استقبال يوسي بيلين وياسر عبد ربه ممثلين لمجموعة "وثيقة جنيف" أما إشارات الانزعاج من مواصلة بناء جدار الفصل العنصري التي صدرت عن الرئيس بوش فقد كانت على قدر كبير من الاستحياء والوجل لا يرشحها لأن تتحول إلى موقف سياسي ضاغط.

حيال ذلك، اضطر بيلين وعبد ربه إلى التوضيح تكراراً، بأن "وثيقة جنيف" لا تتعارض مع "خريطة الطريق" بل هي مكملة لها، برغم أن الأولى تفصيلية شاملة، بينما تقتصر الثانية على مبادئ عامة. فهل وضعت "وثيقة جنيف" لتكون فعلاً تكملة لـ "خريطة الطريق"، أم أن الثانية ستستوعب الأولى من دون أن توصلا، كليهما، التسوية السلمية إلى أي مكان؟

ثمة من يعتقد أن "وثيقة جنيف" تصلح لأن تكون ورقة للتفاوض مستقبلاً، إذ تنطوي على جهد ملحوظ في صياغتها وفي استحضار كثير من التفاصيل الضرورية، بيد أن كل ذلك لا أهمية له في الوقت الحاضر، حيث الإدارة الأميركية، التي تتحكم باللعبة كلها، تبدو مشغولة تماماً بمشاكلها الخاصة. وان كانت هذه الإدارة تريد طبعاً، أن ترى هدوءاً يعم المنطقة كلها، لتتفرغ هي للقضايا الأكثر إلحاحاً.

ويبدو أن الهدنة التي يجري ترتيبها الآن بين الفلسطينيين و"الاسرائيليين" هي الأمر الوحيد المطلوب في الوقت الحاضر أما الباقي فحديثه يأتي بعد عام على الأقل، إلى أن تنتهي الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وتحل الإدارة الأميركية الجديدة.