المقاومة العراقية وانتحار الغزاة على أسوار بغداد
بقلم:
اسماعيل ابو البندورة/الأردن
سقطت الخطط الأمريكية في
العراق، وباءت بالفشل كل أحلام واعتقادات
الصغار والعملاء الذين حلموا براحة البال
بغياب صدام حسين، وها هو العراق العربي ينهض
ويعود مناضلاً يهزم الغزاة ويبدد شملهم
ويوقفهم حزانى على المقابر يومياً، وهاهي
صورة العراق القومي المقاوم تتبدى أمام أعين
وعقول أبناء الأمة بكل ملامحها الحافزة،
وخطوطها النوعية، وإطاراتها العريضة،
وإنجازاتها الكبيرة، وتفاصيلها المثيرة
للخيال.
إنه إذن المستنقع الموعود والمنتظر الذي تحدث
عنه الصحاف (طيب الذكر والفكر) يومياً، ووعد
بأن الشعب العراقي سوف يمرغ انوفهم فيه، وسوف
يدخلهم إلى مهاويه أمواتاً وأحياء حتى تنهزم
روحهم المكابرة وأحلامهم العدوانية
واستكبارهم الحقير.
إنها أيضاً كلمات القائد العربي الكبير،
والرائد الذي لم يكذب اهله يوماً، والذي وعد
ووفى عندما قال "بأننا سنجعلهم ينتحرون على
أسوار بغداد...".
وتسأل ما الذي يحدث الآن في بغداد غير انتحار
الغزاة على أسوارها؟ وأين الخلل والفراغ فيما
قاله صدام عندما رتب للأعداء مقاومة نوعية
ظافرة في يوم أو بعض يوم!!
إذن فلتتبارك هذه المقاومة التي كشفت أوراق
العملاء والمنافقين والحاقدين والمتخاذلين،
وتبين من خلال أفعالها الخيط الأبيض من
الأسود عراقياً وعربياً ودولياً.. ففي داخل
العراق انكشفت المواقع والأفكار والارتباطات
والخزعبلات والأوهام، وتبين أن فئات كثيرة
ممن كانوا مع النظام وقائده (يلبسون لبوسه
ويظهرون غير ما يبطنون) لم يكونوا في حقيقتهم
هكذا، وانهزموا أمام التحديات الكبرى وعادوا
إلى مواقعهم الحقيقية ثعالب سياسية تتلمظ في
الظلام، وتقرأ في العتمة الشطر الأول من
الآية الكبرى (إذهب أنت وربك فقاتلا إننا
هاهنا قاعدون)!! وتنظر إلى بر الأمان والفرار
والخيبة والانقلاب السهل على المبادئ.
وكانت المسافة المبدئية بين القائد المجاهد
وهؤلاء انه أرادها فعلاً (أم الحواسم) وأرادها
المنافقون والصغار (أم المصالح) فكان أن ارتد
وانقلب بعضهم وعادت نفسه تتشهى السلطة حتى لو
كانت سلطة لقطاء محتلين وتحت حرابهم
وأقدامهم، وسقطت كذبة هؤلاء عندما فروا من
ساحة المعركة إلى أوكار الهزيمة والخيانة أو
البؤس والتذكر الفاسد والحياة بأثر رجعي.
لقد
دافع هؤلاء الصغار داخل العراق وخارجه عن
حالتهم المتراجعة ومواقعهم المخزية الجديدة
بانتقاد "الدكتاتور والدكتاتورية"،
واغفلوا قاعدة هامة من قواعد ازدهار
الدكتاتورية بأنها (أي الدكتاتورية) مناخ عام
لا يصنعه فرد واحد وإنما أفراد لديهم
القابلية لتسويغ الدكتاتورية، وهم بهذه
القابلية يرسمون لها الفضاء والقاعدة
الضرورية ودروب الانتشار عندما يقبلون
مفرداتها وهم من صناعها ومركباتها، فتراهم لا
يحتجون في الوقت المناسب، ويصمتون في زمن
البوح، ويتواطأون في زمن المكاشفة والمصارحة..
(ونحمد الله أن المقاومة كشفت هؤلاء ووضعتهم
في خانة المشبوهين والمنافقين الذين يقولون
غير ما يفعلون ويستثمرون قضايا الوطن والأمة
للمصالح الخاصة والصغيرة).
وفي العراق أيضاً وبفعل صمود المقاومة بانت
حقيقة المعارضة العراقية العميلة بأطيافها
الشيوعية الرثة، والطائفية التي تشكل
الطابور الخامس لايران في العراق، والرجعية
المرتبطة بالاستعمار، وتحددت ملامح هؤلاء
الكذبة وصورهم القبيحة عندما اعتلوا دبابات
الأمريكان، وجاءوا من كل فج ووكر عميق في
أوروبا ودول العالم لكي يبرزوا معارضة تليق
بهم وبالمرحلة الأمريكية - الصهيونية
الجديدة، وبواقع الاحتلال.. فقبلوا كل فروض
الذل والمهانة مقابل الفتات، وبدأوا
يتهافتون على كل ما يقدمه الحاكم وقوات
الاحتلال حتى وإن كان ذلك ضد شعبهم وأمتهم (فالشيوعي
وزير ثقافة في حكومة الاحتلال، وقائد حزب
الدعوة التابع لايران عضو "مجلس الحكم"،
وعنصر البيشمركة وزير الخارجية وهكذا...).
لقد سكت الملالي والقيادات الطائفية التابعة
لايران عن الاحتلال وهادنوا وتراجعوا،
وقرأوا كل آيات الطاعة أمام بريمر وقبلوا
أياديه (ولم يكن بوسعهم سابقاً أيام الحكم
القومي أن يفعلوا ما يفعلوه الآن من صبر
واحتمال ومهادنة، وإنما ناصبوه الحقد
والعداء والتحرش) وأشاعوا في كافة الأوساط أن
هناك حيثيات ومعطيات جديدة تدعوهم لهذا
الاستخذاء والسقوط، وكانت ايران تحثهم لا بل
تعلمهم هذه الألوان من النفاق والكذب
السياسي، لأنها تريدهم أصلاً ورقة سياسية لفك
أزمتها، ولعبة تتلهى بها تحت غطاءات دينية
تخبئ أحقاداً قومية فارسية، ونجحوا في ذلك
أيما نجاح عندما جعلوا قطاعاً واسعاً من
قطاعات الشعب العربي في العراق يحجم عن
مقاومة الاحتلال، ويأخذ موقف المتفرج
المحايد.. ولكل ذلك أرخت أمريكا الحبل لايران
قليلاً عندما وجدت ذاتها تشاركهم المرام
والغرام والانتقام وإفساد حركة الناس في
العراق أو حرفها عن هدفها الحقيقي في مقاومة
الاحتلال وطرد الغزاة.
وعربياً أبدت غالبية الحكومات والأنظمة كل
أنواع التعاون وتسهيل مهمات الاحتلال،
فاعترفت بواقعة الاحتلال والمؤسسات المتفرعة
عنه (تحت عنوان الحرص على عروبة العراق)!!
وقدمت كل صنوف التنازل والالتزام بالخطط
الأمريكية والصهيونية، ولم يحدث أن وقفت
لتقول أن الاحتلال خطأ وغير شرعي، ولذلك أخذت
المقاومة الباسلة على عاتقها وضع المسائل
أمام الحكومات العربية بطريقة مغايرة حتى
تحرج خططهم وتصوراتهم، وتدعوهم عملياً
للاعتراف بالمقاومة ممثلاً لصورة العراق
الجديد، والتخلي عن الاعتراف بعملاء
الاحتلال.
وعربياً أيضاً واصلت الشعوب صمتها المريض
المريع، ولم تحدثها نفسها بأي فعل جماهيري
يسند المقاومة، وانهمكت في مناقشة ما يقدمه
الإعلام المتصهين من أباطيل ومعلومات مزيفة
ومشوهة عن العراق وقائده المجاهد، وبقيت في
مواقعها الساكنة تنظر وتتألم ولا تفعل، وتسمع
ولا تصرخ، وتركت لهذا الفراغ أن ينمو نمواً
متطاولاً ويتحول إلى حالة وواقع دائم.
لقد قدمت المقاومة العراقية مشهداً جديداً
يدفع إلى الأمل والإقدام، وكانت قبلها
الانتفاضة في فلسطين قد خلقت مثل هذا المشهد
الجاذب، لكن الاستجابات والاستنتاجات بقيت
فاسدة، والنفوس راكدة، والعقول نائمة بليدة،
والأيدي مكبلة، والإرادة معطلة، وهذه جائحة
سياسية لا بد لها من زحزحة وتحريك وتجاوز، إذا
أرادت الأمة احترام تاريخها، واحترام هذا
الدم الذي يسيل بغزارة هنا وهناك، دفاعاً عن
وجودها ومستقبلها.
وأما عالمياً فقد أسقطت المقاومة العراقية
هيبة الدول التابعة والخانعة وجعلتها بدل
تحقيق مصالحها المدعاة في العراق تنشغل
بالنعوش ومراسم استقبالها ودفنها، وهيجت غضب
واحتقار شعوبها وقواها الحية، وها نحن نشاهد
أزمتها وارتباكها وهي تواجه مصيراً سياسياً
لم تكن تتوقعه، عندما أعلنت انحيازها للباطل
ضد الحق، وللعنف بدل السلام، وللاحتلال بدل
التعاون والتبادل.
لقد هزمت المقاومة كل الأحلام الاستعمارية في
كل المواقع، وانقلب السحر على الساحر، وهذا
هو أهم ما أنجزته المقاومة على الصعيد
الدولي، وهناك كما يبدو في استراتيجية
المقاومة ما هو اشد واخطر عندما يبدأ
الانقلاب على سياسات الهيمنة في شوارع مدريد
وروما ونيويورك، وتبدأ النهاية للأحلام
الاستعمارية.
ليبارك الله هذه المقاومة.. ولتتمجد هذه
السواعد والعقول الساعية لإحقاق الحق وإعادة
الاعتبار للتحرير والحرية.