إعادة إعمار العراق والقرار الأميركي الخطير

ابراهيم العبسي/الأردن

لا نعتقد أن دولا مثل فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، كانت تنتظر من الإدارة الأميركية أن تسمح لها بالمساهمة في إعادة إعمار العراق، ما دامت هذه الدول قد عارضت العدوان على بغداد، ورفضت تأييده، وإضفاء الشرعية الدولية عليه، فالإدارة الأميركية لم تشن عدوانها على العراق وتدمر مرافقه ومؤسساته وبنيته التحتية والفوقية، إلا لتعاود إعماره بواسطة الشركات والمؤسسات الأميركية، المملوك بعضها لرموز هذه الإدارة وبالمبلغ الخرافي المعلن عنه لإعادة الإعمار، ألا وهو ثمانية عشر مليارا وستمائة مليون دولار، بالطبع عدا الأهداف الأميركية الصهيونية الأخرى التي دفعت واشنطن لاحتلال العراق، صحيح أن الإدارة الأميركية أعلنت عن عدد من الدول التي يمكن لها أن تشارك في إعادة الإعمار مثل بريطانيا، ولكن واشنطن لن تعطي هذه الدول سوى ما يمكن أن يسقط من فتات من بين أشداقها البالغة النهم والجشع والشراهة.
وبغض النظر عن عدم قانونية القرار الأميركي الذي وقعه بول وولفويتز مهندس العدوان على العراق وتعارضه مع قوانين منظمة التجارة الدولية، فإن حرمان الإدارة الأميركية لمثل هذه الدول العظمى من المشاركة في إعادة إعمار العراق، أي حرمان كل منها من كسب بضعة ملايين من الدولارات، هو في التحليل الأول والأخير قرار يشكل تحديا لهذه الدول وضربة تحت الحزام لسياساتها التي حاولت أن تنأى بها عن السياسات والمخططات والأطماع الأميركية، كما انه - القرار - رسالة معلنة وشديدة الوضوح لكل دول العالم التي تحاول الخروج على السياسات الأميركية أو معارضتها، بأن واشنطن لن تتورع عن معاقبتها وحرمانها من أية مغانم أو منافع أو مساعدات، هكذا بوضوح وعلى رؤوس الأشهاد، فما دامت واشنطن تملك أن تتحدى وتحرم وتعاقب أربع دول عظمى في حجم فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، فمن المؤكد أنها ستكون اكثر قدرة على معاقبة بقية الدول الأقل قوة وعظمة من هذه الدول العملاقة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، غير أن القرار الأميركي الكيدي، لن يمر بسهولة على دول كبيرة مثل هذه الدول الأربع، ومن المؤكد أنها سترد على هذا القرار في الوقت المناسب وبالطريقة التي تراها مناسبة وجارحة لواشنطن تماما مثلما كان القرار الأميركي جارحا ومهينا لها، ولكن في مواقف ومواقع ومناسبات أخرى، وبذلك يؤسس القرار الأميركي لحقبة جديدة من الحقد والعداء المضمر بين هذه الدول من جهة، وبين الولايات المتحدة من جهة أخرى، وربما ينعكس على العلاقات الديبلوماسية والسياسية وحتى العسكرية المتمثلة في حلف (الناتو) والذي تحاول كل من فرنسا وألمانيا دفع أوروبا للخروج من تحت مظلته وتأسيس حلف أوروبي محض يعنى بالدفاع عن أوروبا ومصالحها بعيدا عن الولايات المتحدة. ومن يدري ربما يتطور هذا العداء إلى تبادل ضربات اقتصادية موجعة بين الطرفين والتي لا يعلم أحد إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه الضربات وحجم الأضرار التي ستترتب عليها.
نقول ذلك، لأن القرار الأميركي هو القرار الأخطر الذي تتخذه واشنطن ضد حلفاء وأصدقاء لها، ربما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بالنسبة لفرنسا وألمانيا، ومنذ انتهاء الحرب الباردة بالنسبة لروسيا، ومنذ تطبيع العلاقات بين واشنطن وبكين في عهد الرئيس الأميركي نيكسون بالنسبة للصين.
فهل يكون هذا القرار فاتحة صراع دولي من نوع جديد وخطير، اعني صراع الكبار والعمالقة وما يمكن أن يعكسه هذا الصراع على بقية دول العالم من آثار سلبية!! ربما، فنحن أمام عالم جديد تماما تحاول فيه واشنطن أن تفرض نفوذها وهيمنتها وسلطانها حتى على اقرب المقربين من حلفائها.