مشاهد
واقعية من
مسرحية التحرير العبثية:
سندباد
يغادر ألف ليلة وليلة ليُقتل في
بغداد
كتبت
نرمين المفتي/بغداد*
في
بغداد، لم تعد الأشجار تموت وهي واقفة، وعلي
بابا القادم بإصرار من ليالي
بغداد إلى نهاراتها تحول إلى
نجم تلفزيوني.
السنوات
التي مرت علينا بكل
تجاربها المريرة حولت الحياة
بأكملها في العراق إلى مسرحية عبثية. ودائما
تخيلت لو
ان صموئيل بيكيت يتمكن من
مغادرة قبره فانه سينحني لمسرحيتنا ويتمنى لو
كان كاتبها.
ومضت سنوات التجارب وان كنت
أتساءل لماذا وضعتنا الأنظمة المتعاقبة في
أنابيب
اختبار؟ وجاءت اشهر (التحرير) و(الحرية)
لنكتشف أننا لم نزل في الأنابيب وان اختلف
أسياد التجربة. إذن ما تزال
المسرحية العبثية مستمرة وستكسر الرقمين
القياسيين
للعرض المسرحي الطويل واللذين
سجلتهما مسرحيتا المصيدة والملك وأنا. وهذه
مشاهد
واقعية من مسرحيتنا الطويلة.
مشهد
أول:
في
الساعات الأولى للصباح وأنا متوجهة إلى العمل
اكتشفت ان الشارع التي تعودت
المرور منه منذ أيام قد منعت
قوات الاحتلال المرور منه ووضعت الكتل
والعوارض
الكونكيريتية الهائلة في
مدخلها مع أطنان من الأسلاك الشائكة. وحمدت
الله فهذه خطوة
تحريرية أخرى لتحويل بغداد إلى
مدينة نظيفة من التلوث بعوادم السيارات وليس
من إشعاع
أسلحة اليورانيوم المستنفذ. لو استمر
الأمريكان في إغلاق الشوارع بهكذا وتيرة
سنذهب إلى أعمالنا سيرا أو
باستخدام الدراجات. وسنكسب فضلا إلى البيئة
النظيفة
فائدة أخرى وهي أجسام رشيقة .
يعلق
سائق سيارة الأجرة التي استقلها:
كان
صدام حسين قد وضعنا في سجن كبير وترك لنا حرية
التجوال ولم يمنع السير في أي
شارع، بينما يضعنا الأمريكان
في سجون صغيرة أشعرها وكأنها زنزانات
انفرادية. أينما
توجهت أرى الأسلاك الشائكة
والكتل الكونكيريتية.
أفكر
بما قاله السائق وأتمنى لو قام طلبة الفنون
برسم هذه الكتل عملا بنصيحة
نيرودا "ان السجين الذي لا
يرى الحرية يزين زنزانته ليشعر بالحياة".
ولكن متى كانت
قوة الاحتلال، أية قوة، نبيلة
لتترك الذين تحتلهم يشعروا بالحياة؟ تسير
السيارات
ببطء شديد ونصل جميعا متأخرين.
والوصول متأخرا افضل من عدمه. لكنني اكتشف ان
شارع
أبو نؤاس الذي تفننت قوات
الاحتلال في كيفية تنظيم السير فيه دون أية
قواعد مرورية
وقد أغلقت من هنا وهناك ولم تعد
حتى السياقة المتعرجة وكأننا في حلبة رالي
للسيارات
ممكنة.
ويبقى
مشهد الشارع واحدا من المشاهد المهمة حيث لم
تعد السياقة فن وذوق وأخلاق.
قرب المتحف البغدادي في ساحة
الرصافي ورغم وجود أفراد شرطة المرور فإن
حافلات نقل
الركاب الصغيرة والكبيرة تقف
في صفين فاسحة مجالا صغيرا من الشارع
للسيارات. تأتي
شاحنتان كبيرتان (سابقا كانت
الشاحنات ممنوعة من المرور في الشوارع
التجارية
والرئيسة قبل التاسعة ليلا)
وتقفان لإفراغ شحنتهما ويقف السير. ورجال
المرور لا
يحركون ساكنا. ويتكرر المشهد
في الشورجة وفي العلاوي حيث مرآب النقل
الواسع فارغ
وحافلات الركاب وسيارات
الأجرة تقف في الشارع. رجل المرور يخاف
الاعتراض والسائق
يخاف التسليب إذا دخل المرآب.
وتزداد عدد السيارات غير المرقمة ويحتار
الناس بكيفية
التبليغ عمن يرتكب جريمة دهس
أو تسليب ويهرب!
مشهد
ثاني:
ألف
ليلة وليلة، تلك الأساطير التي دونها كاتب
مجهول أصبحت لصيقة ببغداد التي
ومنذ ان تٌرجمت تلك الليالي
إلى اللغات الأخرى باتت لا تُعرف إلاّ بمدينة
الليالي
العربية. وصار كل سائح أجنبي
يأتي لزيارتها إنما يسبقه حلمه ان يكون بطلا
ذكوريا
واقعيا ويجد الجواري من حوله.
وحاولت بغداد كثيرا ان تسلخ لياليها الألف
وليلة
لكنها في كل محاولة أخفقت.
ومع
توالي الحروب وطول سنوات الحصار نسي السياح
بغداد التي حاولت عبثا ان تذكر
الآخرين بأنها موطن تلك
الليالي التي طالما أغرتهم وفشلت مرة أخرى.
وفي الداخل، كان
البعض قد استعار حيل الليالي
وسرقاتها وجرائمها ونسي ليالي الحب. واستعار
البعض
الآخر حلما بعيدا بعد ان صادرت
الحروب أحلامه الحاضرة. وعادت ألف ليلة وليلة
بكلمة
سرها وشخصياتها بقوة إلى بغداد
بعد (التحرير) لكنها لم تشعر بها لانشغالها
بالبحث
عمن يستطيع ان يستر مفاتنها
التي استباحها قوات الاحتلال.
أولى
الشخصيات الخارجة من ليالي شهريار كانت شخصية
الشاطر حسن. لكن الشاطر
العائد إلى بغداد لم يعد حبا،
إنما عاد طمعا بسلطة حتى وإن كانت بحماية
دبابة
احتلال. عشرات وربما مئات
اصبحوا شطارا أو توهموا الشطارة لكنهم بالفعل
تقربوا من
السلطان الأميركي الذي بدوره
اكتشف كلمة السر ودخل مغارة الثروات. وكلمة
السر لم
تكن افتح يا سمسم. فقد تطورت
الكلمات وأصبح لكل بلد يحلم بها الأمريكان
كلمة سر
خاصة. المخدرات لبنما، ثوار
سانديستا لنيكارغوا، التطهير العرقي
ليوغسلافيا، تمثال
بوذا في داميان لأفغانستان
وأسلحة التدمير الشامل للعراق. وصارت الثروات
كلها بقبضة
أمريكا. ومع عدم التوصل إلى
أسلحة التدمير الشامل تصبح كلمة السر الإرهاب.
سيبقى
قوات الاحتلال التي تمكنت من
السيطرة على بوابة الإرهاب بغداد. واكتشفت
بغداد ان
أشجارها المعمرة ونخيلها قد
انتظمت في خلايا إرهابية وتنفست الصعداء
عندما بدأت
قوات الاحتلال تقلع الأشجار
وتتركها للموت. لم تعد الأشجار تموت وهي واقفة.
وهل يحق
للإرهاب ان يموت بشموخ!!
وعلي
بابا القادم بإصرار من ليالي بغداد إلى
نهاراتها تحول إلى نجم تلفزيوني.
ويغار الجندي الأمريكي من
نجومية علي بابا العراقي ويحاول ان يتمتع
ببعض منها. قرب
فندق فلسطين توقفت مظاهرة
احتجاج من شخصين ولافتة تقول "أعيدوا لي
أموالي". حسين
الساعدي وابنه محمد جاءا من
العمارة. يقول حسين:
كنت
قد بعت كل ما املك بألف وخمسائة دولار مع أولى
أيام الغزو مقررا الرحيل إلى
الكوت حيث عدد من أقاربي بعد ان
سمعت بان العمارة ستتحول إلى ساحة حرب. في
الأسبوع
الثاني قمت بتأجير سيارة
وتوجهنا إلى الكوت. في منتصف الطريق أوقفتنا
نقطة سيطرة
أمريكية
وبعد الأسئلة قاموا بالتفتيش
ووجد أحدهم فلوسي وأخذه بحجة أن مظهري لا يدل
بأنني املك المال. أقسمت بأنني
بعت كل ما املكه. كتب لي ورقة بالإنكليزية
وطلب مني
أن أراجع محكمة الكوت. وانتهت
الحرب وراجعت المحكمة. وهناك قالوا لي ان
الورقة غير
قانونية وان كانت فعليه مراجعة
القوات الأمريكية لا محكمة عراقية.
ويعطيني
الورقة التي تحمل توقيعا مبهما دون اسم ودون
الإشارة إلى المبلغ.
واستمرت مظاهرة الأب والابن
لساعات تحت الشمس المحرقة وعادا إلى العمارة
واليأس
يسبقهما. وتكررت الحالات.
وشخصية
أخرى غادرت لبالب بغداد هي السندباد. علاء شاب
في أواخر العقد الثالث من
العمر. كان يسكن في شارع الكفاح.
سرق الكثير من الدولارات من المصارف وأطلق
على
نفسه لقب سندباد. ربما كان يحلم
بالإبحار. وصار يساعد كل من يعرفهم. يمنح آلاف
الدولارات ولا يطلب سوى
التصفيق للسندباد. وعيبه انه يسكر كثيرا
ويبدأ بإطلاق
الرصاصات. وحقق حلمه بالإبحار
إلى العالم الآخر إذ قتله مجهولون حين كان في
حالة
سكر ليلا وتركوا جثته لمن
يكتشفه صباحا.
مشهد
ثالث:
سيف
ومحمد، حدثان جعلهما الشارع صديقين. الأول في
العاشرة والثاني في الثانية
عشرة من العمر. منذ ان عرفتهما
وهما يسكنان الشارع. يتعطف عليهما الأجانب.
سيف لا
يذهب إلى البيت نهائيا بينما
يجمع محمد ما يحصل عليه ويذهب إلى البيت مرة
في الأسبوع،
لكنه لم يذهب منذ مدة لان أحد (شباب) الشارع
سرقه. والمناطق القريبة من
الفنادق تعج بأطفال الشارع
وشبابه. وبدأت اسمع مصطلحات غريبة. حسن الذي
يقارب
العشرين يرتدي أسمالا قذرة
وفقد وجهه لونه رغم قرب الشارع الذي يسكنه من
النهر.
يقوم بحركات غريبة ويضحك ويرقص.
يقول رفاقه الشارعين بأنه (مثنر) أي يتعاطى
(الثنر) المادة التي يستخدمها
الصباغون وهي مادة كيماوية خطرة. وفي الشارع
العديد
من (الثنارة). وعمار حزين دائما
ولا يتقرب من الآخرين إلا عندما يقرصه الجوع.
وهو
عدواني وشرس، لكن رفاقه لا
يخافونه لأنه (مكبسل). ما هي الكبسولات التي
يتعاطونها
وكيف يحصلون عليها؟ أسئلة دون
جواب. والخوف ان يتحول أطفال الشوارع من شم
الثنر
والسيكوتين وتناول الحبوب إلى
المخدرات الحقيقة. وبين الأطفال الذين تركهم
الأهل
للشوارع فتيات يفترشن الشارع
ليل نهار ومعالم مستقبلهن واضح من الآن خاصة
الجميلات
منهن. بعضهن يغطين رؤوسهن بقطع
قماش بال. ولكن هل يرحم الشارع فتاة صغيرة لا
يسأل
أحد عنها؟ وهذه الفتيات
الصغيرات يعرفن الكثير من أمور الحياة
الشارعية. وهذا جزء
من حوار سمعته بين صغيرة اسمها
أمل! بدت في العاشرة من عمرها وصبي يكبرها
قليلا.
قالت أمل معاتبة الصبي بأن
المادة التي باعها لها بألف دينار لم تكن (أصلية)
فقد
شمتها كثيرا دون ان (تدوخ)
واقسم الصبي بأنه لم يغشها. وأكملت أمل كلامها
قائلة بأن
رجلا كبيرا في العمر اصطحبها
إلى منزله وأعطاها ملابس نظيفة وطلب منها ان
تتحمم
ومنحها خمسة آلاف دينار وأمرها
بالذهاب إلى أهلها. كانت أمل مستاءة لأنه لم
يحاول
ان يتقرب منها!! واستخدمت كلمات
بذيئة بحق الرجل الطيب الذي وصفته بالغبي!
لأنه لم
يصدقها بأنها ليست صغيرة…
تحاول
منظمات غبر حكومية عديدة ومنها (أطفال العالم)
مساعدة أطفال الشوارع في
العراق والذين اصبحوا ظاهرة
حقيقة ومؤلمة ان تقدم المساعدة. ولكن يبقى
للشارع سحره
عليهم ومساعدتهم في العودة إلى
الحياة السوية تبدو ضربا من الخيال مادام
الأهل لا
يسألون عنهم.
ومشاهد
أخرى:
الموظفون
الذين عليهم ان يلتحقوا بمكاتبهم يومين في
الأسبوع. يأتون للدوام
ويتجمعون على الأرصفة القريبة
من المباني المدمرة بفعل الصواريخ أو بالحرق
بعد ان
نهبت. وحين يتعبون يجلسون على
حافة الجدران أو الأرصفة. وبين يوم وآخر نقرأ
بأن
الدائرة هذه أو تلك بدأت
باستقبال المراجعين! هل يذهب المراجعون إلى
الأرصفة أم إلى
المباني المدمرة؟ لا جواب.
واللافتات
السوداء التي تنعي الشهداء والمتوفين التي
تتكاثر يوما بعد آخر على
جدران الحزن تشكل بعض ديكور
مسرحيتنا العبثية. وغودو التي تخيلناه جاء مع
(التحرير)
لم يأت. لأننا في الواقع كنا
وما نزال ننتظر معجزة.
*
الموضع نشر سابقا في موقع (ميدل ايست أونلاين)