تسديد فواتير الحروب الأميركية

د. محمد صالح المسفر/أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر

(1)

رحت أستفسر من عقلي هل هو قدرنا في دول الخليج العربي أن نسدد فواتير كل حروب الولايات المتحدة الأميركية وعلينا أن نمول الحملات الانتخابية لكل زعيم أميركي ينشد الوصول إلى البيت الأبيض ، ونمول مكتبته الشخصية ليضع فيها كل ما كتب في عهده عنه وعن إدارته .
في حرب فيتنام كان علينا إمداد الأساطيل البحرية والجوية الأميركية في جنوب شرق آسيا بكل ما تطلبه من الطاقة مجانا تحت ذريعة محاربة الشيوعية ومناصرة دولة اعتبرناها صديقة ولا تعتبرنا كذلك.
في أفريقيا أسست الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها أندية سياسية متخصصة لمحاربة الشيوعية وكان على بعضنا في الخليج دفع تكاليف جهود تلك الأندية . في إيطاليا مول بعضنا حملات انتخابية - حقبة الستينيات والسبيعنيات - لصالح الأحزاب اليمينية، كي لا تصل الأحزاب اليسارية إلى سدة الحكم . مول بعضنا الحملة الأميركية - في الثمانيايت من القرن الماضي - لإسقاط الحكومة الساندينية في نيكاراغوا - نسبة إلى ساندستا بطل قومي في تلك الدولة - ، وكذلك إسقاط حكومة غرنادا وغيرها من دول الكرائب بحجة محاربة الشيوعية طبقا لرغبة الصديق الأميركي .
في أفغانستان أنفقنا ما يزيد على أربعين مليار دولار لإلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفيتي هناك لصالح أميركا ، علماً بأن الاتحاد السوفيتي كان النصير الأوحد للقضايا العربية مادياً وسياسياً ومعنوياً ، ثم أنفقنا ما يزيد على عشرين مليار دولار للإلحاق الهزيمة بحكومة طالبان التي ناصرناها بحجة العقيدة المشتركة الإسلام ، ولكن أميركا لم يرق لها الحال فقررت التخلص من حكومة طالبان فكان علينا تمويل الغزو الأميركي لأفغانستان ، ليس ذلك فحسب بل علينا أن نعيد اعتمار ما دمرته الحروب في ذلك القطر وما برحنا ندفع.
في العراق مولنا حرب 1991م وكانت التكلفة باهظة الثمن من الناحية السياسية والأمنية والمالية والاجتماعية والبيئة ، وبقينا نمول التواجد الأميركي في المنطقة لمدة ثلاثة عشر عاماً وكان علينا دفع تكاليف إضافية تمثلت في تكاليف فرض الحصار البحري على العراق والطلعات الجوية البريطانية الأميركية المعروفة بطلعات طائرات الحظر الجوي المفروض على العراق من قبل أميركا وبريطانيا وكذلك تحمل عشرة مليارات دولار كلفة رسوم تأمين إضافية على المواصلات البحرية والجوية لصالح كبريات شركات التأمين الأميركية والبريطانية في الخليج.
وجاء عام 2003م وكان علينا بطريقة مباشرة وغير مباشرة تمويل غزو العراق وتدميره وإعادة إعماره والتنازل عن التعويضات المفروضة على العراق لصالح بعض دول الخليج وهي تقدر بمليارات الدولارات، ويتوجب علينا دفع ما يجب على الحكومة الأميركية دفعه لجيوشها وسلاحها وموظفيها في العراق والمقدرة بـ (87) مليار دولار. هذه المصاريف الإضافية طلبها الرئيس بوش من الكونغرس وعلينا دفعها كما قال بذلك صحفي الإدارة الأميركية (توماس فردمان)، ليس ذلك فقط بل ليس من حقنا الحصول على أي زيادة عن خمسة وعشرين دولارا لسعر البرميل من النفط، وإذا حدث ان ارتفع عن تلك القيمة فإن الزيادة تكون من نصيب الغير.
إن هذا الكرم لصالح أميركا يقابله تقشف في بعض دولنا إلى حد انتشار الباحثين عن العمل وتزايد معدلات الجريمة، وتعاظم دور قوى التخريب، وإثقال المواطن بضرائب مباشرة وغير مباشرة وبارتفاع في معدلات الأسعار، وأُثقل كاهله بديون. ما أحوجنا إلى ثرواتنا بدلاً من إنفاقها على جيوش الغزاة في كل أطراف الكرة الأرضية.
(2)
بغداد حصن العروبة (في ظل مجلس الحكم المعين من قبل الحاكم الأميركي بريمر والذي يتشكل من الذين كانوا يطلقون على أنفسهم معارضة للنظام السابق) أصبحت مجالا حيويا للصوص وتجار الصدفة وللشركات الإسرائيلية بالاشتراك مع أطراف من المعارضة السابقة أذكر منها (المجموعة القانونية الدولية) شركة تقدم استشارات لكل من يريد الاستثمار في العراق، يملكها ابن شقيق احمد الشلبي سام (سالم) الشلبي ومارك زيل محامي يميني صهيوني متطرف ومكاتبها في بغداد والقدس الغربية ونيويورك، ويوجد أيضا مكتب دراسات استراتيجية صهيوني اختار مقره في شارع أبو نواس المشهور في وسط بغداد.
بغداد يا عاصمة الحضارة العربية والإسلامية ، هل باعك أهلك بثمن بخس وتنكر لك العرب والمسلمون.
(3)
يستغرب الإنسان العربي والأوروبي على وجه العموم من إصرار سدنة الاحتلال في بغداد من استخدام مصطلح قوات التحالف بدلا من مصطلح قوات الاحتلال ، علماً بإن قرار مجلس الامن واضح في التسمية (إن العراق دولة محتلة)، كما يصر سدنة الاذلال الاميركي للشعب الاميركي الشقيق على استخدام مصطلح (قوات التحرير) رغم المعاناة التي يلاقيها الشعب بجميع طوائفه من معاملات قوات الاحتلال.
في عصر النظام السابق الذي لا نقر سياسته وندين ممارساته في الداخل والخارج، كان الناس في زمانه يحصلون على قوت يومهم رغم الحصار، وكان الطلاب يذهبون الى مدارسهم وجامعاتهم تحت وطأة الحصار لكنهم يعودون الى منازلهم آمنين، اليوم الحال مختلف خوف وإذلال وقتل واعتقال ونهب وسلب ومخدرات على المكشوف وطوائف متناحرة وجيوش مرتزقة استقدمتها القوات الغازية من جمهوريات الموز في الكاريبي ومن حقول زراعة المخدرات في اميركا اللاتينية. بوش الابن وزع العراق هبات على جيوش تلك الدول بينما النظام السابق حافظ على وحدة الوطن وسلامة ارضه.
فهل بقي للعرب وجواره نصيب في العراق، أم أنه سيلحق بفلسطين.
آخر القول: يا رب احم عراقنا موحداً واحم أوطاننا ووحد قلوبنا وأرضنا واحمينا من كل الغزاة.