جرف
القبور أو إخفاق السياسة؟
بشارة
مرهج/نائب في مجلس النواب اللبناني
احدث
جرف قوات الاحتلال الأميركي في العراق قبر
ميشال عفلق وتسويته بالأرض مفاجأة لدى كثيرين
في البلاد العربية كما في سواها، إذ تساءل
هؤلاء عن السبب الذي يدعو القوة الأعظم في
العالم إلى ارتكاب هذه الجريمة النكراء وعن
الفائدة التي تجنيها جراء ذلك، وعن السبب
الذي يجعلها تتحمل الخسارة المعنوية الناجمة
عن الاعتداء على رفات مفكر وسياسي له اعتبار
ووزن في الحياة العربية الحديثة.
وإذا
كان هذا العمل السادي يدين نفسه بنفسه، او
بالأحرى ينبش نفسه بنفسه ، فمما لا شك فيه انه
ينتمي إلى عصر ظلامي سحيق وان قام به "معاصرون"
تسربلوا بمظاهر الحداثة والعولمة.
وسواء
تعلق الاعتداء بالأستاذ ميشيل عفلق احد كبار
مؤسسي حزب البعث،ـ أو أي شخص آخر، بصرف النظر
عن جنسيته أو لونه أو معتقده، فانه عمل مناف
للدين والأخلاق والإنسانية، وليس له ما يبرره
على الإطلاق. وإذا كان الفاعل لا يهتم بتبرير
فعلته أمام الملأ فان ذلك لا يعفيه من
المساءلة والمحاسبة خصوصا انه نصًب نفسه
حارسا للحرية والديمقراطية في العالم ولا
ينفك يمطرنا يوميا بأفكاره المبتذلة حول
المساءلة والمحاسبة وضرورة اعتمادهما وصولا
إلى الديموقراطية الحقيقية.
ولو
كان الفاعل واثقا من نفسه ومن اعتراضاته على
أفكار ميشال عفلق الذي عمل طيلة حياته لنهضة
الأمة العربية، لكان لجأ إلى الكلمة والحجة
والمنطق للبرهان على صحة اعتراضاته
ودحض اطروحات عفلق. أما ان يلجأ إلى ما لجأ
إليه فهو مؤشر خطير
إلى زمن يتخبط بالفوضى والإرهاب ويخضع لرأي
واحد لا مجال فيه
لكلمة أو حوار. فمن يقوم بعمل من هذا النوع هو
جاهل لا يفقه شيئا من دواخل الحياة العربية،
أو مارق ملأه الحقد فضل الطريق. وفي الحالين
سيبقى هذا العمل
لطخة عار في جبين الديموقراطية الأمريكية،
وقد تعودنا في حياتنا القومية المعاصرة
ممارسات استعمارية مشابهة تركت في النفوس
جروحا غائرة بعدما أصابت الكرامات في الصميم.
وإذا
كانت لغة الاجتثاث التي يريدون تعميمها في
المنطقة قد ظفرت بمؤيدين ومريدين في صفوف
الذين ارتبطوا بالفكر الصهيوني العنصري،
فإنها لن تجد صدى أو تجاوبا لدى الحركة
القومية العربية التي تأبى الانفكاك عن
حقيقتها الإنسانية والحضارية وترفض السقوط
في متاهات الغريزة والانحطاط.
وإذا
كان الاجتثاث ممارسة
قهرية بدائية ضد آخرين، فانه يعكس في الوقت
نفسه عقلية غوغائية الغائية يستحيل عليها رسم
المعادلات المتوازنة
وإقامة التوازنات العادلة، إذ كيف تستطيع هذه
العقلية التي تعطي لنفسها حقا شموليا
بالتقويم "والتجريم" ان تبني علاقة مع
مختلفين لا يشاطرونها الرأي ويرفضون تسلطها
واملاءاتها؟
أكيد
أن القوات الأمريكية لم تعثر في مثوى ميشال
عفلق على أسلحة دمار شامل أو نظائر مشعة،
ولكنها بالتأكيد ساهمت من حيث لا تدري ولا
تريد في زرع أفكاره مجددا في أرض الرافدين
التي أحب، ذلك إن كثيرين سيقولون لأنفسهم
ولأولادهم: "لو كانت فكرة التجزئة التي جاء
بها الاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق
أقوى من فكرة الوحدة التي آمن
بها ميشال عفلق ورفاقه لما احتاج الأمر
إلى جرافة وحفار قبور".