هل
غاص النموذج الأمريكي في المستنقع العراقي
د.
لقاء مكي/أكاديمي العراق
في
صيف عام 2002 كتب جيم هوغلاند مقالاً في صحيفة (واشنطن
بوست) تحدث فيه عما سماه حل العقدة العراقية
كأولوية تسبق حل جميع الأزمات في "الشرق
الأوسط" ومنها المشكلة الفلسطينية، وقال
"إن إبقاء القوات الأمريكية في الأراضي
العراقية لعدة سنوات سيجعل من الوجود
الأمريكي قاعدة انطلاق للتحول الديمقراطي في
العراق.. ويجعل منه نموذجاً للديمقراطية في
سائر دول المنطقة".
ولم
تكن هذه الفكرة سوى مقدمة لعمل سياسي وإعلامي
وعسكري واسع وضخم نفذته الولايات المتحدة منذ
ذلك الحين لينتهي باحتلال بغداد في نيسان/إبريل
من هذا العام، ولم تكن الأسباب التي قدمتها
واشنطن وشغلت بها العالم كل هذا الوقت سوى
ذرائع زالت أهميتها بعد أسابيع من الاحتلال
ليبقى لهذا الجهد الأمريكي معنى أساسي واحد:
تغيير وجه المنطقة والعالم واستعادة الهيبة
الأمريكية التي مرغتها أحداث 11 أيلول/سبتمبر
في الوحل.
والهيبة
هنا ليست عند إدارة الرئيس بوش ومساعديه من
المحافظين أو المسيحيين الجدد الذين يمثلون
أقصى اليمين بين النخب السياسية الأمريكية،
ليست مجرد حشد القوة الهائل الذي استخدم في
احتلال العراق، وهو لا يقتصر أيضاً على تهميش
دور الآخرين ومنهم الأمم المتحدة، لكنه إلى
جانب هذا وذاك، إعادة الاعتبار لسطوة الصورة
الأمريكية في أذهان الشعوب، ومنها بشكل خاص
شعوب وحكومات "منطقة الشرق الأوسط" التي
اعتبرتها واشنطن جزءاً حيوياً من (جغرافية
الإرهاب) التي تهدد أمريكا والغرب، إلى درجة
أن صحيفة (نيويورك تايمز) كتبت في تموز/يوليو
من عام 1993 تقول إن الطفرة النفطية التي حدثت
في السبعينات حفزت على الصحوة الإسلامية
وزودتها بالوقود، ومضت قائلة "إن تصرفات
الدول الإسلامية الغنية بالنفط إذا وضعت في
إطارها التاريخي والديني والعرقي لا تصل إلى
أقل من محاولة واضحة وقوية لإخضاع الغرب
المسيحي للشرق المسلم".
وهكذا
فالنخبة الأمريكية السياسية والإعلامية،
تعاملت بشكل مبكر مع "منطقة الشرق الأوسط"
كبؤرة للعالم الإسلامي على أساس نظرة عنصرية
عدوانية كامنة، لم تكن تنتظر غير حدث بمستوى
هجمات 11 أيلول (سبتمبر) لتخرج إلى العلن دون
مواربة أو مجاملة، حيث اصبح الجميع موضعاً
للاتهام، وبات حتى أصدقاء أمريكا في المنطقة
داخل دائرة الاستهداف.
لكن
الأمريكيين فهموا أيضاً وفي وقت مبكر أن
الانتقاص من الهيبة الأمريكية ليس مجرد متغير
طارئ صنعته ظروف اقتصادية أو سياسية أو
إعلامية، إنه عند هؤلاء موقف فكري وثقافة
مسيطرة على الوعي، إلى حد أن صاموئيل
هنتنغتون يعيد تصاعد المد الإسلامي إلى فراغ
القوة في العالم بقوله "إن الإحياء
الإسلامي هو نتيجة انهيار قوة وهيبة الغرب"..
وبالتالي فإنه يبني بهذا التصور الأساس
الأيديولوجي لظاهرة الطغيان الأمريكي كسبيل
لمحاربة الإرهاب الناجم عن هذا (الإحياء
الإسلامي) على حد وصفه.
ولأن
هنتنغتون كأمريكي يتعامل مع القوة كرديف
ملازم وحتمي للهيبة، فإنه يؤكد أن "الثقافة
تتبع القوة"، ولذلك فإن أي جهد أمريكي لفرض
أنماط ثقافية وفكرية وأيديولوجية جديدة في
العالم الإسلامي وتحديداً في قلبه الشرق
أوسطي يستلزم استعراضاً فاعلاً ومؤثراً
للقوة داخل المنطقة وليس على تخومها، وهو ما
جرى في واقعة احتلال العراق بكل ما فيها من
هول وصدمة وانهيارات في ثوابت النظام الدولي،
مع ما رافقها من تهديدات لدول أخرى في المنطقة
شملت سوريا وإيران وكذلك السعودية بشكل أقل.
لكن
الاحتلال برغم أهميته في الأولويات
الأمريكية، لم يكن سوى الجزء الأول من
الاستراتيجية الجديدة، فبعد أن تم إشهار
القوة، لابد الآن من صياغة الثقافة التي
تتبعها، وهي هنا ثقافة التبعية بكل مكوناتها
السياسية والاقتصادية والفكرية والقيمية
والتي تستند أصلاً إلى التعامل مع صورة الآخر الأمريكي بطريقة
يختلط فيها الانبهار بالدونية والإعجاب
بالخوف، وإلى الحد الذي يعتقد فيه الأمريكيون
أنه يضمن لهم إزاحة رصيد الحقد العربي
والإسلامي ضدهم أو تهميشه على الأقل وجعل
العربي والمسلم إنساناً متردداً قاصراً
وعاجزاً ومعجباً في الوقت ذاته بأمريكا التي
تعتقد أن ذلك ربما يضمن لها تحجيم خطر (الإرهاب)
من جانب وتحقيق حلمها الإمبراطوري من جانب
آخر.
ولكن
هل ما يجري اليوم في هذا البلد هو بالفعل
بدايات بناء مثل هذه التجربة (النموذجية) التي
تحدث عنها الرئيس بوش أكثر من مرة، جاعلاً
منها خط دفاعه الأخير عن فرصته الرئاسية
الثانية؟.. في حقيقة الأمر لابد من وضع علامات
استفهام عديدة أمام هذا التساؤل، ذلك أن
المبدأ في حد ذاته يقوم على جملة أخطاء
منهجية، منها أن الديمقراطية ليست مجرد قرار،
فهي بناء متشابك ومعقد وطويل الأمد، وفيه ما
فيه من تضحيات، وانتكاسات ونضج فكري وتربية
اجتماعية وسوى ذلك، مما لا يمكن أن يتحقق في
أي بلد بين عشية وضحاها حتى لو أراد رئيس
الولايات المتحدة ذلك.
والخطأ
المنهجي الثاني، أن الديمقراطية لا تتواءم مع
الفقر، ومع الحاجة ومع الانهيارات
الاجتماعية التي رافقت ثلاث حروب، كما أن
الديمقراطية كيما تنجح تحتاج إلى تهدئة حدة
العصبية القبلية أو الدينية أو الطائفية وليس
تأجيجها كما يحدث اليوم.
وإذا
ما واصلنا تجاوز كل ذلك، بل تجاوزنا أيضاً
الطابع الشخصي لقرارات مجلس الحكم التي صممت
لتناسب مقاسات بعض أعضائه المتنفذين، فإننا
نعود إلى مناخ الديمقراطية في العراق، لنجد
أن معظم العراقيين لا يعرفون ما الذي يجري في
بلدهم، وبرغم العدد الهائل للصحف الجديدة
الصادرة في العراق (نحو 180 جريدة ومجلة) فإن
هؤلاء العراقيين مازالوا حتى اليوم يتعاملون
مع وجه واحد للديمقراطية وهو شتم النظام
السابق، أما ما عدا ذلك، فإن انتقاد فرد أو
حزب أو تيار ما (بدافع المناخ الديمقراطي)
يمكن أن يجلب لصاحبه الويل والأذى وربما
القتل، وهو الأمر الذي خلق نوعاً من الإرهاب
الفكري حيث ينظر بعين التشكيك والريبة وربما
العدوانية تجاه من ينتقد الأوضاع الراهنة، بل
ان مثل هذا الشخص سيحسب فوراً على أتباع
النظام السابق حتى لو كان في حقيقة الأمر من
بين جملة ضحاياه.
وفي
حمأة المناخ الديمقراطي ذاته، يمكن أن نجد
شعباً نصفه عاطل عن العمل ومشغول بلقمة عيشه،
ونصفه الآخر مشغول بغياب الخدمات، وضياع
الأمن، وانتشار الفوضى، وخراب البلاد،
وحينما يتوافر لهذه المجموعة أو تلك من الناس
رغبة في التظاهر، فإنهم يفعلون ذلك بكل تهذيب
وهدوء خشية استفزاز القوات الأمريكية التي لا
تتورع عن إطلاق النار كما حدث في الفلوجة أو
في بغداد مقابل القصر الجمهوري (السابق)، وفي
كل الحالات فإن التظاهرات تنتهي دون أن يهتم
بها أحد أو يعلم بها المختصون.
ومن
غير الخوض في تفاصيل أكثر حول ذلك، يكفي أن
نشير إلى أنه لم يحدث في العراق حتى الآن بناء
مرجعية فكرية للديمقراطية ينبغي أن تسبق أي
ممارسة، ويؤمن بها الجميع ويستند إليها العمل
السياسي والسياقات الاجتماعية، وهو أمر لم
يحدث حتى الآن، بل ان التيارات السياسية
المختلفة ومنها الأحزاب العديدة تميل إلى
تعزيز قوتها الردعية وليست الشعبية للحصول
على موطئ قدم في السلطة وهو أمر يمكن أن يتحول
إلى صراع خطير بمجرد خلو البلد من قوة ردع
عسكرية مؤثرة.