فرصة
للمقاومة وأخرى لسوريا؟
د.
عصام نعمان *
قيل
ان الانطباع الأول هو الانطباع الأصدق. إذا
كان الأمر كذلك، فإن انطباعي الأول، بعد غارة
الطيران الحربي "الاسرائيلي" على هدف
ثانوي في العمق السوري، هو ان ارييل شارون
يتعّثر وجورج دبليو بوش يتخبط. هذا الانطباع
عززته لاحقا جملة شواهد وأدلة.
الضربة
"الاسرائيلية" حركت الرأي العام العربي
والعالمي وأدت لسوريا ولرئيسها خدمة سياسية
لا تثّمن. فقد سارعت الحكومات العربية، داخل
اجتماعات جامعة الدول العربية وخارجها، إلى
إطلاق استنكارٍ لفعلـة شارون مقرونٍ بنَفَس
تضامني كنّا افتقدناه عشية الحرب على العراق
وبعدها. أما في مجلس الأمن الدولي فقد ندد
ممثلو الدول الأعضاء بالغارة "الاسرائيلية"
في شبه إجماع لم يعكّره إلاّ صمت مريب لمندوب
أمريكا كاد يصمّ الآذان و.. الأذهان. وفي بيروت
والقاهرة وغيرهما عاد نبض الشارع إلى الصعود
بعد طول هجوع.
بازاء
موجة الشجب الواسعة، اصبح مشروع القرار
القاضي بإدانة "اسرائيل" في مجلس الأمن
ثانويا بالنسبة إلى تحقق ما هو اعظم : إفصاح
الأكثرية الساحقة في مجتمع الدول عن إرادتها
بإدانة سياسة "اسرائيل" بقوة، واستنكار
موقف أمريكا المحابي لها.
لئن
بدا شارون مكابرا ومثابرا على التهديد بتوجيه
ضربات لاحقة في المكان والزمان المناسبين،
فان ذلك لم يكن كافيا لتغطية تعثّره "اسرائيليا"
وإقليميا ودولياً. بالعكس، تلاقت صحف أمريكية
وعربية وحتى "اسرائيلية" على وصف فعلته
بأنها مغامرة تهدد الأمن والسلام، وان عجزه
عن حل الأزمة الأمنية والسياسية في الداخل قد
حمله على تصديرها إلى الخارج.
تخوفت
أوساط سياسية عربية ودولية، عقب عملية حيفا،
من ان يلجأ شارون إما إلى تنفيذ قرار مجلس
وزرائه بـ " إزالة " ياسر عرفات أو
باجتياح قطاع غزه.
إزالة
عرفات لا تسمح به أمريكا، في الوقت الحاضر،
لأسباب إقليمية وإسلامية. أما اجتياح قطاع
غزة فدونه محذوران: الأول حدوث مذبحة تستثير
العالم كله وتحرج جورج بوش، بل قد تستثير حتى
"الاسرائيليين" أنفسهم إذا تكبدت القوات
الغازية خسائر فادحة.
المحذور
الثاني هو ان " نجاح " عملية الاجتياح
يكّرس "اسرائيل" دولةً محتلة ويلقي على
عاتقها أعباء سياسية ومالية لا قدرة لها على
احتمالها في زمن الأزمة الاقتصادية
المستفحلة.
اكثر
من ذلك : إن اجتياح قطاع غزه، بعدما تمّ احتلال
الضفة الغربية، ينسف عمليا " فلسفة "
إقامة الجدار العازل. فالاحتلال يمكّن "اسرائيل"،
نظريا على الأقل، من السيطرة على المقاومة (التي
تسميها إرهابا) الأمر الذي يلغي الغاية من
إقامته وهي منع نشاط "الإرهابيين".
فالعالم سيقول لشارون: أنت بررت الاحتلال
بأنه وسيلة لتعطيـل "الإرهاب"، وها ان
الشعب الفلسطيني اصبح تحت قبضتك، فما هي
حاجتك إلى جدار عازل طالما في وسعك الآن
مباشرة تدابير العزل دونما حاجة إلى جدران
تعزل وحواجز تفصل؟
لشارون،
بطبيعة الحال، غاية من وراء إقامة جدار العزل
غير منع العمليات "الإرهابية". إنها
ابتلاع معظم الضفة الغربية وأقسام ٍ من قطاع
غزه بدعوى "تعطيل الإرهاب". لذلك فمن
مصلحته عدم القضاء على المقاومة في غزه
نهائياً – خاصة ً عندما يكون عاجزاً عن ذلك –
كي يبقى لبناء الجدار العازل دافع ومسوّغ.
***
بوش
يتخبط. مشاكله تتناسل داخليا وخارجيا. بات
يشكو من صدقية متدهورة ومن عدم ثقة لدى
مواطنيه بقدرته على مواجهة تحديات السياسة
الخارجية ومعالجة مشاكل الاقتصاد وعجز
الميزانية.
سواء
أعطى بوش حليفه شارون ضوءاً اخضر قبل تنفيذ
ضربته الجوية في سوريا أو علم بها بعد
إجرائها، فقد بدا مندوبه محرجا أمام مجلس
الأمن. إذ كيف يوفّق بين دعوته دول العالم، لا
سيما الدول دائمة العضوية في المجلس المذكور،
لتأييد مشروع القرار الجديد في شأن العراق
ودعم أمريكا بقوات إضافية لأحكام السيطرة
عليه، بينما تندد جميع هذه الدول بفعلة "اسرائيل"
علنا وبوقوف أمريكا وحدها على الجانب الخاطيء
من احترام القانون الدولي ؟
فوق
ذلك كله، يحرص شارون على استخدام " منطق "
بوش في تبرير عدوانه. انه منطق الحرب
الاستباقية. فهو، شأن حليفه الأمريكي، يدّعي
انه لا يستطيع البقاء مكتوف اليدين بينما
يستعد العدو لتوجيه ضربة إليه. يقول إن عليه
استباق ضربة العدو بضربة إجهاضية ليتفادى
خسائر فادحة أو حتى، ربما، هزيمة نكراء. أليس
هذا منطق بوش في حربه على العراق ؟
بإزاء
هذا المنطق البوشوي، لا يجد الرئيس الأمريكي
مناصا من دعم حليفه "الاسرائيلي"، بل من
تبرير أفعاله الشريرة. وهل يستطيع أصلا غير
ذلك في موسم الانتخابات الرئاسية
والتشريعية، خصوصا بعد تدهور مكانته لدى
الرأي العام وازدياد حاجته إلى أصوات اليهود
الأمريكيين ؟
حتى
هذا الموقف ما عاد يكفي وحده لإنقاذ سعي بوش
إلى ولاية ثانية. فقد تدهور الوضع الأمني
والاجتماعي في العراق على نحوٍ خطير حمل
الرئيس الأمريكي على اتخاذ تدبير لافت يقضي
بتعزيز رقابة البيت الأبيض على ملفي العراق
وأفغانستان.
التدبير
الجديد يقضي بإنشاء "مجموعة استقرار من اجل
العراق" توضع تحت إدارة مستشارة الأمن
القومي كونداليزا رايس. مهمة المجموعة "
تنسيق جهود مختلف الهيئات ومساعدة وزارة
الدفاع والحاكم المدني الأعلى للعراق بول
بريمر (...) من اجل تحقيق الاستقرار وإعادة
إعمار العراق "، كما قال بوش. غير ان صحيفة
"نيويورك تايمز" فسرت خطوة الرئيس
الأمريكي بأنها "وسيلة لممارسة مزيد من
الرقابة على حساب "البنتاغون" (وزارة
الدفاع).
الحقيقة
ان التدبير لا يقضم بعض صلاحيات وزير الدفاع
دونالد رامسفيلد فحسب بل بعض صلاحيات كولن
باول، وزير الخارجية، أيضا. إذا كان رامسيفلد
المهيمن على الملف العراقي، فان باول كان
المهيمن على شؤون إعادة الإعمار في أفغانستان.
بإنشاء
المجموعة الجديدة تحت إدارة رايس، اصبح البيت
الأبيض هو من يمارس الرقابة على إدارة هذين
الملفين المتوترين.
***
هكذا
تستبين للمراقب الحصيف فرصة لكلٍ من المقاومة
وسوريا تلوح في المستقبل المنظور.
إذا
كانت موازين القوى الإقليمية، بعد احتلال
العراق، اضطرت سوريا إلى مواجهة العدوان "الاسرائيلي"
في إطار مجلس الأمن وحسب، فان منظمات
المقاومة العربية والإسلامية لا تقيّدها
الموازين الدولية ولا الاعتبارات
الديبلوماسية. لعلها ستجد مصلحتها في الرد
على توسيع "اسرائيل" دائرة العـدوان (بضربتها
الجوية في العمق السوري) بتدبير مشابه يوسع
دائرة الاشتباك معها على جبهة واسعة تمتد من
فلسطين إلى العراق.
لقد
بات واضحا ان العرب والمسلمين عرضة لحرب
واسعة تشنها عليهم الولايات المتحدة وتلعب
فيها "اسرائيل" دورا محوريا الأمر الذي
يستوجب وضع هذا التطور الخطير في الحسبان
والرد عليه بجميع الوسائل المشروعة وفي
مقدمها تفعيل المقاومة على نحوٍ يؤدي إلى
مضاعفة استنزاف العدو. ولعل اعتماد هذه
الاستراتيجية بفعالية في خلال الأشهر
المعدودة التي تفصلنا عن انتخابات الرئاسة
الأميركية يؤّمن الإسهام في الجهود المبذولة
على جميع المستويات، في الداخل الأمريكي كما
في الخارج العربي والإسلامي، للحؤول دون
تجديد ولاية بوش، مع ما يتركه ذلك الإنجاز
المرتقب من انعكاسات مدمرة على حكومة حليفه
ارييل شارون.
إن
تصعيد المقاومة في فلسطين والعراق، واستنزاف
القوى المعادية لها يساعدان في توليد الحاجة
إلى دور محوري لسوريا في المنطقة، لا سيما في
العراق، والى تسريع انسـحاب القوات "الاسرائيلية"
من الضفة وغزه والقوات الأمريكية من العراق.
ذلك ان تدهور الوضع الأمني في بلاد الرافدين
واتساع عمليات المقاومة، وإحجام دول العالم
عن توفير قوات داعمة للولايات المتحدة في
محنتها العراقية، سيدفع واشنطن، عاجلا أو
آجلا، إلى الاستعانة بدول الجوار الجغرافي
للعراق لمساعدتها على الخروج من المستنقع
الآسن.
تركيا
وافق برلمانها على توفير القوات اللازمة، غير
ان مجلس الحكم الانتقالي عارض بالإجماع نشر
قوات تركية في العراق أو، على الأقل، في بعض
مناطقه ذات الحساسية تجاه تركيا.
التحفظ
عن قبول نشر قوات تركية سيقابله بالضرورة
تحفظ في المستقبل عن قبول نشر قوات ايرانية.
كما يُستبعد، لأسباب متعددة، قبول نشر قوات
سعودية و كويتية وأردنية. هذا سيؤدي غالبا،
ولاعتبارات سياسية وليس امنية فقط، إلى تعميق
الحاجة الأمريكية إلى دور لسوريا، أمني
وسياسي، في العراق شبيه بدورها في لبنان.
سوريا لا تمانع،
على الأرجح، في لعب هذا الدور إذا ما تمّ
الاتفاق عليه في إطار جامعة الدول العربية
وبدعم واضح – وربما مشاركة محسوسة أيضا – من
مصر. أليس هذا ما حدث في خريف العام 1976
عندما اتفق البلدان، بضوء اخضر أمريكي، على
إنشاء قوة ردع عربية عمادها وحدات عسكرية
سورية لإخماد الحرب في لبنان وفرض سلطة
الحكومة الشرعية على مختلف أرجاء البلاد؟
شيء
من هذا القبيل قد تضطر إليه إدارة بوش في
العراق قبل موعد الانتخابات من اجل تدارك
الخسائر البشرية والسياسية وإنقاذ سعي
رئيسها للفوز بولاية ثانية.
لعل
في هذا الإطار يمكن تفسير مبادرة بوش إلى
تبرير ضربة "اسرائيل" في العمق السوري.
فهو يريد ثمنا لدور سوريا العراقي، قبل
إجازته، ليس اقله وقف دعمها السياسي
واللوجيستي لمنظمات المقاومة الفلسطينية.
من
الصعب على سوريا، لاعتبارات داخلية وأخرى
قومية، دفع الثمن المطلوب. غير ان اضطرار
إدارة بوش للخروج من ورطتها العراقية من جهة،
وتطّلع سوريا من جهة أخرى إلى دورٍ محوري في
استعادة وحدة العراق وتحريره وتعزيز نفوذها
الإقليمي، قد يدفعا بواشنطن ودمشق إلى اجتراح
ترتيب متوازن يحفظ مصالح الطرفين ويحقق
الأهداف المتوخاة.
يبقى
ان فرصة سوريا للحصول على دور إيجابي في
العراق يتوقف على نجاح المقاومة في استنزاف
القوى المعادية لها في العراق وفي فلسطين
أيضا.
المقاومة
هي مفتاح التغيير والتحرير.
*
دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف -
وزير سابق للاتصالات - كاتب و معلق سياسي (لبنان)