خيط
الشرف الموصول بين الفَلّوجتين.. العراقية
والفلسطينية
حين
يتحول تمر العراق إلى جمر
عبد
الله الحوراني/مفكر ومحلل سياسي (غزة - فلسطين
المحتلة)
قبل
أن تتناقل وكالات الأنباء والإذاعات
والفضائيات أخبار المقاومة البطولية،
وصورها، التي يسجلها أبناء الفلّوجة ضد قوات
الاحتلال الأمريكي، ربما لم يكن أحد غير
أبناء العراق، وقلة من خارجه، يعرفون شيئا أو
حتى يسمعون، عن هذه المدينة الصغيرة التي تقع
إلى الغرب من بغداد في محافظة الرمادي، وفي
منتصف المسافة تقريباً بين دجلة الذي ترقد
على جانبيه بغداد موزعة بين الكرخ والرصافة،
والفرات الذي تزهو على شاطئيه بساتين الرمادي
قادماً إليها من أقصي شمال العراق، ومواصلاً
سيره نحو مدن الجنوب موزعاً خيره عليها، حتى
يتعانق مع شقيقه دجلة مكونين شط العرب،
فيتهاديان معاً حتى يصبا في خليج العرب الذي
تنكر له أهله، ولم يرتقوا إلى شرف الانتساب
له، أو يستحقوا شرف انتسابه إليهم.
ربما لم تكن الفلّوجة، قبل الأشهر الأخيرة،
تحمل معنى أكبر من معناها اللغوي وهو الأرض
الصالحة أو المستصلحة للزراعة، وهو ما تتمتع
به الفلّوجة فعلاً لموقعها بين النهرين.
لكنها اليوم أصبحت ملء سمع الدنيا وبصرها،
وصارت عنواناً بارزاً من عناوين العراق،
تستحضر تراثه النضالي والحضاري العريق،
وتعيد إنتاجه بطولات تتفجر في وجه المعتدين
فتحرقهم، وتقتل الحياة في أجسادهم، ليبقى دفق
الحياة جاريا في شرايين العراق العظيم.
لم ينشغل أبناء الفلّوجة بسفسطات السياسيين،
أو حذلقات بعض المثقفين، حول أسباب العدوان
الأمريكي البريطاني ومبرراته، هل هو احتلال
أم تحرير؟. ولم يتوقفوا عند دعوات بعض
المترددين، أو ملتبسي المواقف، حول ضرورة
الانتظار حتى يتم الإعداد الكافي والتنظيم
الجيد لإطلاق المقاومة. ولم يصغوا لدعاة
التفرقة بين المذاهب، أو اتهاماتهم لهم
بالانتماء للمذهب السني، والولاء للرئيس
صدام حسين. فقد أدركوا منذ البداية، وبحسهم
قبل وعيهم، طبيعة العدوان والاحتلال،
وأهدافه، والمتعاونين معه، فاتخذوا قرار
المقاومة، دون أن يعودوا إلى التنقيب في
الشرائع السماوية ليروا إن كان بينها من لا
ينص على مقاومة المحتلين، أو إن كان بين مذاهب
أية ديانة منها أي مذهب لا يحض على المقاومة.
فهم يحفظون عن ظهر قلب أن شريعة الله، وفي كل
الأديان، جعلت الجهاد ضد المعتدين واجبا
مقدساً على جميع المؤمنين. ولم تزعجهم تهمة
الولاء لصدام حسين أو رفع صوره، طالما كان
اللقاء على أرضية الولاء للعراق، والدفاع
عنه، والنضال من أجل تحريره، وطالما كان
المقياس هو الموقف الوطني والقومي، مقارنة
بأولئك العملاء الذين جاءوا تحت راية
المعتدين وبحماية دباباتهم، وجعلوا من
أنفسهم خدماً لسلطة الاحتلال.
مَن مِن أبناء العراق والعرب والمسلمين وكل
الأحرار في العالم لا يرى في الفلّوجة، هذه
المدينة الصغيرة، رمزاً من رموز الصمود
والمقاومة؟. من منهم يتوقف عند تلك التفاصيل
حول هوية المقاومة وأطرافها وقيادتها. فالكل
ينظر إلى نتائجها، ويحصي خسائر المحتلين على
أرضها، ويبتهج كلما كان حجم الخسائر في صعود.
فبقدر ما تتزايد هذه الخسائر، يزداد رعب
المحتلين وجنودهم، وهو ما يتبدى في تصريحات
هؤلاء الجنود ورسائلهم، واستعجالهم الرحيل
أحياء قبل أن يعودوا في توابيت، وفي تصريحات
قياداتهم التي باتت تعترف بتصاعد عمليات
المقاومة كماً ونوعاً، وتوسع رقعتها،
وازدياد حجم الخسائر التي توقعها في صفوف
جنودهم ـ رغم إنكارهم للأعداد الحقيقية
لقتلاهم ـ وفي تقارير أعضاء الكونغرس الذين
زاروا العراق، ونقلوا صورة بعض ما يلقاه
جنودهم، وفي مطالبات أهالي هؤلاء الجنود
بعودة أبنائهم، التي تنقلها الصحافة
الأمريكية، أو تأتي على شكل مظاهرات يومية
أمام البيت الأبيض في واشنطن. كما تبرز نتائج
هذه المقاومة الباسلة التي باتت تشمل مدن
العراق كلها تقريباً، وطليعتها الفلّوجة، في
انعكاسها على معركة الانتخابات الأمريكية
بحيث أصبحت عنوانا رئيسياً من العناوين
المطروحة في هذه المعركة، وأولى مؤشراتها
تقول بانخفاض شعبية الرئيس الأمريكي، القائد
الأعلى لقوات الغزو، إلى أدنى حد وصلت إليه
منذ انتخابه.
فالحرب العدوانية على العراق التي شنها جورج
بوش الابن لتتوجه بطلا، وينعش اقتصاد بلاده،
وليسيطر على بترول المنطقة، ويتحكم بمصير
العالم من خلاله، وليقضي على أكبر قوة عربية
ليضمن أمن "إسرائيل"، وسيادتها على
المنطقة العربية.. باتت تؤذن بسقوطه وسقوط
تابعه توني بلير، جرّاء الورطة التي أوقعا
بلديهما، والعالم أجمع فيها. بل إن هذه الحرب
العدوانية التي أراد جورج أن يسوقها تحت شعار
مقاومة الإرهاب وملاحقته، تتحول اليوم إلى
دعوة تسري بين شعوب العالم لكراهية الولايات
المتحدة، حيث لم تواجه الولايات المتحدة هذه
الكراهية الدولية من قبل، الأمر الذي بات
يشكل عبئاً جديداً على الإدارة الأمريكية
ينشغل خبراؤها اليوم في البحث عن كيفية
مواجهته والخلاص منه. ومن زاوية أخرى، تحولت
هذه الحرب العدوانية إلى ناقوس يوقظ شعوب
العالم، ودوله، على الخطر الأمريكي القائم
والقادم، خاصة بعد أن سقطت كل الذرائع التي
قدمتها الإدارة الأمريكية لتبرير الغزو،
وارتدت كل الأكاذيب على أصحابها في لندن
وواشنطن، وباتت تزعزع مصداقية مؤسساتهم.
وربما ينعكس فشل الولايات المتحدة في العراق،
إيجابياً على منظمة الأمم المتحدة التي
تجاهلتها الإدارة الأمريكية، وأفرغتها من
دورها الأخلاقي والقانوني والسياسي. فها هو
الفشل يقود إدارة بوش إلى العودة للمؤسسة
الدولية في محاولة للبحث عن غطاء دولي، أو
لمساعدتها على الخلاص من ورطتها في العراق.
مما ينعش الآمال، لدى الدول الكبرى خاصة، في
إعادة التوازن لدور الأمم المتحدة، وللنظام
الدولي ككل، ويفتح الطريق مجدداً أمام انهيار
النظام الأحادي القطب، الذي تمثله الولايات
المتحدة، وقيام نظام دولي متعدد الأقطاب يوفر
للعالم قدراً من العدالة والاستقرار.
ربما تعتبر هذه الآمال نوعاً من الخيال أو
الأحلام، ولكن لا ينكر أحد أنها باتت مطروحة،
وأن معركة العراق المستمرة والمفتوحة، هي
العامل الأكبر المحرك لهذه التطلعات. وهذا قد
يطيل من معركة العراق، ويضاعف من الثمن
الباهظ الذي يدفعه شعبه. ولكن إذا ما تحقق ذلك
أو جزء منه، فإنه يسجل شرفاً للعراق، ويعتبر
جزءً من رسالته التي حملها عبر التاريخ منذ
علّم البشرية حروف الكتابة الأولى على يد
السومريين، وشرَّع أول القوانين التي عرفها
الإنسان على يد حمورابي، مروراً برسالة
الحضارة العربية الإسلامية التي انطلقت من
بغداد، في عهدي الرشيد والمأمون، لتنير ظلام
الغرب وتمحو جهله، ووصولاً إلى المشروع
النهضوي القومي العربي الذي طرحه العراق،
لمواجهة المشروع الاستعماري والصهيوني،
وأعدّ له جيلاً من آلاف العلماء، فكان ذلك
السبب الرئيس في التآمر والعدوان عليه.
ومثلما تستلهم الفلّوجة العراقية اليوم
تاريخ العراق، وتبث روح المقاومة والنهوض
فيه، فإن الفلّوجة الفلسطينية كانت هي الأخرى
رمزاً من رموز الصمود والمقاومة الفلسطينية
والعربية، ومصدراً من مصادر الوعي العربي،
ونهوض حركة التحرر العربي. فهذه البلدة
الفلسطينية التي يقال إنها اشتقت اسمها نسبة
إلى شيخ صالح قدم من الفلوجة في العراق، تشكل
المدخل الشمالي للنقب في فلسطين، وتقع في
منتصف المسافة تقريبا بين مدينتي عسقلان في
الغرب والخليل في الشرق، احتلت مكانتها في
التاريخ الفلسطيني والعربي، حين احتضنت ـ مع
القرية المجاورة لها شرقاً (عراق المنشية) ـ
جمال عبد الناصر وقواته التي حوصرت في منطقة
الفلّوجة من قبل قوات المنظمات الصهيونية من
تشرين الأول/أكتوبر 1948 وحتى أواخر شباط/فبراير
1949. لم يكن ما تعرضت له الفلّوجة حصاراً يتعلق
فقط بقطع خطوط الإمداد والتموين عن أهلها وعن
القوات المرابطة فيها، بل كان قتالا بطوليا
يومياً، رفض فيه جمال عبد الناصر وقواته
والمقاتلون الفلسطينيون والمدنيون،
الاستسلام، رغم نفاذ الغذاء والدواء، وسقوط
المئات من الشهداء والجرحى. وكأن القدر اختار
هذه البلدة، واختار عبد الناصر ليحاصر فيها
لتبدأ صناعة تاريخ جديد في المنطقة بأسرها.
فعلى أرض الفلّوجة، تشكل وعي عبد الناصر
بقضية فلسطين وأبعادها، وطبيعة الحركة
الصهيونية وعدوانيتها، والدور الذي من أجله
أنشأت "إسرائيل" في المنطقة العربية،
والمخاطر التي تمثلها على مصر وإمكانية
تحررها. ومن معركة الفلّوجة أدرك عبد الناصر
العلاقة العضوية التي تربط بين الاستعمار
العالمي والحركة الصهيونية، وأن الحركة
الصهيونية ما كان لها أن تغزو فلسطين، وتشرد
أهلها، لو أن القوى الاستعمارية ممثلة
ببريطانيا وفرنسا في ذلك الوقت، لم تكن تتحكم
في المنطقة العربية عبر الاستعمار المباشر،
أو من خلال حكومات مرتبطة بهذه القوى،
وبالتالي، فإن معركة تحرير فلسطين تبدأ
بتحرير الدول العربية من الوجود الاستعماري
ونفوذه. وهكذا بدأت معركة تحرير مصر من
الاستعمار البريطاني في ذهن عبد الناصر أيام
حصاره في الفلّوجة، ومن معركتها، وربما، على
أرضها، تشكلت أيضاً، بداية وعيه بمشروعه
التحرري القومي العربي.
وإذا ما أتيح للمقاومة البطولية ضد الوجود
الأمريكي التي تدور على أرض الفلّوجة وحولها،
أن تتصاعد وتتسع لتشمل أرض العراق، وأن تمتد
تفاعلاتها وآثارها إلى حدود أبعد، فإنها يمكن
أن تعيد التأسيس لمشروع تحرري عربي أشمل، ضد
مجمل النفوذ الأمريكي، والأنظمة المرتبطة به
في المنطقة، بما قد يتركه ذلك من تأثيرات على
الساحة الدولية.