التحدي الذي يواجه الشعب الفلسطيني

عوني فرسخ

في نوفمبر/تشرين الثاني 1977 قام الرئيس السادات بمبادرة زيارة القدس المحتلة، ليعقد بعد عامين اتفاقيتي (كامب ديفيد)، التي تضمنت اشتراطات قصد بها إخراج مصر من الصراع العربي  الصهيوني. وعلى مدى السنوات الست والعشرين الماضية توالت محاولات التطبيع بين مصر و"اسرائيل"، وبرغم ذلك لما يزل السلام بينهما باردا للغاية، وما برحت جماهير الشعب العربي في مصر وغالبية نخبه الفكرية والسياسية ترى في "اسرائيل" المصدر الرئيسي للخطر على أمن مصر الوطني واستقرارها وأمان مواطنيها.

وفي سبتمبر/أيلول 1993 عقد اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و"اسرائيل" في حديقة البيت الأبيض الأمريكي، دلالة مباركة الإدارة الأمريكية الاتفاق واستعدادها لرعاية تنفيذه، وطوال العقد المنصرم تواصلت المفاوضات الماراثونية، ومضى مسلسل تنازلات السلطة الفلسطينية استجابة للضغوط الصهيونية والمداخلات الأمريكية، وبرغم كل ما أبداه الرئيس عرفات وأركان سلطته من مرونة وايجابية و"واقعية" فإن "سلام الشجعان" الذي بشر الشعب العربي الفلسطيني به لم يتحقق، وليس في معطيات الواقع المعاش، كما في آفاق المستقبل المنظور، ما يدل أدنى دلالة على واقعية الأحلام الوردية التي داعبت خيال فريق أوسلو الفلسطيني، والذين باركوا مسعاه من صناع قرار ومفكرين ومحللين سياسيين ما بين المحيط والخليج.

وفي المثال المصري ونظيره الفلسطيني البرهان العملي على صحة القول بأن الصراع الذي فجرته إقامة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على التراب العربي في فلسطين صراع وجود ولا وجود، ولأنه كذلك تستحيل فيه التسوية على أساس التنازلات المتبادلة، ولقد كان شلومو بن عامي، الوزير "الاسرائيلي" العمالي السابق، مصيبا في توصيفه للواقع، فقد نقل عنه قبل عامين انه قال: (ليست هناك حكومة "اسرائيلية" لديها الاستعداد لأن تعطي الفلسطينيين ما يرضيهم، وليست هناك سلطة فلسطينية تستطيع ان تفرض على الفلسطينيين ما لا يرضيهم).

ولكن هذا الصراع التاريخي الممتد، قانونه الحاكم انه صراع إرادات إنسانية متأثرة بالمتغيرات والمستجدات في قناعات نخب الطرفين وجماهيرهما، وقدرة وكفاءة صناع قرارهما على قراءة تجارب العقود الماضية ومعطيات الواقع إقليميا ودوليا.

وإلى جانب ما سبق بيانه كان من ابرز مستجدات ما بعد النكسة التحول الكيفي في نظرة الشعب العربي الفلسطيني لذاته ونظرة الآخرين إليه، وبخاصة التحالف الأمريكي  الصهيوني. فلقد كان من نتائج التقويم  غير الموضوعي لنكبة 1948 إيقاع ظلم تاريخي بيّن بالشعب العربي الفلسطيني، إذ اتهم بالتقصير والتخاذل والتفريط دون أخذ معطيات الواقع عربيا وصهيونيا بالحسبان، ولقد تواصلت النظرة اللامنصفة واللاموضوعية لنخب فلسطين وجمهورها، برغم ان إصرار اللاجئين على العودة ورفضهم كل مشروعات التوطين والإسكان كان في مقدمة العوامل التي حالت دون الصلح  مع "اسرائيل" طوال العقدين التاليين للنكبة فضلا عن إسهام شباب وصبايا فلسطين البارز في كل الأحزاب والمنظمات السياسية التي برزت على مسرح المشرق العربي بعد النكسة، إلا ان التصورات الخاطئة واللاتاريخية سرعان ما تراجعت بتأثير تنامي العمل الفدائي بعد نكسة 1967. وتطور المقاومة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وباستعادة الشعب العربي الفلسطيني لثقته بنفسه، وبحضوره المقاوم وعطائه السخي من دماء شبابه وصباياه، انتزع من القوى الإقليمية والدولية، التي طالما تنكرت لحقه في تقرير المصير، اعترافها بأن من حقه إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وان تباينت وجهات النظر حول حدود هذه الدولة ونصيبها من حرية الإرادة والسيادة الوطنية، وألاحظ ان صدور الاعتراف بذلك عن التحالف الأمريكي  الصهيوني، وان لم يكن جادا، ينطوي على إقرار ضمني بلا مصداقية ولا موضوعية شعار "ارض بلا شعب لشعب بلا أرض" وفي هذا نقلة موضوعية في رؤية التحالف المضاد لشعب فلسطين وصلته التاريخية بوطنه وحقوقه السياسية.

وعلى مدى  سنوات احتلال الضفة والقطاع مضى إرهاب الدولة الصهيونية في تصاعد طردي، ولقد شهدت سنوات انتفاضة الأقصى الثلاث تزايدا متواليا بعمليات الاغتيال والاعتقال وهدم البيوت وتجريف المزارع وإقامة الحواجز والتعسف في التعامل مع المواطنين تحت الاحتلال، وعلى نحو تجاوز فيه الصهاينة الممارسات النازية والفاشية فيما ضاعف الفساد المستشري في أجهزة السلطة الشعور بالإحباط وانسداد الأفق، وبرغم ذلك كله لما يزل الشعب العربي في الأرض المحتلة يضرب أروع أمثلة المقاومة والصمود، ويبدي استعدادا غير محدود للعطاء، ولقد بات جليا استحالة اقتلاع هذا الشعب العظيم في صموده من ارض آبائه وأجداده، مهما اشتدت المعاناة وعظمت اغراءات الهجرة إلى كندا واستراليا والولايات المتحدة. كما غدا واضحا استحالة تنفيذ التهجير القسري "الترانسفير" الأمر الذي يضاعف المأزق الصهيوني.

ومن المستجدات ذات التأثير البالغ، تحول الصراع إلى حرب الشعب طويلة الأمد في مواجهة عنصرية منفلتة من كل عقال، وبروز مقاومة عربية مشروعة في مواجهة احتلال غير مشروع. الأمر الذي كان من ابرز نتائجه بداية تحول الرأي العام في المجتمعات الأوروبية والأمريكية باتجاه إدانة الاحتلال والممارسات العنصرية، والقبول المتنامي بالفعل المقاوم، وذلك على الرغم من كل الضجيج الإعلامي ضد العمليات الاستشهادية، وفي المظاهرات التي اجتاحت معظم عواصم المدن الأوروبية يوم 27 سبتمبر/أيلول الماضي معلنة تأييدها غير المحدود للشعبين العراقي والفلسطيني، مؤشر واضح على بداية التقدم على الطريق الطويل لانكشاف الطبيعة العنصرية والدور الاستعماري لـ "اسرائيل".

ولقد شهد التجمع الاستيطاني الصهيوني تحولات بنيوية خلال سنوات ما بعد "حرب الأيام الستة" إذ لم يعد (الاشكناز) هم الأكثرية، ولا المتفردين بصناعة القرار وبالتبعية افتقد حزب العمل وحلفاؤه أدعياء "اليسار" دورهم الريادي، فيما احتلت مواقع مؤثرة على مختلف الصعد القوى والعناصر الأكثر ايمانا بأساطير التوراة وتبنيا لخرافات المعبد اليهودي، والتي تضم عناصر نافذة ذات خلفية شرقية (سفرديم) وكان طبيعيا أن يصاحب صعود (الليكود) وتراجع الأهمية النسبية للعلمانيين سقوط كل الأقنعة التي كانت تستر الوجه العنصري الرجعي للمشروع الصهيوني، وانكشاف زيف الادعاءات التقدمية، وافتضاح البعد اللاإنساني للفكر والعمل الصهيوني.

وفي ضوء تجارب قرن من الصراع، ومعطيات الواقع المعاش، يمكن القول ان إرهاب الدولة الصهيوني مؤكد تصاعده، بحكم المستجدات والمتغيرات السابق بيانها. ولسوف تتضاعف معاناة الصامدين في الأرض العربية المحتلة، غير أن الثابت في كل زمان ومكان ان عنف المحتل كان دائما مولداً عنفوانا مقاوما. ولقد كان من أبرز نتائج الممارسات العنصرية الصهيونية صقل إرادة المقاومة في الأرض المحتلة، والشيء المؤكد ان تعاظم العنف الصهيوني سيؤدي إلى نقلة نوعية في العمل المقاوم.

ولا تبدو هناك مؤشرات احتمال حدوث تطور ايجابي في المواقف العربية، خاصة الرسمية، باتجاه التكامل القومي والتوجه إلى توظيف الإمكانات والقدرات المتوفرة والمتاحة التوظيف الذي يؤهل العمق العربي لأن يكون فاعلا ومؤثراً وكابحا للتصعيد الصهيوني الذي تلوح في الأفق نذره، والمؤشرات عديدة التي يستدل منها على محدودية التأثير الأوروبي، وموقف ممثل الاتحاد الأوروبي في "اللجنة الرباعية" واضح الدلالة. أما "الراعي" الأمريكي فليس هناك ما يضطره إلى إعادة النظر في موقفه المنحاز للصهاينة، وتوقع ذلك ليس إلا أمنية رغائبية، فالمناخ العربي والدولي هو النقيض تماما لذلك الذي حمل الرئيس ايزنهاور على أمر بن غوريون بالانسحاب من سيناء دون أي مقابل في أعقاب (حرب السويس) سنة 1956.

ويعلمنا التاريخ انه في كل معارك التحرر الوطني تشهد الساحة انقساما فيما بين قوى المقاومة وقوى المساومة، وغالبا، إن لم يكن دائما، لم يكن الخلل الاستراتيجي لمصلحة المستعمرين هو الخطر الأكبر على الحراك الوطني المقاوم، وإنما هو تهافت وابتذال أدعياء الواقعية واستعدادهم لقبول تسويات مجهضة لنضالات شعبهم، تحت الشعار المضلل "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" والمؤشرات كثيرة على ان غاية التصعيد الصهيوني وتكثيف الضغوط الأمريكية والأوروبية وبعض الرسمية العربية، انتزاع المزيد من تنازلات السلطة الفلسطينية، وصولا إلى إضفاء المشروعية على واقع استعماري فاقد مشروعيته، وعلى أمل وضع النهاية الحاسمة للصراع التاريخي بإرادة فلسطينية مؤيدة عربيا.

وهذا هو التحدي الذي يواجهه الشعب العربي في فلسطين وعلى مدى الوطن العربي خلال العقد المقبل.