كفانا.. وكفاكم .. بكاءً ونحيباً!

ابراهيم بيتموني/كاتب من سوريا

يقال في السياسة.. إن صديق اليوم قد ينقلب إلى عدو في الغد، وأن عدو الأمس قد يتحول اليوم إلى صديق، وهذا يعني وبوضوح أن العلاقات السياسية الدولية مبنية على أساس المصالح المتبادلة وكما هو الحال حتى بين الأصدقاء، وفي حال تضارب هذه المصالح تختلف العلاقات وينقلب الصديق إلى عدو والعدو إلي صديق.

وهذه القاعدة اعتبرت ركيزة في العلاقات الدولية منذ الأزل، ولازالت هي الأساس حتى الآن في التعامل بدءاً من الأفراد وانتهاءً بالدول، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وللتذكير نقول.. أن الحرب العالمية الثانية نشبت بين الدول الأوروبية، وقد أتت تلك الحرب على الأخضر واليابس ودمرت البنى التحتية والفوقية الأوروبية، ولكنها لم تدمر الإنسان الأوروبي بدليل أنهم.. أي الأوروبيون استطاعوا إعادة بناء أوروبا خلال أقل من ربع قرن على نهاية الحرب العالمية الثانية.

ورغم شراسة تلك الحرب الضروس والأضرار التي ألحقتها بالإنسان الأوروبي، إلا أنها كانت وراء كافة الإنجازات التي حققتها أوروبا، وفي مقدمتها إقامة الاتحاد الأوروبي الذي يسير في خطي مدروسة نحو التكامل فيما بين أعضائه وفي شتي الميادين، رغم محاولات الإدارة الأمريكية عرقلة مسيرة تقدمه ونموه، لأنها لا تستطيع أن تمارس على الأوروبيين أكثر من ذلك!؟

وهذا يعني أن أوروبا استطاعت أن تستفيد من أخطاء الماضي، وتعمل على إصلاحها، وعدم الوقوع في شراكها مرة أخرى، وهكذا تكون القيادات والشعوب التي تستطيع بناء الدول.

وللتذكير أيضاً نقول.. أن الوطن العربي لم يتضرر بسبب الحرب العالمية الثانية، بل على العكس من أوروبا، فقد خرج سالماً غانماً بالحصول علي استقلاله وخروجه من تحت سيطرة الاستعمار الذي أنهكته الحرب العالمية وأصبحت مصالحه تقتضي آنذاك استبدال استعماره بصداقة الشعوب التي كان يستعمرها ليحافظ على علاقته معها من أجل الاستفادة من ثرواتها ولكن بأسلوب آخر أطلق عليه الاستعمار الاقتصادي.

ومقارنة بسيطة بين ما حل بالوطن العربي من تخلف ومصائب وكوارث، وما حققته أوروبا من تقدم ونجاح يكفي لأن يتساءل الإنسان عن الأسباب التي دفعت بالأوربيين إلى تحقيق هذا النجاح، وعن الأسباب التي جعلت العرب يهبطون إلى هذا الدرك من الانحطاط والتفرقة والتخلف.

ومن المسلم به أن الإنسان وحده هو المسؤول عن النجاح والفشل!! وبحكم النتائج التي نعيشها يمكن القول أن القيادات الأوروبية سلكت طريق البناء الصحيح ونهضت بشعوبها، وأما القيادات العربية فقد سلكت الطريق الخاطئ، ومن أهم أخطاء القيادات العربية مفهومها للقيادة، ومسؤولية القائد في بناء شعبه ووطنه.

وهذا ما يهمنا تسليط الأضواء عليه.. لعلهم يستفيدون من أخطاء الماضي ويحاولون معالجتها!!

درجت القيادات العربية ومنذ توليها مسؤولية الحكم على الاستئثار بالسلطة، وتهميش الشعوب وإلغاء دورها لكي تضمن سيطرتها وبقائها في الحكم وهذا الأسلوب من الحكم باعد بين القيادات وشعوبها، مما فرض على القيادات انتهاج سياسة خارجية مهادنة.. إن لم نقل متعاونة مع القوى الخارجية، التي وجدت في مثل هؤلاء الحكام ضالتها المنشودة التي تحقق لها مصالحها في المنطقة العربية.

ولهذا لم تعد تتمكن تلك القيادات من مجابهة القوى الخارجية التي تجاوزت كافة الحدود في اعتداءاتها على الحقوق العربية، الأمر الذي فرض عليها أيضاً مجابهة الاعتداءات بأسلوب التنصل من المسؤولية ووضعها على عاتق أعداء الأمة، ولهذا كان الخطاب الإعلامي ثابتا لم يتغير منذ بدء الصراع العربي الصهيوني وحتى الآن.

وهنا تكمن مشكلة القيادات العربية التي تريد أن تضع مسؤولية تقصيرها علي عاتق الصهيونية التي فعلت بنا كذا.. وكذا.. وكذا..

وعلى عاتق الإدارة الأمريكية التي تخلت عن مصداقيتها وصداقتها مع العرب، رغم كل ما قدموا لها ووجهت كل اهتماماتها إلى دعم الصهيونية وحمايتها وضمان أمنها ورعايتها وتغطية أخطائها واستعمال حق الفيتو في كل شاردة لتمنع إدانتها في مجلس الأمن.

وأيضاً لم تنج الدول الأوروبية من نقد القيادات العربية وعتابها، بسبب مواقفها المتأرجحة بين إرضاء الجانب العربي أو إرضاء الجانب الصهيوني، وتتعامل في مسألة الصراع العربي الصهيوني على أساس سياسة التوازن لا على أساس سياسة وضع الحق في نصابه.

وكذلك هيئة الأمم ومؤسساتها ومجلس الأمن مسؤولون بنظر قياداتنا عن هزائمنا، بسبب عدم وقوفهم إلى جانب الحق العربي وخضوعهم لسيطرة وابتزاز الإدارة الأمريكية.

هذه المنهجية في الخطاب الإعلامي العربي الرسمي لم تتغير ولم تتبدل ولا زالت تصر على أن الصهيونية اغتصبت الحقوق العربية بمساندة ودعم الإدارة الأمريكية وتأييد أوروبي.

ولهذا فقد سئم الشعب العربي تصريحات المسؤولين العرب، وأسلوب ردهم وردعهم لكل ما يحدث على أرض العرب.. وأصبح يناشد ضمائرهم ويقول.. كفاكم بكاءً ونحيباً وتقديم شكاوى إلى هيئة الأمم ومجلس الأمة، وكفاكم صمتاً وحراكاً مريباً، وكفاكم أيضاً تحميل الأعداء مسؤولية قتلنا وإفقارنا وتشريدنا، لأن كل ما يحدث ليس من حقكم ولا من حق شعوبكم أن تتوجه معكم إلى إدانته فقط وتحميل الأعداء مسؤوليته، لأنهم يبحثون هم عن مصالحهم، ومن يبحث عن مصالحه بغير وجه حق لا يمكن أن تطالبه باتخاذ مواقف أكثر إنسانية!! وعندما نحاول أن نسلك مثل هذا الطريق فإنه يدل على ضعفنا وتخاذلنا وتسليمنا بالأمر الواقع، ومثلنا لا يستحق الاستجابة لطلبه بل يرد عليه بمزيد من العنجهية والتكبر والضغط!!

والذي أريد الإشارة إليه أصبح واضحاً.. إذ ليس من حق المظلوم أن ينقد الظالم على ظلمه، بل من واجب المظلوم أن يدافع عن حقه، وهنا فقط تنحصر مسؤولية القيادات العربية التي تتحمل مسؤولية وضع مشروع نهضوي عربي يستطيع مقاومة هذه الهجمة على الأمة العربية، وإذا كانت عاجزة وغير قادرة وظروفها وارتباطاتها لا تسمح بذلك فيجب عليها على الأقل أن تسمح وبشكل جدي إفساح المجال أمام شعوبها لكي تتلاقى وتتعاون على إقامة مشروع نهضوي عربي يدافع عن حقوق الأمة..

ولعلكم أيها القادة تتعقلون وتحجزون لكم مكاناً في هذا المشروع النهضوي العربي الذي لا بد وأنه قادم بإذن الله!!

وكفانا وكفاكم بكاءً ونحيباً وتعليق آمال خائبة على أن الإدارة الأمريكية ستقف في يوم من الأيام إلى جانب الحق العربي، أو إلى جانب العدالة والديمقراطية في أي منطقة في هذا العالم!!