إلام الخلف بينكم!

محمد ناجي عمايره
mohamayreh@hotmail.com

ذات يوم من عشرينيات القرن الماضي صرخ أمير الشعراء في أبناء أمته صرخته المدوية:
إلام الخلف بينكم إلاما؟!
وهذي الضجة الكبرى علاما؟!
وظلت الصرخة تدوي في أعماق النفوس وتستنهض اللهمم وتستثير العزائم باتجاه نبذ الخلافات، والتخلي عن الفرقة والانقسامات، وتوحيد الصفوف.. ولا تزال!
وعلى مر الأيام ظلت الصرخة خالدة، وها نحن نستعيدها اليوم، مثلما نستعيدها دائما كلما اشتدت الخلافات بين أبناء الأمة، وتنازعتها الفتن والأهواء.. ولسان حالنا يقول بلسان شوقي أيضا من القصيدة نفسها:
وكيف يكيد بعضكم لبعض
وتبدون العداوة والخصاما؟!
على أننا أحوج ما نكون اليوم إلى مثل هذه الصرخة وذلك الاستنكار لما يجري في الصف العربي، وفي الصفوف الوطنية لكل قطر من الأقطار، في وقت تشتد فيه التحديات وتتعاظم المصاعب، والشدائد، والملمات، وتواجه الامة مصيرها بأضعف الأسلحة، وصفوفها ممزقة، وشملها شتيت، وفرقتها ظاهرة، وانقساماتها بارزة للعيان.
وها نحن ننظر إلى الوضع الفلسطيني، فنراه اكثر ما يكون انقساما واشد ما يكون اختلافا في الرأي، وخلافا حول مجمل قضايا الصراع وإذا كان خلاف الرأي أمرا طبيعيا ومطلوبا، فان الاختلاف والانقسام أمران مرفوضان ومضران، ولا يجوز لهما ان يستمرا! فلماذا يختلف الفلسطينيون على تشكيل الحكومة، أو وقف الانتفاضة أو مواجهة المقاومة، وكيف تكون السلطة والحكومة الفلسطينية سلاحا ضد شعبها وأداة في يد المحتلين والأعداء وما أكثرهم ؟! ولماذا نعطي الدنية في ديننا، ومن مصيرنا، وفي أرضنا، وفي حقوقنا لنرضي بوش وشارون وإضرابهما؟ وأي حقوق سنحصل عليها إذا كان ثمنها الانقسام والدمار والحرب الأهلية وتدمير الذات؟!
ومثل هذا الكلام ينطبق على الوضع في العراق، فالخلافات بين العراقيين أنفسهم اشد من تلك التي بينهم وبين أعدائهم ومحتليهم فهناك من يرى في مجلس الحكم الانتقالي خلاص العراق وأمنه واستقراره، ولا يجد في المحتلين غرباء أو أعداء بل أصدقاء ومحررين !! وهناك من ينظر إلى ذلك كله بأنه نتيجة حتمية من نتائج الاحتلال البغيض وبعض وجوه التآمر على العراق ووحدته وسيادته وحرية أبنائه وهناك من يرفض مقاومة المحتلين لأن بعض أنصار النظام السابق يفعلون ذلك! فهل نحب المحتلين والغزاة نكاية بالنظام السابق وأعوانه!
ولماذا يفعل هؤلاء الناس بأنفسهم كل ذلك؟ وهل هناك ما يسوغ التعاون مع المحتلين او مصالحتهم على حساب الوطن والأرض والشعب والحرية الحقيقية؟
ولماذا ننقل خلافاتنا الداخلية إلى السطح، ولا نميز بين الخلاف الوطني، والتعامل مع المحتلين والأعداء ومهادنتهم ومسالمتهم؟!
وإذا كنا ننظر إلى الأمة من منظور قومي واحد، فإننا نلاحظ ان مثل هذا الانقسام أمر واقع، في غير بلد عربي، ولعلنا نقرأ تجربة الجزائر، وضحايا الخلافات الداخلية والأعمال الإرهابية التي تقترف باسم الدين ! كما أننا لا نعدم ان نجد خلافات في الرأي، وانقسامات في هذا البلد او ذلك إلا ان مثل لبنان والحرب الأهلية فيه، وهي في الأصل حرب ذات أسباب خارجية وعوامل داخلية وخارجية معا، هذا المثل لا يزال ماثلا في الأذهان.
ومن هنا تجدر الإشارة إلى أهمية تجاوز الخلافات البينية العربية، والداخلية، في كل قطر، وتعزيز الوحدة، الوطنية والتضامن القومي، وبغير ذلك لا يستطيع أحد ان يزعم ان الأمة (وهي مجموع الدول والكيانات السياسية القائمة) يمكن لها ان تواجه أعداءها وتنتصر في معركتها، وتحرر أراضيها وتستعيد حقوقها، ومن ضمنها حقوق الإنسان العربي وحرياته وكرامته.
إن الفلسطينيين والعراقيين مطالبون بالعمل على توحيد الصف الوطني، ونبذ الخلافات، وتجاوز حالة الانقسام والتشرذم في مواجهة العدو، وهم أيضا، كما باقي أبناء الأمة وحكوماتها وأنظمتها السياسية مدعوون إلى رص الصفوف، وبذل غاية الجهد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن طغى السيل حتى غاصت الركب!
نداء شوقي وصرخته يتكرران فهل هناك من يسمع ويلبي ويستجيب ؟! حتى لا نقول: لا حياة لمن تنادي!!