المثقف
ودوره في المجتمع
د.
محمد عبد العزيز ربيع/أستاذ الاقتصاد السياسي
الدولي - جامعة الأخوين –
المغرب
المثقف
هو ذلك الشخص الذي يملك قدرا من المعرفة تمكنه
من قراءة أوضاع المجتمع وتحليلها وتحديد
أبعادها في ضوء تطورات وأحداث الماضي
واتجاهات وتوقعات المستقبل، انه ذلك الشخص
الذي يعي الواقع ويعمل على تغييره إلى
الأحسن، من خلال الدعوة إلى إصلاح العيوب
والدفع في اتجاه بناء مجتمع افضل يستجيب
لنداء الفقير والضعيف وينصف المقهور
والمظلوم.
ان ظاهرة المثقف الملتزم هي ظاهرة مجتمعية
حديثة تبلورت مع تبلور الدولة القومية أو
الوطنية وترسخت كموقف أخلاقي بعد شيوع الفقر
والاستغلال الذي صاحب بدايات الثورة
الصناعية في دول أوروبا الغربية، لقد قام
المثقفون حينئذ بالدفاع عن الفقراء، وتبني
قضايا الضعفاء والمحرومين، والمطالبة بإنصاف
المظلومين، والدعوة إلى عدالة اجتماعية تعيد
توزيع الثروة بين الطبقات المختلفة. ولم تمض
عقود على تبلور المجتمع الصناعي حتى سارت
الأمور في الاتجاهات التي دعا إليها
المثقفون، مما أدى إلى تبلور مجتمع اكثر حرية
وإنصافا وعدلا، واكسب المثقفين مكانة
اجتماعية مرموقة بقوة أخلاقية لم يكن بإمكان
السياسة إهمالها أو التغاضي عنها فيما بعد.
ان من القضايا التي ساعدت المثقف على النجاح،
ان مجتمعات ذلك العصر كانت صغيرة بوجه عام،
مما جعل مشاكل الفقر والاستغلال والظلم ظاهرة
للعيان، وأن الأخلاقيات والمبادىء النابعة
من العقائد الدينية كانت قوية، ومن ناحية
أخرى، لم تكن الدولة في حينه تملك القدرة
والإمكانيات التي تملكها الدولة الحديثة
لإحكام سيطرتها على الشعب، وكبت أصوات
المعارضة وإخفاء جرائمها. وفي الواقع، رغم ان
حكام وملوك القرنين السابع عشر والثامن عشر
ادعوا بأنهم كانوا حكاما مطلقين، ورغبوا ان
يكونوا كذلك، فإن إمكانياتهم وأجهزتهم
المتواضعة حرمتهم من ممارسة الحكم بشكله
المطلق والبطش بحدوده القصوى.
ان مساعدة الفقراء والضعفاء خلال الفترة
الانتقالية التي سبقت قيام الثورة الصناعية
ومهدت لها كانت عملا مفيدا للأغنياء من
الناحية النفسية، إذ ان عمق الايمان الديني
في حينه جعل أولئك الأغنياء يشعرون بأن
أعمالهم الخيرية تقربهم إلى الله وتكفر لهم
عن ذنوبهم. كما ان مساعدة الفقراء
والمستضعفين في أوائل العصر الصناعي، وربما
حتى منتصف القرن العشرين، كانت مفيدة
للأغنياء أيضا ولكن ليس من الناحية النفسية
بل من الناحية الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية إلى حد ما. إذ حاول الأغنياء من
خلال أعمالهم الخيرية ان يقولوا بالفعل وليس
بالكلمة انهم ملتزمون اجتماعيا وكرماء ولا
يمارسون الاستغلال ومتميزون عن غيرهم من عامة
الناس، ولان النزعة القومية كانت هي المسيطرة
في حينه خاصة بعد قيام الدولة القومية وفصل
الدين عن الدولة، فإن الأغنياء بمواقفهم تلك
كسبوا الكثير من الشعبية والاحترام، وهذه
ساعدتهم بدورها على تحقيق المزيد من أهدافهم
السياسية والاقتصادية.
اليوم، وفي عصر المعرفة الآخذ في التكون
بسرعة، نلاحظ تراجع كل الأيديولوجيات
الدينية والقومية والثقافة - الاجتماعية،
وذلك إلى جانب تراجع المسؤولية الاجتماعية.
ان السعي الدائب لتحقيق المزيد من الربح
وتكديس الثروات من ناحية، ونمو المجتمعات
عامة بشكل كبير ومعها أعداد الفقراء
والمستضعفين من ناحية ثانية، جعل مساعدة
الغني للفقير لا تعني الشيء الكثير، ان ضعف
ايمان الثري بالدين جعله يشعر بعدم الحاجة
للتكفير عن ذنوبه، وان تراجع التزامه
بالقومية والدولة جعله يشعر بعدم الحاجة إلى
شعبية، وان كبر الاقتصاد وتعدد فرص التعليم
والعمل جعله يميل إلى الاعتقاد بان الفقراء
هم المسؤولون عن فقرهم. وفي المقابل، اصبح
الحصول على المزيد من الأموال، وتكديس
الثروات، والاستحواذ على قوة اقتصادية اكبر
هي الوسيلة الأهم والأكفأ لتحقيق الأهداف
الذاتية. فالشعبية يمكن الحصول عليها من خلال
الإعلان عبر وسائل الإعلام المختلفة،
والنفوذ السياسي والمصلحة الاقتصادية يمكن
الحصول عليها من خلال شراء السياسيين
والمشرعين وإغرائهم على بيع ضمائرهم.
وحيث ان بالإمكان عزل الفقراء، وانه قد تم
بالفعل عزلهم في أماكن تتصف بالفقر وسوء
الخدمات وشيوع الجريمة فقد اصبح بالإمكان
إهمالهم وحتى نسيانهم. وهذا جعل بالإمكان، بل
من الطبيعي، ان يعيش الفقراء والأغنياء في
أماكن متباعدة عن بعضها البعض، كل في شبه عزلة
عن الآخر، لا يتواصل معه ولا يحس بمشاكله. في
الماضي شبه البعيد كان المجتمع يعتني
بالفقراء المحتاجين ويساعدهم بقدر الإمكان
ويتغاضى عنهم عندما لا يملك إمكانيات تقديم
العون. اليوم اصبح المجتمع الغربي خاصة
والمجتمعات الأخرى عامة تهمل الفقراء
والمحتاجين بينما إمكانياتها على تقديم
العون كبيرة ومتزايدة. فقراء اليوم، وفي كل
مكان تقريبا، لا يحصلون على الاهتمام المطلوب
ولا على العطف الذي هم في أمس الحاجة إليه.
ان التطورات التي عاشها العالم منذ منتصف
القرن العشرين والتي تتصف بتراجع
الأيديولوجيات، خاصة القومية منها، وتبلور
الفردية، واتساع فجوة الدخل بين الفقراء
والأغنياء في كل مكان، واتساع نطاق العولمة
أدت إلى خلق هوة عميقة بين المثقفين والعامة
من ناحية، وهوة اعمق بينهم وبين الفقراء من
ناحية أخرى. وفي الواقع، كانت الفجوة
الاجتماعية، أي فجوة الدخل الاقتصادية، تعكس
وباستمرار فجوة ثقافية. فكلما اتسعت فجوة
الدخل تعمقت فجوة الثقافة، وكلما تعمقت
الفجوة الثقافية بين الفئات والجماعات
المختلفة اتسعت فجوة الدخل والثروة والنفوذ.
وهذا أدى بدوره إلى عودة المثقفين وذلك فيما
عدا قلة قليلة، إلى جذورها الطبقية المنتمية
إما إلى الطبقة الوسطى أو إلى الطبقة العليا،
وبالتالي تراجع اهتمام والتزام المثقفين
بالفقراء والمستضعفين. إلى جانب ذلك، أدت
الفجوة الثقافية التي تتزايد عمقا يوما بعد
يوم إلى تطوير لغة خاصة بالمثقفين لا تفهمها
العامة، وتطوير لغة للفقراء والمستضعفين لا
تستسيغها الفئات المثقفة. وهذا جعل الفقراء
والمستضعفين لا يفهمون لغة المثقفين ويشكون
في إخلاصهم عندما يتبنون قضايا الفقر والظلم
والاستغلال والبيئة، وجعل المثقفين في
المقابل غير قادرين على فهم لغة الفقراء
والمستضعفين ويشكون في عقلانيتهم. وبذلك فقد
الفقراء والمستضعفين سندهم الأهم وقيادتهم
التاريخية التي تحملت مسؤولية الدفاع عنهم،
وفقد المثقفون القضية الأساسية التي مكنتهم
من الاستحواذ على قوة أخلاقية ومكانة
اجتماعية ومجتمعية. ولقد ترتب على هذا في
الدول النامية عامة والدول العربية خاصة ان
أصبحت غالبية المثقفين تنقسم إلى مثقفي المال
ومثقفي السلطة، تعيش الفئة الأولى على فتات
الأثرياء وتفلسف لهم مواقف الجشع
والاستغلال، وتعيش الثانية على فتات السلطة
وتفلسف لها أساليب الكبت وسياسات القمع.
ينقسم المثقفون العرب عامة إلى قسمين رئيسيين
هما: مثقفون تقليديون ومثقفون غير تقليديين.
القسم الأول من المثقفين يضم غالبية
المتعلمين ومدعي الثقافة ممن درسوا في البلاد
العربية ولم تسنح لهم الفرصة لاكتساب تجربة
حياتية مختلفة نوعيا بالعيش في الغرب
والتفاعل الواعي مع ثقافته والاطلاع على
حضارة العصر هناك، وذلك إلى جانب غالبية
المتعلمين الذين درسوا في دول الغرب الصناعية
وحرموا أنفسهم من فرصة اكتساب تجربة حياتية
مختلفة نوعيا عن تجربتهم العربية، وذلك
بالتفاعل الواعي مع ثقافة الغرب والغوص في
جوهر حضارة العصر كما تجسدها حياة المجتمعات
الصناعية المتقدمة عامة والمجتمعات المعرفية
خاصة. أما القسم الثاني من المثقفين العرب، أي
المثقفين غير التقليديين، فيضم القلة
القليلة جدا من المتعلمين الذين درسوا في
البلاد العربية وفي بلاد الغرب الصناعية
وقاموا باستغلال كل الفرص المتاحة لزيادة
معارفهم وإثراء تجاربهم الحياتية ومتابعة
التطورات العالمية، خاصة الفكرية والسياسية
والاقتصادية منها، والتفاعل الواعي والبناء
مع الثقافات المتنوعة، القديم والجديد
والآخذ في التكون منها.
يتضح من هذا التصنيف أننا لا نعتبر كل من درس
في البلاد العربية مثقفا تقليديا، وان كل من
درس في الغرب هو مثقف غير تقليدي، فمكان
الدراسة وبيئتها الثقافية، وان كانت ذات
تأثير كبير على حياة المثقف وفكره، لا تعكس
بالضرورة قناعاته ولا مواقفه ولا طريقة
تفكيره. وفي الواقع، نعتقد ان الغالبية
العظمى (من المثقفين) العرب هم أدعياء
الثقافة، وان غالبية من يطلق عليهم اليوم (مفكرين)
عرب هم متهمون بممارسة نشاط خطير ومحذور هم
أبرياء منه، وان تحملوا تبعاته حبا في الشهرة
ورغبة في خدمة السلطة السياسية أو الدينية أو
التقليدية المحافظة التي أعطت نفسها مسؤولية
الحفاظ على الثقافة القومية والدفاع عن
التراث وتركته الحضارية.
أما المثقفون غير التقليديين فلا اعتقد ان
نسبتهم تتجاوز 1% ممن درسوا في البلاد العربية
و2% ممن درسوا في دول الغرب الصناعية، وان
المفكرين الحقيقيين بين هؤلاء قد لا تتجاوز
نسبتهم 5% من المثقفين غير التقليديين.
ان الغالبية العظمى من المثقفين التقليديين
العرب خاصة ممن درس منهم في البلاد العربية
يملكون وذلك بحكم تواجدهم واهتماماتهم
وتجاربهم الحياتية. القدرة على إجادة اللغة
العربية والمقدرة على التواصل مع الجماهير،
خاصة المتعلمين منهم، أما الغالبية العظمى من
المثقفين غير التقليديين، وبسبب أماكن
تواجدهم واهتماماتهم وتجاربهم الحياتية، فلا
يملكون القدرة على إجادة اللغة العربية،
وبالتالي يفتقدون المقدرة على التواصل مع
الجماهير، خاصة الفئات القليلة العلم منها،
ومخاطبتهم باللغة التي يفهمونها ويتجاوبون
معها. ومن ناحية أخرى، تمتلك هذه القلة
القليلة من المثقفين غير التقليديين المعرفة
بالنظريات الحديثة والمقدرة على متابعة وفهم
التطورات العالمية في مجالاتهم الاقتصادية
والعلمية والتكنولوجية والثقافية، وهذا يجعل
تلك القلة، دون غيرها، الأقدر على وعي مشاكل
الواقع العربي ووضع تلك المشاكل في إطارها
التاريخي الماضوي والمستقبلي، وطرح حلول
للتعامل معها، أما المثقفون التقليديون، فإن
محدودية تجاربهم الحياتية ونقص معارفهم
العلمية والنظرية وضعف قدراتهم بحكم اللغة
أحيانا والاهتمام أحيانا أخرى على متابعة
التطورات العالمية في المجالات المختلفة
تجعلهم اقل وعيا بمشاكل المجتمع الحقيقية
واقل قدرة على تحليلها، وتحديدها واقتراح
الحلول للتعامل معها.
ان غالبية الطلبة العرب الذين درسوا ويدرسون
في أمريكا وكندا ودول أوروبا الصناعية عاشوا
هناك دون ان يعيشوا تجربة الغرب الحضارية
ودون ان يتذوقوا حقا طعم ثقافتهم المختلفة
نوعا وكما عن ثقافتهم الأصلية. لقد حملوا معهم
عندما ذهبوا إلى الغرب قيمهم وعاداتهم
وتقاليدهم ومواقفهم القديمة وعاشوا في عزلة
عن الغير وحيث ان الثقافة العربية الإسلامية
تميل إلى رفض الغرب وذلك بسبب تجربتها
القاسية مع الاستعمار الأوروبي والهيمنة
الأمريكية وسياستها المعادية للحقوق العربية
عامة، وفي فلسطين خاصة، فان غالبية الطلبة
العرب، خاصة الفئات المتدينة منهم، اتجهت إلى
رفض الآخر دون محاولة فهمه وإهمال ثقافته
والابتعاد عن طريقة حياته، ومما يساعد هؤلاء
اليوم على العيش خارج المجتمع الذي يكتنفهم
قدرة الانترنيت الذي يوفر افضل وسيلة
للتواصل، واتجاه هؤلاء إلى استخدامه
والاستفادة من إمكانياته لنشر أفكارهم
القديمة وتكريس مواقفهم البالية، وهكذا
استطاع هؤلاء العيش في مواقع ثقافية من
صنعهم، أو بالأحرى في (غيتو) ثقافي لم يشهد له
التاريخ مثيلا من قبل.
ان ما يحصل عليه اغلب الطلبة من علم في الغرب
لا يزيد كثيرا عما تحصل عليه بطارية التلفون
النقال من شحنة كهربائية تزود الجهاز
بالطاقة، لكن علم ذلك الطالب وشحنة ذلك
النقال هي طاقة مؤقتة وقابلة للنفاد بسرعة،
وان عدم تجديدها باستمرار من شأنه ان يجعل
العالم والنقال على حد سواء غير صالحين
للاستعمال وعديمي الفائدة.
وإذا كان المثقف الغربي بوجه عام قد عاد إلى
انتماءاته الطبيعية ولم يعد قادرا على قيادة
الجماهير أو مستعدا للدفاع عن قضايا
المحرومين والمستضعفين، فان المثقف والمفكر
العربي الواعي لم يكن باستطاعته في الماضي،
وليس باستطاعته اليوم القيام بالدور
المجتمعي الذي قام به المثقف الغربي ولمدة
قرنين من الزمن تقريبا، إذ حين ظهر المثقف
العربي ليأخذ دوره في المجتمع وجد نفسه أسير
أيديولوجيات جامدة ومحاصرا بنظم حكم تفتقد
الشرعية وتمارس البطش والإرهاب، وجماهير
تفتقد الوعي بقضاياها المشتركة بسبب انتشار
الأمية واستمرار عمليات غسيل الأدمغة، التي
يمارسها الإعلام الموجه، وهيمنة غوغائية
ثقافية تقليدية محافظة تفتقد العلمية
والأخلاقية والمسؤولية. المثقف العربي
الواعي يعيش اليوم في عزلة وحالة اغتراب وعجز
عن الفعل. العزلة يفرضها النظام السياسي،
والاغتراب تسببه طريقة حياة تحاول تجاوز
الواقع بعاداته وتقاليده ومواقفه، والعجز هو
النتيجة الطبيعية لأساليب العزل وظروف
الاغتراب وفقدان اللغة للتواصل مع الجماهير
العربية.
المثقف العربي التقليدي هو مدعي ثقافة، يتكلم
بالفصحى لكنه يفكر بالعامية، المثقف العربي
غير التقليدي هو عالم يفكر بالفصحى لكنه - مع
الأسف- لا يجيد التكلم حتى بالعامية، الأول
يقود قافلة الأمة العربية اليوم كما كان
الحمار يقود قافلة الجمال في الصحراء، يقودها
بدافع غريزي محض على درب شقه فرسان وقادة
وتجار وعظماء على طريق النبوة، وساهمت
الأمطار والعواصف الترابية وقطاع الطرق في
جعله تراثا، لكنه يبقى طريقا قديما لمكان
معزول وليس أفقا لزمان متحول باستمرار استعاض
عن الجمال بالباخرة والسيارة والطائرة
والصاروخ والكمبيوتر، وهذا يجعل المثقف غير
التقليدي يجد نفسه سائرا خلف المثقف التقليدي
والقلب ينزف منه دما، كما يسير الجمل خلف حمار
في صحراء قاحلة حارقة والعينان منه مليئتان
بالدمع والأسى.