عن المعارك المنسية في حياة العرب

د. عبد العزيز المقالح/كاتب وشاعر وأستاذ جامعي من اليمن

كثيرة هي المعارك التي يخوضها الإنسان العربي في حياته الراهنة، بعضها مفروض بحكم الضرورة والبعض الآخر لا تمليه أية ضرورة ويمكن ان يدرج بسهولة في باب المعارك الثانوية، معارك خاطئة التوقيت، تبدد الجهود وتذهب بالبقية الباقية من التفكير الراشد والسليم للقوي الفاعلة في هذه الأمة. والإشكالية الكبرى أن حضور المعارك الثانوية في الواقع العربي يستأثر بالوقت العربي ويجعل التفكير بالأهم يبدو ثانويا وأحيانا منسيا.

معركة التنمية - علي سبيل المثال - ومواجهة حالات التخلف بما يفرضه هذا الأخير من فقر وضعف يشجعان القوى المعادية علي الاستمرار في زرع بذور الشك والريبة داخل القطر العربي الواحد فضلا عن بثها بين سائر الأقطار العربية ذات الحدود والسدود.. ولا أحد يدري كيف يتسنى لأمة أن تنهض من غيبوبتها الطويلة وأن تواجه مكائد الأعداء الكثيرين وهي لم تقرأ الحروف الأولى من أبجدية التنمية، وأبناؤها غارقون في معارك صغيرة يصل بعضها إلى درجة من التفاهة يصعب تصور ما هو أدنى منها، وتكفي الإشارة إلى الدور المفضوح والقبيح الذي تلعبه بعض القنوات الفضائية العربية في استطلاع آراء البسطاء من الناس حول العراق هل هو عربي أم خارج العروبة(؟؟) وهل فوز مطربة أردنية على مطربة سورية سيقود إلى زيادة حالة الانشقاق بين الأردنيين والسوريين؟؟! وأشباه هذه التفاهات كثيرة في المحيط العربي ولا يجوز إنكارها أو التقليل من خطورتها، ولا من الآثار التي تتركها في تغييب المأساتين الفلسطينية والعراقية.

ان بدء التفكير في دراسة الأوضاع المتدهورة اقتصاديا وعمليا سيؤدي حتما إلى حالة من المشاركة الوجدانية والعملية في مقاومة أشكال النفوذ الأجنبي الزاحف على الوطن العربي بصورة غير مسبوقة، وسيجعل الانطلاق نحو التنمية الشاملة واجبا مقدسا، ولن يستطيع قطر عربي بمفرده ان يضطلع بأية تنمية حقيقية كما لن تستطيع الأمة في غياب التكامل القومي مواجهة هذا الزحف وسط هذا العدوان السافر بالكلام أو الرقص والأغاني. ويرى العقلاء - وهم دائما على حق - إن الكفاح العربي القادم لن يتحقق له النصر ما لم ينطلق في اتجاهين اثنين أحدهما التنمية الشاملة والآخر التصدي للعدوان الذي يأخذ أشكالا عديدة في اقتحامه للوطن العربي أهمها - قبل الضغوط السياسية - السيطرة على الأسواق ومحاصرة كل إنتاج وطني أو عربي مستفيدا من خلو الساحة في انشغال الملايين بالتنافس على القضايا الصغيرة واجترار الخصومات حول الأمور التفاهة وانتظار أن يمن علينا عدونا بالاحتياجات الضرورية وفي مقدمة هذه الاحتياجات الديمقراطية التي لا بد ان تأتينا في ثياب غربية وأميركية على وجه الخصوص، لأن أي شكل من أشكال هذه الديمقراطية لا يحمل الطابع الأميركي ولا يأخذ ألوانها الزاهية فهو مرفوض وغير مقبول من أساتذة التحرير وفلاسفة حقوق الإنسان.

إن الكلام وحده - مهما كان بديعا وصادقا ورصينا - لن يغير من الواقع العربي شيئا، قد يحرض على العمل وقد يضع النقاط علي الحروف - كما يقولون - لكنه يبقى كلاما على الورق وأهميته لن تتجلى إلا حين يتحول إلى أفعال وإلى مواقف في كل الميادين الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وقد أثبتت تجارب الشعوب التي مرت بأوضاع مخزية كالتي يمر بها شعبنا العربي ان العمل هو الوسيلة الأولى إلى الحرية من العبودية وإلى تحقيق افضل مستويات الديمقراطية، وأن العمل قد يكون صناعيا تارة وزراعيا تارة، وأنه الوسيلة الأنجح في التصدي للعدوان، وسنظل نراوح في عبوديتنا وتخلفنا وسيكون في إمكان أضعف أعداء الأمة أن يحقق أخطر الانتصارات على أبنائها ما لم نقرأ أسباب النهوض التي سلكها الآخرون ونتجاوز الفارق الكبير بين عالمنا وعالمهم، بين ركودنا وحركتهم، بين تخبطنا المتواصل في الاختيارات وحسمهم.

تأملات شعرية:

يتناسون أغلالهم

وجراح البلاد التي حملتهم دهوراً

على صدرها

يتناسون أعداءهم

ويخافون ضوء الحقيقهْ.

ما اسمهُ؟

ما اسم هذا الغبار الذي يترامى

على عتبات الجفون

ويسقط في الحدقات العميقهْ؟!