حكومة
الطوارىء الفلسطينية
د.
احمد مجدلاني (رام الله – فلسطين المحتلة)
القرار
المفاجىء الذي اتخذه الرئيس ياسر عرفات
باستخدام صلاحياته الدستورية بإعلان حالة
الطوارىء في البلاد، وتشكيل حكومة طوارىء من
لون سياسي واحد، بدد
كل التوقعات التي راجت في بازار السوق
السياسي بعد ان انخفضت اسهم حكومة الوحدة
الوطنية الموسعة لترتفع اسهم الحكومة
المقلصة او ما سمي بحكومة الدزينة، ورغم ان
مبررات الحكومة المقلصة لم تكن مقنعة للشركاء
المفترضين أو المحتملين كبديل عن حكومة
الوحدة الوطنية ذات القاعدة السياسية
العريضة، فإن القرار الرئاسي بإعلان حالة
الطوارىء وتشكيل حكومة الطوارىء وحسب ما جاء
في المرسوم الرئاسي(لتكريس الوحدة الوطنية
ووقف الفوضى ولتطبيق النظام وحكم القانون)قد
حسم الأمر بعد طول تردد وانتظار.
وبصرف
النظر عن المبررات التي تساق لتبرير هذه
الخطوة غير المسبوقة في النظام السياسي
الفلسطيني، والتي دون أدنى شك اتخذت تحت ضغوط
واعتبارات اعتقد البعض أنها قد توفر الحماية
للكيانية الوطنية الفلسطينية من التهديدات
الخارجية، فإنه تنبغي الإشارة في هذا المجال
ان محاولات تعظيم وتهويل المخاطر القادمة من
شانها ليس الوصول الى هذه الاستنتاجات فحسب
وإنما الانزلاق في مخاطر أخرى طالما حرصت
القيادة والحركة الوطنية الفلسطينية من
الوقوع بها وهي، تثبيت ان المسألة المطروحة
على الاجندة هي القضية الأمنية، وان المدخل
الأمني هو البديل للمدخل السياسي مع "الاسرائيليين"،
وبالتالي لا يمكن فهم أي حكومة طوارىء في بلد
من البلدان سواء في مثل حالتنا أو اقل أو أسوء
إلا في سياق الوظيفة والدور والمهام الأمنية،
لكون التشريعات والقوانين لا تلبي الحاجة
الفعلية لمواجهة التطورات الجارية في البلاد
فيتم اللجوء إلى هذا الخيار، لكن الخشية وهو
مصدر قلق واقعي لدى كافة الوطنيين
والديمقراطيين الفلسطينيين ان يؤدي هذا
المنزلق وتحت وطئة الضغوط الخارجية، وبعد
التسليم بالأولوية الأمنية للحل كبديل عن
الحل السياسي ان ندخل في مسارب الحل الأمني
الذي سيقود إلى وضع قد لا يمكن السيطرة عليه
والى نتائج لا تحمد عقباها .
كما
ان هناك مصدر آخر للقلق المشروع من ان تشكيل
حكومة الطوارىء قد يرفع من سقف التوقعات
المطلوبة منها لدى الأطراف الدولية
والإقليمية المعنية، في حين ان لا الوقع يتيح
إمكانية فعلية لحلول امنية، ولا الفترة
الزمنية المعطاة للحكومة خلال شهر حتى وان
جدد لها وفقا للقانون الأساسي شهر آخر رغم
صعوبة توقع ذلك من قبل المجلس التشريعي، ان
تستطيع فعل الكثير يرضي هذه الأطراف، لذلك
فإن القلق من ان يتحول محظور التوقعات
العالية إلى أداة ضغط جديدة ووفق اجندة هذه
الأطراف، وليس وفقا للاجندة الوطنية بمعالجة
الشأن الداخلي بقدر كبير من الحذر حتى ولو
تطلب عملية جراحية موضعية وصغيرة في بعض
الحالات كما يعتقد البعض.
لذلك
فإن إعلان حالة الطوارىء لا يمكن ان يشكل
الخيار الوحيد لمعالجة الوضع الداخلي
الفلسطيني، خاصة وانه سيعتمد على الخيار
الأمني ويستند على قاعدة ضيقة لا تشكل توافقا
وطنيا عريضا، في الوقت الذي أشارت كافة القوى
في معرض المشاورات التي أجراها الأخ احمد
قريع رئيس الوزراء الفلسطيني المكلف بتقديم
أولوية الحل السياسي ومتابعة الحوار الوطني
كمدخل لمعالجة الوضع الداخلي الأمني
والسياسي والحياتي المتدهور .
ان
استمرار وتصاعد العدوان "الاسرائيلي"
وإجراءاته من تكثيف للاستيطان وبناء جدار
الفصل العنصري ومواصلة سياسية الحصار
والعقاب الجماعي وعمليات القتل والاغتيال
وتدمير البيوت ومصادرة الأراضي يتطلب في هذه
المرحلة تصليب الوضع الداخلي وتعزيز الوحدة
الوطنية وتشكيل حكومة وحدة وطنية بأوسع
ائتلاف وطني وسياسي ممكن، وتحظى بأوسع قاعدة
جماهيرية تمكنها من معالجة التحديات التي
تواجه الشعب الفلسطيني وتصون كيانه الوطني،
وذلك على قاعدة برنامج يحدد الأولويات
السياسية انطلاقا من الالتزام ببرامج منظمة
التحرير الفلسطينية وقرارات مجالسها الوطنية
والمركزية، وكذلك معالجة القضايا الاقتصادية
والاجتماعية وحماية المنجزات والمكتسبات
التي حققها الشعب الفلسطيني بتضحياته الجسام.
اما وقد اصبح خيار حكومة الطوارىء خيار لا
رجعة عنه، فإنه والحال هذه يتعين على رئيس
الوزراء الفلسطيني ان يأخذ بعين الاعتباران
تعزيز الصمود في مواجهة الاحتلال يتم بالحفاظ
على الديمقراطية والتعددية السياسية وحرية
الرأي والتعبير والاجتماع، والى التمسك
بالمكتسبات وبالخيارات الديمقراطية
المتحققة وليس بالارتداد عنها.
كما ان الالتزام بالفترة الدستورية
المحددة لحكومة الطوارىء وعدم اللجوء إلى
تمديدها، من اجل استعادة الحياة السياسية
والديمقراطية وصولا لتشكيل حكومة وحدة وطنية
فاعلة وقوية تستطيع تحمل تبعات المرحلة
وتتصدى لتحدياتها.
7/10/2003