في موعد مع التبشير باختلاف النهضة الثالثة المنتظرة

متى تولد الحقيقة في الخطاب السياسي العربي؟

مطاع صفدي/مفكر عربي يقيم في باريس
منذ أيام تمر ذكريات قومية وإنسانية كبرى دون ان يعبأ بها رأي عام عربي منشغل ربما بفواجعه الحاضرة عن ذلك الماضي الذي ثبت نهج الفاجعة وجعل كل مستقبل يليه مجرد نتائج لمقدماته البائسة. فبين نهايات أيلول/سبتمبر وأوائل تشرين الأول/أكتوبر وقعت خلال عقد الستينات من القرن الماضي كارثتان فاصلتان بين ما قبلهما وما بعدهما، هما موت الوحدة في بدء العقد وموت رمزها الكبير جمال عبد الناصر في نهايته. ولقد ماتت الوحدة كأنها استثناء على قاعدة التاريخ والواقع، بينما كان المأمول منها ان تغدو هي قاعدة التاريخ العربي المعاصر وقانون واقعه النهضوي. وبعد سنوات قليلة اختفى الزعيم الذي كان اعظم إنجاز حياته هو تلك الوحدة وعقيدتها الجماهيرية المتأصلة. اما تشرين فقد اشتهر قوميا بتلك الحرب الأولى وربما الأخيرة التي يبدو أنها جاءت نتيجة قرار عربي ضد الدولة الصهيونية. وقد اختلط شبه النصر أو وهمه بما هو افدح من أية هزيمة عسكرية في تلك الحرب التي آلت إلى اخطر هزيمة استراتيجية أصابت الصميم من مكونات القوة والحد الأدنى من التوازن للقطب العربي في جدلية (الصراع العربي الاسرائيلي)، وذلك في تحييد مصر عسكريا على الأقل من جدلية الصراع مع اتفاقية (كمب ديفيد)، وكان تحييداً مؤثرا إلى درجة القول ان "اسرائيل" قد ولدت ولادتها الثانية معها، إذ منحتها الاستقرار والتفوق المضطرد على مجموع القوى العربية المتبقية فيما دعي بالجبهة الشرقية، وهي التي أكملت أمريكا أخيرا الإجهاز عليها بحذف قوة العراق إلى اجل غير مسمى من صلب تلك الجبهة، مع احتلاله واستعماره الراهن.
قد يحتاج فهم الحاضر إلى مثل هذه العودة نحو الماضي ومنعطفاته الحاسمة. فالناس قد ينسون اما التاريخ فلا يتغافل أبدا عن متابعة مسلسلاته، سواء على خط النصر أو خط الهزيمة، وإن كان الثاني هو الافعل خاصة في قصة النهضة العربية الثانية ومحنتها المستديمة مع وقائعها العسكرية الكارثية. وإذا كان يجري من حين إلى آخر التذكير بها، فالنبش على أسرارها أو (المؤامرات) والخيانات التي واكبتها، يغدو لدى القاريء العادي أهم أحيانا من محاولة تفسيرها وإعادة قراءتها على ضوء ما أتى بعدها واستخلاص دروسها الموضوعية. كالعادة في الخطاب العربي عامة: ألا يقرأ الواقع بلغته الذاتية، بل يفرض عليه التناص الشخصي والرؤية الفردية او الفئوية. ذلك انه لم يسمح للخطاب العربي ان تنمو فيه تقاليد الحقيقة والبحث عنها بوسائل من نوعها، أي بالفهم والتحليل والتركيب المنطقيين، غير انه وإن لم يكتب تاريخ علمي لأي من أحداثنا الكبرى القريبة والمعاصرة فانه يتبقى للشاهد على الأقل، ومعه للمعاني والمنخرط في تيار الحدث، ان يقدم رؤيته الكلية للوحة الشاملة دون اهمال للوقائع المفردة او الجزئية، وشرط ان يحاذر اطلاق الاحكام العامة المتسرعة. كل هذا الشرط لا يزال تحقيقه هو الأصعب، لانتا مغرمون أكثرنا إن لم يكن جميعنا، بالتعميمات المتعجلة سلبا أو إيجابا سواء بالرفض النزق لما لا يعجبنا أو بالقبول الطفولي لما يستهوينا، أو يرضي تمنياتنا وغرورنا الغريزي، والخلاصة ليس لنا بعد حياة سياسية توصف بالموضوعية، وما دمنا مفتقرين إلى ثقافة التوثيق فليس لنا إلا المشافهة والسرد العفوي، في الملفوظ أو المكتوب، واعتماد تلك الشهادات الشخصية التي صار لها أخيرا سوق رائج في إعلامنا المرئي. هل تقول إننا لا زلنا نعيش مرحلتنا الجاهلية البدوية السابقة على عصر التدوين الحضاري، وأننا قبل ان نصل إلى تدويننا الحديث، ها هو الإعلام بما يحمل من فنون الإثارة الآتية، يلتقط المبادرة، وقد يقطع الطريق على نشأة التسجيل التاريخي الموثق لعصرنا وأحداثه الجسام.
نحن، لم نفقد المبادرة في هذا المجال العلمي فحسب، بل أصبحنا مرضى بداء الفقدان ككل مبادرة في مختلف شؤوننا العامة، ويبدأ من أحوالنا السياسية الشاملة ووصولا أخيرا إلى تحييد إرادتنا، أنظمة وشعوبا، في اخطر شأن لنا يخص أمننا القومي، إذ بتنا جميعا مجرد بنود في اجندة الغزو الاستعماري المستحدث، فما كان في ماضينا القريب يعد بمثابة الهول الأعظم كسقوط الوحدة، ووفاة عبد الناصر، وإحباط حربنا اليتيمة ضد "اسرائيل" المسماة (حرب تحريك وليست حرب تحرير)، قبل ثلاثين عاما، وما تلاها بعد اقل من عقد من غزو لبنان ودخول شارون إلى عاصمته 1982 هذا المسلسل من أهوال الأمس بلغ ذروته النوعية، مع تسلم أمريكا، أقوى دولة في العالم لمبادرة العدوان المباشر على صميم الكينونة الوطنية والعربية، فهل نسارع بالحكم المعمم التقليدي لنصف الحالة الراهنة بخاتمة الهزائم، أو أم الهزائم أو أنها تجسد المحصلة التركيبية الأخيرة لمصطلح النهضة العربية الثانية، ولما كانت تنطوي عليه وفي بذرتها الأولى ربما من خطأ الانطلاق وضياع التصويب، أي ان ولادتها كانت إجهاضا مبكرا. وطفولتها كانت هرما وشيخوخة ارتدادية. وأن مواسمها الموعودة والمتتابعة ما بين الولادة المجهضة والهرم المبكر، كانت مواسم للزوان والعناكب ولم تكن مرة لأزهار ربيع، وثمار صيف حقيقيتين.
ربما ساعدتنا هذه الاستعارات في اختصار الرموز الأصلية لقصة النهضة الثانية بين سطوعها اللماح وانحلالها المتنامي المتدافع، لكنها لا تدون تاريخا ولا تنشيء علما لذلك الماضي المغدور من أعدائه، كما في أوليائه أنفسهم. والأمة لا تعرف كيف ومتى تدون تاريخها المعاش المعاصر، لن تفوز بمستقبل متغير مختلف عن مآسيها التقليدية. إذ ان الشرور تكرر نفسها في كل مرة جديدة، بأضعاف ما كانت عليه في المرة السابقة، إن لم يتداركها الوعي ويكافح أسبابها الماضية قبل ان تعاود تكرار نتائجها وبما هو أشد تدميرا وتأثيرا فاصلا. فأمريكا التي أقامت رأس جسر إلى عمق الوطن العربي لن يسهل التخلص من نصرها المشؤوم ذاك، حتى ولو رفضته الأمم المتحدة، وقاومته اكبر محاور الرفض فيها بزعامة فرنسا وأوروبا. وأما السياسة العربية الرسمية فهي ليست في وارد أدنى مواجهة أو اعتراض ضد الاحتلال الأمريكي الذي لا يريد ان يحدد اجندة أو موعدا ما لجلائه يوما ما عن العراق، والمعركة الراهنة في مجلس الأمن بين معسكر الرفض الدولي وأمريكا حول حقيقة هذه الاجندة قد لا تنتهي إلى غير نتيجة التي آلت إليها معركة رفض قرار الحرب وحرمانه من شرعية الأمم المتحدة. لكن في هذه المرة سوف يخسر الاحتلال قوة الدعم الدولية التي يحتاجها لاستمراره. فهذا الدعم بالجند والمال خاصة ثم بالتغطية السياسية، يتوقف عليه مخطط الغزو وأهدافه ومستقبله. وسوف يظل الدعم ممتنعا ما دام الاحتلال عاجزا عن حماية ذاته تحت ضغط المقاومة المسلحة من ناحية، والممانعة المدنية من قبل رموز المجتمع العراقي الحقيقية، من ناحية أخرى. هذه الجدلية إذن المتآخذة ما بين فشل الاحتلال على الأرض، والموقف الدولي المناهض لشرعيته، والرافض لتوريط جيوشه وهدر أمواله، هي الحقيقة الجديدة المتنامية والكفيلة وحدها بتحويل قصة الاحتلال إلى مسلسل من الافخاخ لمشاريعه وأصحابه.
وهذا التحول جار اليوم على كل الأصعدة بعد ان اصبح مصير العراق هما عالميا، ويتوقف عليه مستقبل الاستراتيجية الحضارية لإنسانية اليوم والغد. وليس في هذا أي تضخيم أو مبالغة مغالية، فالحدث العراقي الأمريكي أمسى مركزيا بالنسبة للسياسة الدولية كما هو الموضوع المفضل لمداولات الثقافة والإعلام معا، وفي أهم عواصم القرار والرأي، ويكفي انه غدا مفترقا انطولوجيا لأول وأعمق انقسام، ربما شبه جذري يقع في صميم الشخصية المفهومية للغرب بما هو اعظم مرجعية نموذجية تعتمدها مدنية الإنسانية المعاصرة طوعا أو قسرا وإلى حين غير معلوم.
وأما السياسة العربية فهي مشغولة بمطاردة الهم الإرهابي الأصولي عن مواجهة الإرهاب الأمريكي والبحث عن طرق جديدة ناجعة في التعامل مع اكراهاته اليومية المنصبة على أقطاب النظام العربي ومحيطه الإسلامي، منذ بداية الحرب أو ما قبلها وحتى الآن. فالجميع لم يستفيقوا بعد من أثر الصدمة للحرب والاحتلال، جامدون، لاجئون إلى أعماق قصورهم، منعزلون عن بعضهم كما عن شعوبهم. والخوف يعصف بكبارهم قبل صغارهم. وقد تمر بهم مناسبات الفواجع السابقة وكأنها من عالم آخر. يرفضون ذكرياتها ودروسها، ولا يحاولون تفهم ابسط اشارة للفاجعة الراهنة الأكبر. فالمنصاع منهم منذ القديم يزداد انصياعا إلى درجة الانمساح والتلاشي.
ومن كان مترددا منهم لا يجد أمامه سوى حبال العم السام، ليتابع رقصاته عليها. وأما المتمرد أو شبه المتمرد فقد يتابع رهاناته على متغيرات الداخل الأمريكي نفسه، لكن دون ان يبتكر رهانات جديدة بالنسبة لسلطاته وعلاقاتها مع مجتمعاتها.
وعلى الرغم من ان (المعلم) الأكبر شرع في التخبط المكشوف، ويعاني من انكسار شوكة الصلف والنصر الوهمي، إلا ان أحدا من اتباعه المحليين لا يفكر بارتكاب أية مجازفة والإمساك ببعض خيوط المبادرة، وإن أمست أقرب ما يكون إلى يديه، إنها على الأقل مبادرة الدعوة إلى أية صيغة من وحدة الصف وليس من وحدة الموقف، فإذا كانت أفلام الوحدة العربية الكبرى قد تبخرت منذ ان أمسى (الانفصال) أشبه بالواقع المادي المستمر، وإذا كان وهم (التوازن الاستراتيجي) مع العدو قد بددته حرب تشرين منذ ثلاثين عاما بعد خروج مصر من معادلته التأسيسية، وإذا كان سقوط بغداد قد آذن أخيراً بنهاية النهضة الثانية فإنه يتبقى مع ذلك في المحصلة من كل ذلك التاريخ الكوارثي، هو التصميم مجددا على حتمية ولادة النهضة الثالثة، وذلك في الدرجة صفر من عقم النهضتين السابقتين، ذلك هو حلم أو وهم آخر، عليه أن يكافح قبل كل شيء ثقافة الموت وعودة استبدادها عربيا وكونيا.