من
أداة توازن الرعب إلى تعددية التصدي لإرهاب
الدولة الأحادية
الأمم
المتحدة سقف بدون بيت
مطاع
صفدي/مفكر عربي يقيم في باريس
موسم اللقاء العالمي
لهذا العام تحت سقف الأمم المتحدة يجيء
مختلفا كليا عن مواسمه السابقة خلال ما يقرب
من ستة عقود، أي منذ تأسيس تلك المنظمة
العتيدة والفريدة في بنيتها وأهدافها
وإنجازاتها عبر تاريخ العلاقات الدولية،
والمغايرة تماما لسابقتها عصبة الأمم التي
عصفت بها سريعا أولى الأزمات الدبلوماسية مع
ظهور ديكتاتوريات النصف الأول من القرن
العشرين، والتي أدى فشلها الذريع في وضع حد
لانقسامات أوروبا الحادة إلى اندلاع الحرب
العالمية الثانية، وما تبعها من تطورات هائلة
مع انطلاق سلاح التدمير النووي والصواريخ
العابرة للقارات. فكان لا بد من إعادة إنشاء
منظمة دولية جديدة علي اثر انتهاء تلك الحرب
وسقوط النازية والفاشية، وتكون مهمتها إدارة
الانقسام الجديد بين معسكري الاشتراكية
والرأسمالية ووضع ضوابط هذا الصراع الحدي
وتداعياته على مجمل الخارطة الجيوسياسية
لعالم النصف الثاني من القرن العشرين، فكان
على مؤسسات الأمم المتحدة ان تتعايش مع أجواء
الحرب العالمية الثالثة التي وصفت بالحرب
الباردة لأنها سمحت للقطبية الثنائية
المسيطرة ان تستخدم ضد بعضها مختلف أشكال
العداء والعدوان المتاحة تحت سقف السلام دون
أن تسقط في هوة الصراع المطلق بين قطبيها. تلك
الحالة التي دعيت بمصطلح سياسة حافة الحرب
دون التورط الفعلي في وعثائها. وكان الضامن
الرئيسي لاستمرارية هذه السياسة هو المصطلح
الآخر المسمى بالردع النووي. إذ كان كلا
المعسكرين حريصين على بلوغ وضع التوازن أو
شبه التعاون بالكم والنوع للخزين النووي لدى
كلا منهما، حتى لا يتمكن أحدهما نتيجة نوع من
التفوق الطاريء الذي يسمح له بإنزال الضربة
الأولى الساحقة في الحكم دون تمكينه من الرد
المباشر، أي دون ان تقع الإبادة النووية
الكاملة لكل منهما في الزمن الفوري، فلا يخرج
منتصر من بين الفانين جميعا في كلا الجبهتين،
وخاصة مع تغير معني الجبهة من مجرد خطوط
عسكرية متقابلة إلى ان تضم كامل جغرافية
الخصمين معا.
كان على الأمم المتحدة إذن والحال هذه ان
تترجم توازن الرعب النووي بين العملاقين إلى
نوع من الشراكة القسرية بينهما والمفروضة
عليهما بحكم الخوف لديهما معا من طواريء
الخطأ في التوازن الذي قد يتسبب في خلل غير
محسوب يؤدي إلى انطلاق الجهنم النووي بالخطأ
الطاريء بشريا أو تقنيا. جملة القول ان الأمم
المتحدة الراهنة في إدارة سياسة الردع النووي
ومنع الحرب العظمي النهائية بين قطبي العالم
واختراع مبدأ الحروب الطرفية او الواقعة على
محيط القطبين وفيما سمي بأشكال الصراعات
والحروب المحدودة على مناطق النفوذ السياسي
والاقتصادي التي بات الكوكب كله مسرحا لها،
وخاصة دول "العالم الثالث" المستقلة
حديثا من الاستعمار الغربي، فقد اصبح التنافس
على استغلال هذه الدول بين القطبين بمثابة
مجالات لتنفيس الاحتقان السياسي بينهما،
ومجال تصريف وتعويض بالمؤامرات والحروب
الصغيرة الأهلية والإقليمية عن الصدامات
الكبرى بين الأيديولوجيتين الاشتراكية
والرأسمالية.
لقد تنامت الأمم المتحدة ومنظماتها القيادية
ومؤسساتها المالية والثقافية والاجتماعية
تحت وطأة تلك الخارطة الجيوسياسية الفريدة
المقودة بظروف الحرب الباردة وتطوراتها
الخاصة، والمنعكسة على مختلف جبهات الصراع
الأخرى في أنحاء الكرة الأرضية حتى أمست
طبيعة هذا البناء الدولي جزءا عضويا من بنية
تلك المرحلة الاستثنائية من تاريخ العالم،
وكان لها شأنها الحاسم كذلك في تغيير الكثير
من ثوابت النظرية السياسية وثقافتها العريقة
لكنها أرست ولا شك نموذجا أول عما يعرف
بالتعاون الدولي الذي لا يلبث ان يبتكر
مبادئه وينظم قواعده على ضوء تفاعله اليومي
مع الأزمات والاشكالات المستعصية والطارئة،
فهي كانت طليعة حقيقية لنشأة المجتمع الدولي
الذي اصبح من اثمن انجازاته انه اجبر كبار
العالم على الاعتراف والقبول بصغاره
والوافدين الجدد عليه من فصيلة الدول
المستقلة حديثا. وتلك هي واحدة من أهم مزايا
هذا التنظيم الكوني الجديد. أي انه حقق ذروة
من مطامح الفكر الانساني مع نجاحه في تأسيس
أول كيان واقعي للمجتمع الدولي، الذي بشرت به
الفلسفة السياسية منذ أيام افلاطون فلا ينسى
التاريخ ان عشرات من الدول الجديدة قد تحررت
وتنامت بفضل الأمم المتحدة المستمرة حتى
أيامنا هذه في حين لم يكن مصطلح المجتمع
الدولي لا يعني غير أوروبا ودولها الغربية
خاصة مضافة اليها الولايات المتحدة، لكن هذا
الحشد الذي تجاوز المئة الاولي ويقترب من
المئة الثانية من الكيانات الدولتية اصبح في
الواقع يضم جميع عائلات الانسانية على
اختلافاتها في الشكل واللون والنطق، وفي
المستويات المعرفية والحضارية إلى جانب
تضارب المصالح الذي لا نهاية له، من دون ان
يحدث هذا الحشد تغييرات نوعية، لا في بنية هذه
الدول المستحدثة، وليس في مستوى علاقات كبرى
الدول فيما بينها أيضا، بل اقتصر دورها
الرئيسي في العمل ما أمكن بواسطة الحوارات
والاتفاقات المرحلية، على منع الحرب الباردة
من ان تنفلت فجأة من الرقابة العالمية وتنقلب
إلى حرب فعلية على الأرض تعلن عن نهاية فشل
الجميع وحلول نهاية الانسانية ماديا ومعنويا
أي يكون المنتصر الوحيد هو الخراب الشامل
وامتناع الحياة بكل أشكالها على هذا الكوكب،
وقد كانت الضمانة الوحيدة لاستمرار الحد
الفاصل بين خياري البقاء او الزوال المحقق
يقوم واقعيا وماديا على ما كان يدعى بتوازن
الرعب بين عملاقي القوة النووية. لم يكن الردع
لدى أحدهما ضد الآخر، يستند إلى ثقافة
الأخلاق والمثل الإنسانية في التعايش السلمي
الذي كانت له شعارات مرفوعة دائما في مختلف
المناسبات الدولية والاجتماعية، بقدر ما كان
الأمر يتعلق فقط بعامل الخوف وحده من إمكانية
رد الفعل المحتوم لدى الخصم الآخر فيما لو
استبق أحدهما بالضربة الأولى.
هذه المعادلة الرهيبة هي ركيزة ذلك السلام
الموهوم الذي عاشت عليه إنسانية نصف القرن
الماضي تحت وطأة التهديد النووي المتواصل بين
القطبين الأكبرين، لكن كان الوعي الإنساني
كذلك يتنامى لدى مختلف المجتمعات بالأهمية
الأولوية للسلام العالمي وقدرته على إنتاج
نظام للأمن الايجابي الشامل مقابل الأمن
السلبي المترجرج القائم على توازن الرعب بين
العملاقين المتسابقين على حيازة أسلحة
الدمار الشامل واقتناص مناطق النفوذ في شتى
أنحاء المعمورة. وكانت تجارب الأمم المتحدة
في إطفاء الحرائق السياسية المهددة بأوخم
العواقب فيما لو تركت لتفاعلاتها الذاتية،
ودون تدخل دولي فاعل وحيادي نسبيا في اللحظات
الحرجة، كانت هذه التجارب تكسب الأمم المتحدة
تدريجيا مضمونا أخلاقيا يقربها من الشعوب
اكثر بقدر ما تثبت قدرتها من وقت إلى آخر على
التفلت من استغلال الكبار والتخفي وراء
شرعيتها المعترف بها من اجل تحقيق مصالحها
الفئوية الخاصة.
وعندما انهارت أخيرا صيغة القطبية الثنائية
كان يمكن لهذه المؤسسة ان تحقق حريتها
المنتظرة بانعتاقها من أسر اللعبة الدولية
السابقة المنقضية، وان تتحول من مجرد سقف
للعالم، بدون ان تكون بيتا امينا له
ولعائلاته البشرية، الي ان تغدو بانية هذا
البيت وراعيته العادلة المتفق على شرعية
تمثيلها لا للدول فحسب، بل لشعوب المعمورة
ومطامحها التاريخية في الخروج من عصر الغاب
إلى عهد المدنية للجميع، حيثما تنهض تربية
المواطنة الإنسانية فوق كل الانتماءات
البائدة لعنصريات الغنى الفاحش أو القوة
التدميرية المطلقة او عصبيات العرق والجنس او
التدين المغلق. لكن وعلى حين غرة لم يكن في
حسبان الزمن الإنساني الجديد ان يتطور مبدأ
توازن الرعب في عصر الحرب الباردة، إلى
احتكار قوة الارعاب كلها في يد قطب أحادى،
ويستغلها في ممارسة ذروة إرهاب الدولة الأعظم
ضد بقية عائلتها البشرية وقد كادت ان تتنفس
الصعداء من خطر الفناء الشمولي خلال عصر
الاستقطاب النووي. فلم يعد هناك توازن للرعب
قد يمنع الكارثة الشمولية، بل أمسى عالمنا
الراهن فاقدا لأية صيغة توازن أمام صعود
أحادية التهديد من قبل الدولة العظمي ضد بقية
المجموع الإنساني المجرد من نوعية الدفاعات
الموازية لنوعية التهديدات. فهل يمكن والحال
هذه ان يترك الوحش فالتا من كل قاعدة، ويعبث
فسادا لوحده في أرجاء المعمورة دون ان يخشى
لومة لائم من أحد، أو تردعه ثمة مقاومة قادرة
على منازلته.
مع ذلك فان الرئيس الفرنسي جاك شيراك أطلق
حكمته المدوية أمام ممثلي مئة وسبعين دولة،
هم (الأمم المتحدة)، حقا كما دعاهم كوفي أنان
في ذات الجلسة. قال شيراك بلهجة الوثوق والحسم:
في عالم منفتح لا يمكن لأحد ان ينعزل، لا يمكن
لأحد ان يعمل باسم الجميع، ولا يمكن القبول
بفوضى مجتمع من دون قاعدة. لا بديل عن الأمم
المتحدة . هذه الحكمة البسيطة لم تعد مجرد
إعلان نوايا طيبة، فلقد أثبتت وقائع العدوان
على العراق منذ مرحلة الخروج الأمريكي على
الشرعية الدولية وإلى تنفيذ الحرب الأحادية،
ثم تورط الاحتلال في وعاء مقاومة وطنية
يومية، لا تكف عن التصميم والتنامي، أثبتت
صحة كل حرف في تلك العبارة. وأهم ما فيها ولا
شك خلاصتها وهي: انه لا بديل عن الأمم
المتحدة، لكن بشرط ان يُشرع في تصحيح بنيتها
وهيكلة مؤسساتها، بدءا من تحريرها من
ديكتاتورية مجلس الأمن ودوله الخمس الكبار
الثابتة. على ان تمسى الأمم المتحدة هي حقا
جميع أمم المعمورة، كما دعا كوفي أنان نفسه،
فالتعددية هي التي ستكسر أحادية الإرهاب
الإمبراطوري الجديد، إذا ما توحدت في جبهة
رفض تضم العالم كله، وسوف تفرض صيغة غير
مسبوقة لمصطلح توازن الرعب تعزل الإرهاب
الإمبراطوري مقابل المزيد من إفشال مخططاته
العدوانية، ودفعها إلى افتضاح إفلاسها
الأخلاقي والمادي معا من واقعة حرب استباقية
لا مشروعة إلى واقعة أخرى.
ولقد شاهد واستمع المجتمع الدولي في تلك
الجلسة العتيدة لموسم اللقاء السنوي بين
ممثلي العالم أجمع. شاهدوا غطرسة بوش وهي
تتكسر بين صرير ألفاظ مواعظه التبشيرية
والخرافية، وبين اللهجة المتعالية والعناد
الطفولي في الإصرار على صحة قرارات الحرب
والاحتلال والاستمرار في مستنقعه إلى ان
يتهرأ حديد دباباته ويستقيل جنوده المرتزقة
من رسالتهم غير المقدسة جماعات ووحدانا.
المجتمع الدولي يولد ولادته الثانية على وقع
انهيارات سادته العجائز القدامى، وبدءا من
إمبراطور العالم الخرافي. والأمم المتحدة
التي كانت سقفا بدون بيت لا بد أن تلقى بيتها
أخيرا بعد أن تطرد منه كل الغرباء والطفيليين
على أهله وعشيرته.