"أسلحة الدمار الشامل" مصطلح صهيوني

لارا دراك: أميركا ضدّ كل من لا ينبطح أرضاً

إذا استطاعت الحكومة الأميركيّة أن تثبّت حكومة متعاونة في العراق فقد تستجد أمور خطيرة

د. لارا دراك (Dr. Laura Drake) مستشارة في شؤون الشرق الأوسط. تعمل من منطقة (سانت فرانسيسكو - شمال كاليفورنيا) سبق وأجرتْ حوارات مع فضائيّة "الجزيرة" وفضائيّات عربيّة كثيرة غيرها. وهي مختصّة بنُصرة الشعوب المضطهدة. التقتها "المحرّر" عدّة مرّات وحاورتها في موضوعات مختلفة تتعلّق بالشأنين الفلسطيني والعراقي. في ما يلي حوار جديد أجراه معها الزميل ابراهيم عبيد باللغة الإنكليزيّة وترجمه إلى العربيّة الزميل الشاعر شوقي مسلماني:

* الأوضاع في "الشرق الأوسط" إلى تأزّم وتتّخذ مسارات جديدة أكثر تعقيداً.. وفلسطين والعراق محتلّتان.

** إنّها أكبر كارثة تصيب منطقة الشرق الأوسط منذ عام 1948. وستنقضي عشرات السنين قبل التخلّص من آثار التسلّط الأميركي على العرب. والفلسطينيّون تحديداً في هذه المرحلة يفتقدون إلى نصير دولي.

* وحول سيطرة الولايات المتّحدة وبريطانيا والحركة الصهيونيّة على المنطقة العربيّة كما يعملون على تمزيقها إلى دويلات إثنيّة وطائفيّة قالت:

** هذه خطّة وضعتها الحركة الصهيونيّة عام 1950 بقصد تذويب الهويّة العربيّة وتجزئة قوّة العرب ونقلها إلى الأقليّات الطائفيّة والعرقيّة ظنّاً منها انها في تحويل القوّة العربيّة الجامعة إلى هذه الأقليّات ستخلو الساحة لها. الصهاينة يسعون ليكونوا في خندق واحد مع الأقليّات معتبرين أن دولتهم هي دولة أقليّة في محيط ذات أغلبية عربيّة. ويعتبرون أن الأقليّات في البلاد العربية لا يمكن أن تشكّل يوماً خطراً عليهم وقد نجحوا في استمالة بعض العناصر من الأقليات في عدد من الدول العربية..

* برأيكِ ما هو الدافع لاحتلال العراق؟ أسلحة الدمار الشامل التي لم يُعثر عليها؟ أم النفط و"إسرائيل"؟

** أولاً، بسبب امتلاك العراق الخبرات العلمية لتطوير الأسلحة غير التقليديّة.. لذلك على العرب ألاّ يستخدموا مصطلح "أسلحة الدمار الشامل" لوصف الأسلحة الكيمياويّة والبيولوجيّة والصواريخ البلاستيّة البعيدة المدى لأنه مصطلح من اختراع الصهاينة وذلك للحط من قدر البلدان العربيّة والإسلاميّة التي يُعتقد أنها تطوّر مثل هذه الأسلحة والتي من خلالها يمكن ردع الذراع النوويّة "الإسرائيليّة".. لقد اعتُدي على العراق ظناً من واشنطن أن العراق يمكن أن يكون القوّة القادرة على مواجهة "إسرائيل" وعرقلة المخطّطات الأميركيّة في المنطقة، وليس أبداً لاحتمال تهديد العراق لأميركا في عقر دارها، ويعلم الجميع أن العراق لم يتبنَّ خططا لتهديد الأمن الأميركي بقدر ما طلب من أميركا أن تكفّ عن التدخّل في شؤونه الداخليّة.

ثانياً، استطاع العراق عرقلة جهود "الإسرائيليين"، بما له من نفوذ عبر المنطقة العربيّة كلّها، ومنع السيطرة الكاملة على العرب، ولطالما قدّم العراق مساعدات تكتيكيّة للفلسطينيين دعماً لانتفاضتهم الباسلة. ولهذا طالبت "إسرائيل" بمحاصرة العراق منذ عام 1988. بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر نجح الصهاينة في إقناع الأميركيين بالتخلّص من العراق كليّاً  أملاً في إضعاف الفلسطينيين وإخماد مقاومتهم إلى الأبد.

ثالثاً، رفض العراق الإنصياع الكامل للإرادة والأوامر الأميركيّة باعتبارها القوّة النافذة في البلاد العربيّة فكان لا بدّ من معاقبته وتلقينه درساً يكون عبرة للآخرين ممن يفكّرون يوماً في عصيان أوامرها، إضافة إلى أن أميركا تخوّفت من إمكان أن يفكّ العراق الحصار الاقتصادي عنه فيعود قوّة مؤثّرة يمكن أن تؤثر وتضغط على دول الخليج الجنوبيّة فتكف عن انصياعها للإرادة الأميركيّة.

رابعاً: العراق يمتلك احتياطات نفطيّة هائلة أو ثاني أكبر احتياط نفطي وإذا استطاع أن يفتتح آباراً جديدة فسيصبح عندها الأول ومتقدم على السعوديّة مما يساعده على أن يرمي بثقله النفطي والجيوسياسي لتحسين أسعار النفط مما يجعل من العرب قوة مستقلة وهذا ما أخاف أمريكا ويقود حملة مضادّة لاستراتيجية السيطرة  الأميركية.

* "إسرائيل" من الدول الأكثر عدوانيّة ولديها ترسانة أسلحة دمار شامل تعتبر الخامسة في العالم وجرائمها بحقّ الفلسطينيين كثيرة ومن النوع الذي يصل إلى حدّ الإبادة، إذ تقتلهم وتطردهم من ديارهم وتصادر أراضيهم من أجل بناء مستوطنات صهيونيّة جديدة، ورغم ذلك فإن الولايات المتّحدة الأميركيّة تلقي باللاّئمة على الضحايا الفلسطينيين وتنعتهم بالإرهابيين وتعمل على تغيير سلطتهم، ما هو تعليقك على ذلك؟.

** أميركا دائما تستخدم كلمات كهذه كسلاح ضد كل من لا يخضع لها. أي ضد كل من لا ينبطح أرضاً ثمّ يموت بسلام، ولا جديد في الأمر. فواشنطن لا تنظر إلى الفلسطينيين كضحايا، بل تنظر لهم إلى حدّ ما كمصدر إزعاج، ونتيجة لما أسمته الولايات المتّحدة بصورة غير صحيحة عدوان الدّول العربيّة ضدّ وجود "إسرائيل" عامي 1948 و1967، ومصدر الإزعاج بالتعريف الأمريكي هو الشيء غير الإنساني. وتضطهد الحكومة الأمريكيّة الفلسطينيّين لجرأتهم في تحديها ومطالبتهم بأن يكونوا بشر. ثمّ هناك عقليّة "إسرائيليّة" سائدة في واشنطن لا ترى شرّاً في أن يقوم مجتمع على حساب مجتمع آخر.

* سبق وكتبتِ مقالات عدّة عن "الترانسفير" أي عن ترحيل الفلسطينيين إلى دول أخرى منها العراق. هل ترين أن الأوضاع المزرية السائدة اليوم في العالم العربي ممكن أن تساهم في نقل الفلسطينيين إلى العراق أو إلى أي دولة أخرى؟.

** من حسن الحظ أن الشارع العربي بات واعياً لمثل هذا المخطّط الجهنّمي الذي يحتاج إلى العتمة كي يتحقّق، أي يحتاج إلى عنصر المفاجأة وبما أن هذا العنصر تلاشى فلا بدّ أن تواجه هذا المخطّط مصاعب جمّة. اللاجئون الفلسطينيّون في مخيّمات لبنان واعون لمثل هذا المخطّط منذ أن علموا به قبل عشر سنوات تقريباً، فقياداتهم المحليّة كشفته عام 1994، وإذا استطاعت الحكومة الأميركيّة أن تثبّت حكومة متعاونة في العراق فقد تستجد أمور خطيرة. ورغم ذلك فالفلسطينيّون مهيأون للمقاومة ولو بالعصي والأيدي إذا اقتضى الأمر، وهم في مخيّمات لبنان يرفعون شعاراً واضحاً وهو "لا بديل عن فلسطين". لذلك على الشعب العربي ومن ضمنه الشعب الفلسطيني ألاّ يعوّل على نصر يأتيه من الخارج، أي ألاّ يعوّل كثيراً على دعم قوى في الغرب لأن القضيّة قضيّته وليست قضيّة الآخرين وهو المعنيّ أوّلاً بها، وبالتالي إذا لم يكن أهلاً لقضيّته أو لمجموع قضاياه في الحريّة والاستقلال فلن ينفعه دعم الآخرين شيئاً. واللبنانيّون مثلاً أعطونا درسا مهما فقد عوّلوا على قواهم الذاتيّة أولاً فاستحقّوا النصر الكبير.

 

وعن دور الشعوب في مواجهة الغطرسة الأمريكية قالت:

يجب أن يعلم الجميع بأن الولايات المتحدة لن تغير موقفها إلا إذا قررت الدول أن تكون مستقلة، وهذا ينطبق على الدول العربية لأن بيانات الاستنكار والغضب لا تفعل شيئا ولن تؤثر في سياسة أمريكا في المنطقة العربية، وأن تعابير الغضب التي تطلقها الجماهير هناك أيضاً لن تؤثر في سياسة أمريكا، لذلك عليهم أن يفعلوا شيئاً عملياً لتغيير هذا الواقع، وهذا لن يتم إلا إذا قدرت الدول العربية على وضع العوائق الجيوبوليتيكيّة الفعلية والمؤثرة في مواجهة التحكم الأمريكي في منطقتهم.