متفرجون
على بوش في حربه ومحنته!
د.
عصام نعمان *
العرب،
في معظمهم، متفرجون محترفون. يتفرجون في
الحرب، ويتفرجون في السلم. يتفرجون على
الأصدقاء ويتفرجون على الأعداء.السياسة مسرح
كبير، والعرب، في معظمهم، من رواده الدائمين،
بل ان بعضهم أصبح من المقيمين فيه بصورة
دائمة، فالمسرحيات الدرامية والتراجيدية
تتوالى على المسرح الكبير، وبعضها تدور
مواضيعه حول العرب أنفسهم، فلا عجب إن كانوا
في مقدمة المشاهدين والمتابعين.
ثمة
مسرحية في فلسطين تدور أحداثها وحوادثها منذ
عقود، ويتبدل الممثلون فيها باستمرار. كان
أعتى من ظهر فيها على المسرح ممثل عجوز اسمه
ارييل شارون. فهو يلعب دوره بخشونة، بتوجيه من
المخرج الذي اسمه جورج دبليو بوش.
ثمة
مسرحية أخرى في العراق بطلها المخرج إياه،
الذي يتولى التمثيل والإخراج معا.
في
كلا المسرحيتين يتفرج المشاهدون العرب
بمشاعر متفاوتة. بعضهم منزعج من شارون وبعضهم
الآخر معجب ببوش، لكن الفريقين متفقان على ان
مستوى الاخراج في كليهما متدنٍ للغاية،
وكأنهما من تأليف وإخراج هواة، لكنهم قساة.
***
كلا،
لست مبالغا في توصيف حال العرب... في معظمهم.
هذه هي حالهم منذ أجيال وعقود. انهم دائما في
حال رد الفعل والتفرج بلا كلل وبلا حدود.
يتحول
العالم كله هذه الأيام مسرحاً كبيراً متعدد
الخشبات، تدور فوقها مسرحيات عدة، لعل أوسعها
جمهوراً مسرحية العراق، ذلك ان الممثل هو
نفسه المخرج. في المشهد الأول للمسرحية - مشهد
الحرب - يبدو الممثل نشيطا، سريعا، ومنتصراً
لكنه في مشهدها الثاني يبدو مرتبكا، مهموما
ويتفوّه بعبارات متناقضة ومن خارج النص.
المشهد
الثاني هو أطول مشاهد المسرحية، انه مشهد
المحنة، محنة البطل المتعثر الذي تنهال عليه
الضربات من كل الاتجاهات، ويبدو عاجزاً عن
ردها.
انه،
في الواقع، جورج دبليو بوش في دوريه العراقي
والأمريكي.
في
العراق، تتزايد عمليات المقاومة، فلا يقلّ
عددها يوميا عن ثلاثين، ويرتفع مستواها
النوعي ومردودها القتالي بمعدلٍ لا يقل عن
قتيل أمريكي يوميا. وتبدو بعض المناطق
والأماكن التي تجري فيها العمليات وكأنها
تحولت جسماً من المياه يعيش فيها سمك
المقاومة، حسب المثال الكلاسيكي.
الخدمات
العامة ما زالت، في معظمها، معطلة. الأمن في
إجازة مديدة. الفوضى شائعة وسائدة. السلب
والنهب مزدهران. اغتيال المتعاونين مع إدارة
الاحتلال أضحى سياسة معتمدة.
إنها
"ميني" حرب تغرق إدارة بوش في مستنقعها
تدريجياً ولا تجد منها خلاصا.
في
أمريكا، يبدو المشهد اكثر إرباكا وإثارة. بوش
ينتقل من موقف حرج إلى موقف اكثر حرجا.
على
الصعيد السياسي، اخفق في تبرير الحرب بعد
انتفاء الأدلة على وجود أسلحة دمار شامل لدى
العراق. بل ثبت انه كان عالما بعدم وجودها ومع
ذلك ادعى، بالاشتراك مع توني بلير، بأنها
موجودة لكي يبرر شن الحرب.
كان
أوحى ان لصدام حسين صلة بمنظمة (القاعدة)
وبالتالي بالهجمات الصاعقة في 11 أيلول/سبتمبر،
ثم عاد واعترف بان لا صلة لصدام بأحداث ذلك
اليوم الكارثي.
غير
ان اخطر ما يواجهه بوش اليوم هو امتحان
الصدقية بعد قيام أحد أركان بيته الأبيض بكشف
اسم إحدى عميلات وكالة الاستخبارات المركزية
الأمريكية (سي آي إي) ( فاليري بالم ) العاملة
لديه إلى وسائل الإعلام.
الكشف
عن عملاء الاستخبارات عمل منافٍ للقانون، في
الولايات المتحدة، ومعاقب عليه. وقد ارتكب
ركن البيت الأبيض هذا الجرم انتقاما من زوج
العميلة، السفير السابق جوزف ويلسون، لا لشيء
إلاّ لأنه قام بتكليف من الرئيس الأمريكي
بالذات بالتحقيق في مسألة سعي صدام حسين
للحصول من النيجر على مادة اليورانيوم
للتصنيع النووي، فثبت له عدم صحة الاتهام،
وكان أن كشف لبوش نتائج التحقيق قبل خطابه
المعروف باسم "حال الامة" في كانون
الثاني/يناير الماضي. ومع ذلك لم يتورع بوش في
الزعم بان العراق حصل على اليورانيوم المحظور!
إذا
أثبت التحقيق أن للبيت الأبيض دورا في كشف اسم
العميلة للإعلام فإن بوش سيواجه أياما صعبة
للغاية وتقريعا قاسيا من مرشحي الرئاسة
الديمقراطيين ومن وسائل الإعلام ستهز صدقيته
هزا، وربما تقضي عليها، خصوصا بعد انخفاض
نسبة مؤيديه في استطلاعات الرأي العام
انخفاضا ملحوظا في الأسابيع الثلاثة الماضية.
على
الصعيد الاقتصادي، يتعاظم عجز الميزانية
بوتيرة عالية قد يصل إلى 500 مليار/ بليون دولار
قبل نهاية السنة الجارية. ويشكو الأمريكيون
من ان برنامج بوش بخفض بعض الضرائب يفيد
الأغنياء فقط، وقد اخفق في إنعاش الاقتصاد
بدليل تزايد نسبة البطالة على نحوٍ غير مسبوق.
لا
شك في ان مشاهد تعثّر بوش وارتباكه وتراجع
شعبيته تشيع السرور والحبور بين العرب
المتفرجين. لعلهم يراهنون الآن على سقوطه في
انتخابات الرئاسة بعد نحو سنة من الآن.
هل
تكفي تمنيات المتفرجين ( المكبوتة ! ) لازاحة
بطل المسرحية المتعثر عن المسرح ؟ وهل تكون
فلسطين والعراق بمنأى عن انعكاسات خروجه
مهزوما من المعركة ؟
***
ليس
بالتفرج تُمارس السياسة، ولا بتمنيات
المتفرجين. ما زال لدينا بصيص امل لأن ليس
الكل في امتنا متفرجين. من اختار في صفوفهم
المقاومة، ما كان يوما من المتفرجين.
هم
يدركون، بطبيعة الحال، ان إزاحة بوش وبلير
وغيرهما من مهندسي الحرب مفيد. لكن ثمة حاجة
ملحّة لتدارك ما قد يحدث من سلبيات على مسرحي
فلسطين والعراق في أثناء عملية نزع الثقة
والإزاحة من السلطة.
في
فلسطين، مثلا، لا يبدو شارون مهتما ببوش،
قويا كان أم مهزوما. قال صراحةً قبل أيام ان
جداره الفاصل سيواصل مساره ليضم مستوطنة (ارييل)
رغم معارضة الإدارة الأمريكية. الراجح انه
سيستثمر انحدار شعبية بوش وحاجته المتزايدة
للصوت اليهودي الأمريكي ليواصل سياسته
التوسعية. الحقيقة ان ضعف بوش يفيده اكثر من
قوته. لعله باشر من الآن الاتصال بمرشحي الحزب
الديمقراطي للرئاسة ليختار من بينهم الأفضل
لسياسته فيساعده ليكون المرشح الرسمي لحزبه.
في
وضع دقيق كهذا لا يسع المقاومة الفلسطينية ان
تبقى ساكنة. من مصلحتها، وهي مصلحة الشعب
الفلسطيني، إبقاء الانتفاضة حية بمعاودة ضرب
العدو بقوة ودونما توقف. إنها تقع في خطأ مميت
إذا ظنّت ان مهادنة شارون تدفعه إلى التهاون
في متابعة سياسته التوسعية وأسلوبه الوحشي في
محاولة تصفيتها.
"الاسرائيليون"
يعانون، اقتصاديا ونفسيا، فهل يعقل ان تتباطأ
المقاومة الفلسطينية بدعوى ان مهادنةً على
الجانب الفلسطيني قد تستولد مهادنة على
الجانب "الاسرائيلي"؟
الأمر
نفسه ينطبق على العراق. ليس في وارد إدارة بوش
التهاون في مسألة نقل السلطة والسيادة إلى
العراقيين. بالعكس، هي تحاول جاهدة إعادة "تأهيل"
الجيش العراقي وأجهزة الأمن والاستخبارات،
والضغط على الدول المتحالفة لمدها بقوات. كل
ذلك من أجل تشديد قبضتها على البلاد ومحاولة
تصفية المقاومة وقمع القوى الوطنية، من كل
الملل والنحل، المعادية للاحتلال.
ليس
بالتفرج والانتظار أو التضرع إلى الله كي
يُسقط بوش في الانتخابات يتخلص العراق من
الاحتلال. لا بد من تعقيد مأزق إدارة الاحتلال
وتوجيه رسالة ذات دلالة إلى معارضي بوش في
الداخل الأمريكي.
نصيحة
أخيرة: يشمت كثيرا، ببوش وأمثاله، من يقاتل
كثيرا وأخيرا!. هل يدرك المتفرجون؟!!
*
دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف -
وزير سابق للاتصالات - كاتب و معلق سياسي (لبنان)