غير
الهنود الحمر
حياة
الحويك عطية/الأردن
على
القناة الخامسة الفرنسية كانت عينا طفل عراقي
ترسل أشعة تحد نادر، تحد من ذلك النوع الذي لا
يعرفه إلا من عرف العراقيين العراقيين..
تقرير ميداني أعدته القناة عن بداية العام
الدراسي في بغداد، الأب يتحدث بألم عن غياب
مستلزمات الدراسة، من الكتب إلى المناهج ومن
القرطاسية إلى وسيلة النقل والحياة العادية..
المدّرسة تشكو من مشكلة استبدال المناهج التي
تتوقف على فرض تمزيق صور صدام حسين من الكتب
ومحو اسمه واسم حزب البعث حيث وجد، وإذ يسألها
الصحفي الفرنسي: هل يفرض عليكم الأميركيون
ذلك تجيب بتحد هادىء: إذا فعلنا ذلك فرضا
فسنحتفظ بها في قلوبنا، المراسل يتوجه إلى
طفل، وبعينين تموجان بأشياء كثيرة وغريبة،
اكبر من ان توصف، يواجهه الصغير: نظرة إلى
غريب، ونظرة فيها مزيج خاص من خوف وتحد وعناد..
تحد اكبر من أي شيء آخر، يفتح الصغير الكتاب
على صورة صدام حسين، يسأله المراسل: هل
ستنزعها؟ ترتفع العينان، يرتفع منسوب التحدي
الصامت و.. كلمة واحدة : لا.
أهي نعم لصدام حسين، أم أنها مجرد لا
للاحتلال؟؟
اكثر من دلالة بالغة العمق، واكثر من نتيجة
مقلوبة لما أرادته السياسة الأميركية
الخرقاء: أولها ان الرجل الذي كان مرتبطا في
سر غالبية العراقيين بفكرة القمع والخوف
سيتحول مع الوقت وشيئا فشيئا إلى صورة
المقاوم البطل الشعبي الذي يجسد فكرة
المقاومة للمحتل، القائد الذي ضربته
الكراهية يوما لدى الكثيرين لتعدي نظامه على
الكرامة، سيتحول أيضا إلى تجسيد للكرامة
الوطنية في وجه ذل الاحتلال وغطرسة المحتل،
وسيساعد في ذلك دون شك عاملان: الأول هو سوء
الجماعة الحاكمة التي جاء بها الاحتلال والتي
تحمل كل السيئات التي كانت مكروهة في نظام
صدام حسين دون ان تحمل أيا من الايجابيات التي
لم يعد للمواطن العراقي ان ينكرها الآن وهو
يعيش ما يعيش. والثاني هو ان سقوط الرجل
وانفضاض مسؤولي عهده عنه إما استسلاما وإما
خيانة، واستشهاد ولديه، قد جاء ليغسل الكثير
من الكراهية أو الغيظ إزاء شخصه، خاصة وأن
إلصاق الإعلام المتأمرك المقاومة بالبعثيين
وحدهم، جاء ليعيد الاعتبار إلى حزب قدم
للبلاد مشروعا يقوم على التطور والتقدم
والكرامة القومية (حتى ولو اختلفنا مع الكثير
من طروحاته)، والى عهد عرفت فيه البلاد مرحلة
نهضة حقيقية في كل المجالات العلمية
والثقافية والحياتية، ومرحلة رخاء وأمن لا
يمكن إنكارها.
أفهل ينسى أحد كيف كان هذا البلد الذي يعاني
الآن من وجود الكتاب وأدوات الدراسة يوزع
الكتب علينا جميعا؟ هل نسي أحد ان العراق حصل
منذ عام 1986 على جائزة اليونسكو لمحو الأمية؟
هل ينسى أحد قوافل العلماء والأدباء
والفنانين واللغويين والفلاسفة؟ انه العراق
منذ مكتبة أشور بانيبال إلى مكتبة بغداد التي
كانت أول ما أحرقه الاحتلال. كل هذا لم تدخله
السياسة الأميركية في حسابها، بل أنها أدخلته
فكان مصدر الحقد ودافعا للإسراع في التدمير.
دون ان تأخذ في حسابها عامل الزمن الذي يذيب
الأحقاد بل ويحولها باتجاه مصدر الكبت
الجديد، وعامل التعاطف مع المضطهد (بفتح
الهاء) ضد المضطهد (بكسرها) وأخيراً العامل
الأهم وهو رفض الاحتلال رأس سلم الأولويات
لدى أي شعب، فكيف إذا كان هذا الشعب هو شعب
يرقى منسوب الصلابة والكرامة الوطنية عنده
إلى ما لدى العراقيين. ويرقى منسوب التمسك
بالخصوصية عنده إلى ما يرقى اليه عندهم؟
أما هؤلاء الذين يصرون على ان يقولوا للعالم
انهم "جاؤوا العراق محررين"، فقد تركوا
أقنعتهم على شاشات تلفزيوناتهم وواجهوا
العراقيين بوجههم الحقيقي، فكانت المكاشفة:
مواجهة النار بالنار، القصة الأزلية بين محتل
ومتعاون ومقاوم.. قصة لم تخف تفاصيلها على آخر
طفل عراقي من أولئك الذين قيل انهم سيحملون
الورود فإذا بهم يحملون نظرات من تلك التي
رأيت على شاشة التلفزيون الفرنسي، نظرة لا
تحمل فقط كراهية منذورة لأجيال قادمة، وإنما
تقول ببلاغة: لست أنا من أحفاد الهنود الحمر
بل من سلالة تمتد من نبوخذ نصر إلى المنصور
إلى صلاح الدين!!