الانتفاضة في عامها الرابع

واقع وآفاق

نايف حواتمه/الأمين العام للجبهة الديمقراطية

الأحداث المتسارعة على أرض الوطن، الحرب "الإسرائيلية" الصهيونية التوسعية، التقلبات والتحالفات والاصطفافات الفئوية الضيقة، تثبت مرة أخرى كم نحن بحاجة لمشروعنا الوطني الجامع ،وكم بات ضرورياً وملحاً تجاوز السياسة الإنفرادية والفئوية بالقرار الفلسطيني.

خطاب الانتفاضة والمقاومة هو خطاب الوحدة الوطنية خطاب التوحد الوطني الفلسطيني حول برنامج موحد للوصول إلى الأهداف التي دفعنا لأجلها بحوراً من الدماء على مدى سنوات عمر الانتفاضة والمقاومة العديدة الطويلة.

في اللحظة الراهنة، منذ اندلاع الانتفاضة الجديدة، وصلت القضية الفلسطينية إلى حالة من الاستعصاء الصارم. لم يعد ممكناً للحلول "الإسرائيلية" ـ الأمريكية التي انطرحت على امتداد العشرية الأخيرة أن تفرض نفسها. فقد حاولت منذ مدريد إلى اتفاقات أوسلو، وصلت إلى النفق المسدود في مايو 1999، حاولت من جديد (كامب ديفيد2) في تموز/يوليو عام 2000 وصلت للطريق المسدود، لأن الحلول المطروحة أغفلت الحدود الدنيا من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، الحدود الدنيا من الحقوق القومية لشعوب الأمة العربية، فهي حلول محكومة برؤية "إسرائيلية" ـ أمريكية تستهدف سلسلة من الأطماع التوسعية في الأراضي الفلسطينية، أبعد مما حصلت عليه حالة المشروع "الإسرائيلي" الصهيوني الكولونيالي التوسعي في عام 1948، وتستهدف استثمار هزيمة حزيران/يونيو 1967، واحتلالها لجميع الأراضي الفلسطينية إضافة للأراضي العربية المجاورة (سيناء، الجولان) بأمل خارطة جديدة "لدولة إسرائيل". خارطة إن لم يكن فيها كل "القدس موحدة عاصمة أبدية لإسرائيل"، فمعظم القدس، وهذا ما نصت عليه اقتراحات (كامب ديفيد2) التي جاءت وليدة لتفاهمات واسعة بين حكومة باراك وحكومة إدارة كلينتون. تعطى للفلسطينيين 14% من القدس العربية المحتلة عام 1967 وتضم "إسرائيل" 86% منها، وتضم لـ"إسرائيل" 11.5% من مجموع مساحة الضفة الفلسطينية المحتلة بعد عدوانحزيران/ يونيو 1967. وبشأن حق اللاجئين … لا حق بالعودة ولا حتى من مبدأ العودة، ولا عودة، بل تحل قضية اللاجئين على ثلاثة محاور: لم الشمل لا يتجاوز مائة ألف على امتداد عشر سنوات إلى داخل "الخط الأخضر"، عودة إلى الدولة الفلسطينية، وعودة نصف مليون وفق اتفاقات فلسطينية إسرائيلية أمريكية على مدى عشر سنوات ويبقى من الشعب اللاجئ ثلاثة ونصف مليون بالكامل في حالة الشتات تحت وفي إطار مؤتمر دولي يضع لهؤلاء إعادة عملية تأهيل، توطين، وتهجير جديد، التوطين في عديد من البلدان العربية، والتهجير الجديد لعديد من البلدان الخارجية الأجنبية، ومن المقدمة كندا واستراليا ونيوزيلندا (تقرير سناتور ميتشيل واللجنة السداسية الدولية إبريل 2000، كتاب جلعاد شير عضو الوفد الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد "قاب قوسين أو أدنى من السلام"، الفصل العشرون، ص 269 ـ 280) .

          جميع هذه الحلول الإسرائيلية الأمريكية انتهت إلى طريق مسدود، بفعل ممانعة الشعب الفلسطيني وقواه وتياراته المنظمة الوطنية والديمقراطية من أن تمر، والنضال من أجل رفع سقف الحلول السياسية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي باتجاه سقف قرارات الشرعية الدولية التي تؤكد ضرورة ترحيل الاحتلال من على جميع الأراضي المحتلة، إلى ما وراء خطوط 4 يونيو 1967 ـ دولة فلسطين عليها ـ عاصمتها القدس العربية المحتلة وعودة اللاجئين وفقاً للقرار الأممي 194، (كتاب نايف حواتمه "أوسلو والسلام الآخر المتوازن" و" أبعد من أوسلو … فلسطين إلى أين ؟" و "الانتفاضة … الصراع العربي ـ الإسرائيلي إلى أين ؟").

          هذا كله من سياق الحلول الإسرائيلية ـ الأمريكية انتهى للطريق المسدود . لم يكن ممكناً لهذه الممانعة من قطاعات تتسع في صفوف الشعب الفلسطيني من القوى الديمقراطية والوطنية والإسلامية من أن تبصر وتختزل الزمن بديلاً عن عشر سنوات طوال من عمرنا جميعاً، من عمر شعوبنا وقضايانا لسنوات أقل، لأن اتفاقات أوسلو، وقبلها أسس مدريد التي أرست فك الارتباط بين القضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وقررت المفاوضات الثنائية المباشرة، فكت أي ترابط بين مسارات التفاوض، حشرت المفاوضات الثنائية في إطار القرارين 242، 338 فقط، حصرت التمثيل الفلسطيني بوفد من سكان الضفة وقطاع غزة دون القدس واللاجئين، وفي إطار وفد أردني ـ فلسطيني، فالمفاوضات تدور على "الحكم الذاتي للسكان دون سيادة على الأرض" بينما الاستيطان يتواصل ولا يتوقف،و بعدها مفاوضات كامب ديفيد2، أشاعت جبالاً هائلة من الوهم المبني على رمال، لكن إدراك قطاعات الشعب الأوسع بأنه مبني على رمال لم يكن قائماً، فالشعب لا يلبي نداءات انطلاقاً من رؤية استباقية بعيدة الأمد، رؤية إيديولوجية، رؤية تحليلية ـ سياسية، وانطلاقاً من الدعوة إلى الإمساك بقرارات الشرعية الدولية، لا بد قطاعات الشعب تتعلم من تجربتها الخاصة، إلى إنهاء كل الوهم على هذه الحلول الإسرائيلية التوسعية خلال عشر سنوات مضت.

          جاءت الانتفاضة لتعطي الجواب من الشعب الفلسطيني بأغلبيته الساحقة، من كل القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية السياسية، هي أن الحلول الإسرائيلية الأمريكية دخلت من النفق، كما دخلنا عشر سنوات في النفق، ولم يعد ممكناً استئنافها والبناء عليها من جديد. جاءت الانتفاضة مرموزة بأنها انتفاضة الأقصى وأنها بدأت، انطلقت من الأقصى، لكن سرعان ما تجاوزت الانتفاضة الحالة الرمزية وأعلنت بوضوح بدءاً من بياناتها الأولى. إنها انتفاضة الحرية والاستقلال، الانتفاضة التي استعادت الشعار الرئيس للانتفاضة الكبرى المغدورة بعملية الاغتيال السياسية الشهيرة ـ عملية اتفاقات أوسلو .

          بدأت الانتفاضة تشق طريقها على قاعدة انتفاضة للحرية والاستقلال، أي لدولة فلسطين على حدود 4 يونيو عاصمتها القدس العربية والحل لمشكلة الشعب اللاجئ في إطار القرار الأممي 194.

          في هذا السياق أخذت الانتفاضة مداها، مرت بأكثر من محاولة لاغتيالها باكراً قبل أن يصلب عودها، وفي المقدمة منها كما تعلمون بعد ثلاثة أسابيع من الانتفاضة انعقدت قمة شرم الشيخ الدولية ـ الإقليمية ـ الإسرائيلية ـ الفلسطينية، وفي 17 أكتوبر 2000، دعت إلى وقف الانتفاضة بالكامل والعودة إلى مجموع الأوضاع التي كانت قائمة قبل هذا بثلاثة أسابيع إلى ما قبل 28 سبتمبر عام 2000، أي التراجع إلى مربع بؤس سياسة أوسلو البائسة، إلى التآكل والهلاك في النفق المسدود، بينما الاحتلال والاستيطان التوسعي يتواصل بلا حدود.

          هذا الوضع لم يكن ممكناً أن يمر، لأن الشعب الفلسطيني بقطاعاته الأوسع بقواه المنظمة والمناهضة، تعلم من تجربة الانتفاضة الكبرى المغدورة التي جرى اغتيالها بقرارات سياسية، اغتيالاً باتفاقات أوسلو، ذلك المسار الإسرائيلي الأمريكي، ولذا الانتفاضة لم تستجب لهذه الدعوات من القمة الدولية الإقليمية الإسرائيلية الفلسطينية وواصلت نهوضها. كما أن الحركة بدأت تتسع في صفوف الجماهير العربية، تعاطفت مع الانتفاضة انطلاقاً من مواقف الممانعة للحلول السياسية الإسرائيلية الأمريكية، وعليه تم عقد قمة في القاهرة بعد أربعة أيام من تلك القمة الدولية الإقليمية المحلية في شرم الشيخ. قمة القاهرة جاءت بقرارات على النقيض ومن النقيض بالكامل من قرارات قمة شرم الشيخ. جاءت بقرارات جديدة على السياسة الإقليمية الحاكمة العربية، لأول مرة الدول العربية بعد عشر سنوات عجاف، تجمع على مساندة الانتفاضة سياسياً والمقاومة سياسياً، ولأول مرة منذ عشر سنوات تجمع على ضرورة إسنادها مادياً بتخصيص مليار دولار لصندوقي الانتفاضة "الصمود والقدس". ولأول مرة القمة العربية بعد عشر سنوات من الانقسامات والتفكك العربي ـ العربي، بل إن الأكثرية بالعواصم العربية والت اتفاقات أوسلو، والت الحلول الإسرائيلية الأمريكية، لأول مرة القمة العربية تستعيد نفساً وطنياً وقومياً متقدماً، وتعلن تشريع الجباية الشعبية لمساندة الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية. أي النزول للشارع والتعاطي مع الشعب في مساندة الانتفاضة والمقاومة.

          وعليه: الانتفاضة أخذت روحاً مضافة في توسعها وفي إصرارها تحت الراية الجديدة، راية الحرية والاستقلال في إطار قرارات الشرعية الدولية ، بعيداً عن راية أوسلو وصفقاته الجزئية وسياسة الخطوة خطوة  الصغيرة، والحلول الإسرائيلية الأمريكية.

          جديد الانتفاضة وجديد المعادلة الحاكمة العربية ـ العربية، أعطى مفاعيله على مساحة ألف يوم من الانتفاضة التي اختتمناها قبل أقل من ثلاثة أيام، وعلى مساحة هذا الزمن مياه كثيرة جرت على الأرض الفلسطينية والإسرائيلية، وجرت على الأرض العربية والدولية، كل هذا أعطى مفاعيله وتداعياته.

          بدأت هذه التفاعلات والتداعيات بإقرار من داخل "إسرائيل" على يد جنرالات "إسرائيل" العساكر، فضلاً عن الجنرالات بالسياسة، بأن لا حلول لقضية الانتفاضة، للمقاومة، بالوسائل العسكرية القمعية مهما كانت دموية، وكانت آخر هذه المحاولات محاولات شارون عندما وقف بوجه باراك أثناء مفاوضات كامب ديفيد وصرّح "باراك يبيع أرض إسرائيل"، وأضاف "دعوا الجيش ينتصر"، وأنه إذا جاء للسلطة بالانتخابات المبكرة، فإنه "سينتصر على الانتفاضة والمقاومة في مائة يوم".

          الآن مضى علينا أكثر من ألف يوم، فوصل شارون إلى الاستعصاء ذاته الذي وصلت له حكومات إسرائيل من الفترة الواقعة بين هزيمة يونيو 1967 ونهوض المقاومة الفلسطينية العاصف رداً على الهزيمة، وعلى دروب إعادة بناء الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية المعطلة، إلى مدريد ـ أوسلو حتى مجيء شارون. وصل شارون قبل أسابيع قليلة إلى ذات الاستعصاء، فقال بأن الحلول العسكرية لن تؤدي إلى حلول، بعد أن اجتاح كل الأرض الفلسطينية وعمل ما عمل بكل مجازره الكبرى المعلومة الدموية، وأطلق عنان الاستيطان. ففي زمن شارون من مارس 2001 حتى الآن، بنى ما يزيد على مائة وخمسة بؤرة استيطانية، فضلاً عن توسيع المستوطنات تحت ادعاءات متعددة من بينها التكاثر الطبيعي. وصل شارون إلى القول بأنه "لا يمكن إدامة الاحتلال إلى الأبد"، واستخدم لأول مرة هذا التعبير، لأن شارون من الآباء الروحيين الكبار للإدعاء الميثولوجي والإدعاء الإيديولوجي بأن كل فلسطين التاريخية هي أرض "إسرائيل"، وبالتالي لا زال يستخدم تعبير "التنازلات المؤلمة" لأنه برأيه يقتطع من "أرض إسرائيل" من اللحم الحي الإسرائيلي، ومع ذلك سلَّم بما فرضته حركة المقاومة منذ عام 1967 والانتفاضة الجديدة، والنهوض النسبي للجماهير العربية "لا يمكن إدامة الاحتلال إلى الأبد"، لا عليه احتلال شعب إلى الأبد. وأضاف: حان الوقت لتقسيم أرض هذه البلاد"، وهذه أول مرة ينطق بها شارون زعيم قوى اليمين واليمين المتطرف، الأب الروحي للاستيطان، الداعية الذي لا يقل ميثولوجيا وإيديولوجيا "أرض إسرائيل على كامل أرض فلسطين"، وإذا أمكن ما جاء في نظريات جيسبونسكي تعرفونها على يد اليمين، تمتد إلى الأراضي الأردنية، وشيء من الأطماع البراغماتية تجمع عليها أحزاب اليمين واليسار الإسرائيلي الصهيوني في الجولان، وقبلها كان شيئاً من هذه الأطماع في سيناء.

تداعيات الضغوط الإسرائيلية ـ الأمريكية ،وسياسة الإنفراد بالقرار الوطني فرضت منصب لرئيس وزراء فلسطيني، كما فرضت تشكيلة وزارية من لون واحد ببرنامج سياسة أوسلو  أي إدارة الظهر لنداءات الوحدة والبرنامج الموحد ،عملت هذه الحكومة خلال ما يقارب المئة يوم من عمرها على تلقف كل ما ألقته الإدارة الأمريكية من وعود و ثناء لم يقدم أو يؤخر في مسار العملية الوطنية، لا بل عملت الحكومة على تنفيذ إلتزاماتها المنصوص عليها في خارطة الطريق بدون أي خطوة فعلية من جانب حكومة الإحتلال وتوترت العلاقات الداخلية الفلسطينية بشكل لم يعهده أبداً شعبنا ، وعاد الصراع إلى الطوابق العليا في السلطة حول صلاحيات هنا أو هناك ، من تحشيد الإصطفافات إلى الحرد هنا أو هناك.من ثم وصلت حكومة اللون الواحد إلى الطريق المسدود ، تعبيراً عن عمق أزمة عصفت بالإتجاه السياسي الرسمي في السلطة الفلسطينية،وكم نحن بحاجة إلى العودة إلى تعاليم الديمقراطية لشعبنا و ثورته.

منذ الإعلان عن تشكيل الحكومة، أعلنا من أن هذه الحكومة تحمل مقتلها في شكل تكوينها، من حيث كونها جاءت ذات لون سياسي واحد من كتل فتح، وقاعدة اجتماعية ضيقة ومحدودة، وضمت في عضويتها الكثير من العناصر التي أدمنت الفساد، الخلاف الذي نشب بين أركان السلطة في معظمه لم يكن مبنياً على خلافات سياسية، بل على خلافات غير مبدئية وفئوية ضيقة، على الصلاحيات والإمساك بمؤسسات السلطة، والذي تطور لدرجة بدأ يطال مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ومحاولة سرقة دورها التمثيلي. وللأسف الحلول التي اعتمدت بين طرفي الصراع جرت بعيداً عن المؤسسات الوطنية الفلسطينية، واعتمدت الحلول الإدارية لتوزيع الصلاحيات بين عرفات وأبو مازن. ولكن أؤكد من جديد بأن مبدأ استحداث منصب رئيس وزراء للسلطة الفلسطينية، أمر صحي من حيث المبدأ، ونحن نناضل من أجل نظام برلماني ديمقراطي وليس نظام فردي انقسامي، مع توزيع الصلاحيات، وضد تمركزها بيد شخص أي كان، ولكن كل هذا يجب أن يكون لصالح الانضباط في إطار برنامج القواسم الوطنية المشتركة، والإحتكام إلى المؤسسات الوطنية الائتلافية لشعبنا، وتشكيل حكومة اتحاد وطني بين الفصائل الأساسية والسلطة، تتمتع بقاعدة اجتماعية وسياسية عريضة.

 نحتاج جميعاً اليوم للجلوس إلى طاولة مستديرة بين فصائل المقاومة والانتفاضة والسلطة للوصول إلى برنامج توافقي موحد يقود إلى قيام حكومة وحدة وطنية تحت سقف برنامج سياسي موحد، والموقف من خارطة الطريق، والإصلاح السياسي والديمقراطي لمؤسسات السلطة، والمسؤولية الجماعية عن القرار السياسي، وصون حق الانتفاضة في مواصلة تطورها الجماهيري والسياسي، وخط موحد للمقاومة للخلاص من قوات الاحتلال والاستيطان، وبعيداً عن المدنيين على جانبي خط الصراع. اليوم مطالبون جميعاً بتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات ائتلاف عريض من الفصائل والسلطة بديلاً عن حكومة اللون الفئوي الواحد. تحمل برنامجاً سياسياً موحداً ، سلاحه انتفاضة ومقاومة راشدة ، بهذا نخرج جميعاً من عنق زجاجة الإحتلال و الإستفراد بشعبنا.