القومية العربية، الأمة العربية:

مفاهيم تاريخية..

الناصرية مرحلة لها معاييرها وشروطها

(بمناسبة رحيل الرمز الراحل: جمال عبد الناصر)

الحلقتين الأولى والثانية

الكاتب: باقر الصرّاف/كاتب من العراق يقيم في هولندا

الأمة العربية معطى تاريخي مشترك انغرس في أعماق التاريخ، تكونت في موازاة نشوء الدين الإسلامي، وفي ظلِّه. اللغة العربية الفصحى [1] هي المنجز القرشي [2] النبوي القرآني، كانت اللغة في المرحلة الجاهلية تحتفظ بتراث أدبي هائل لا سيما على المستوى الشعري والأمثال البليغة. الإسلام كوَّنَ مجتماً عربياً لذاته على حساب الذات القبائلية المتفرقة، المتنافسة، المتحاربة [3] بعد رحلة طويلة اِمتدت من التنقل والعيش بالخيام التي سرعان ما تطوى للرحيل وراء الكلأ والماء والأمان، والمرور بالمنازل التي تميزت بالاِستقرار غير المديد؛ لكنها تبحث عن مسببات العيش الصناعية والزراعية التجارية البدائية. وصولاً إلى مرحلة الاِستقرار بالسكن وتأسيس المدن والاِجتماع وتأسيس الحكم والإدارة والتجمع حول الكعبة الواحدة، بعد أنْ كان لكل قبيلة كعبتها وإِلهها.

وكان لمفهوم الإله والرسالة الدينية دور كبير في صيرورة الأمة العربية. ((مَنْ تكلم العربية فهو عربي)) كما يقول النبي محمد (ص)، الإنسان الإلهي العبقري المبدع كما لفت نظرنا إلى ذلك أحد الباحثين، بعد أنْ لاحظَ اِستخدامي لمفهوم الرباني، فيما قال الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي في أحد برامجه اللغوية الدينية: الإلهي أصح لغوياً ومعنىً وإنها صانت المجتمع العربي من التحلل والتفكك والاِضمحلال طوال القرون، لا سيما خلال السطوة التتارية التي أدت إلى سقوط بغداد، وطوال فترة الهيمنة العثمانية، التي دامت أكثر من ثلاثةَ عشرةَ جيلاً، لذلك فإنَّ محمداً (ص) ((لم يكن نبي الإسلام فحسب بل نبي اللغة العربية والثقافة العربية على اِختلاف أجناس المتكلمين بها وأديانهم))، [4].

ساعد على رسوخ وتطور اللغة العربية: التبادل البضاعي، البيع والشراء، التسوق اليومي، تعامل المنتجين مع الذين يصرفون هذا الإنتاج، تداول الأحاديث الثقافية، وحفظ الكلام الجميل: الشعر وخلافه، التخاطب الشفوي بين أبناء المجتمع، ناهيك عن كونها لغة التخاطب الرسمية، ولغة المتنورين المتفقهين، كونها لغة الكتاب المجيد، الخالد، القرآن الكريم، ولغة أهل بيت الرسول وصحابته، ولغة أهل الحكم والخلافة، لغة القيادات العسكرية والمدنية؛ لغة الإدارة المركزية أو غير المركزية طوال مئات السنين ؛ قصدُ مكة للحج عزز تبادل شؤون الدين الجديد جماعياً ومن كل الأمصار التي تتعاطى اللغة العربية، وساعد على إيجاد مركز روحي واحد... كل ذلك كوَنَ وعزز المجتمع العربي، المجتمع الذي تحقق إدارياً وسياسياً ووجهه الوجهة التي ساعدت على نشر الرسالة الدينية؛ وبالتالي كوَنَ منها أمة لها سماتها القومية الخاصة.

وفي فترة الرسالة النبوية وضع إطار الخلافة السياسية والدينية، لم تكن فكرة الإمارة السياسية المركزية بارزة للعيان بعد. الأمة أخذت في التبلور خلال سيرورة من التطور المديد. أعلنَها الرسول (ص) بقيام ((الأمة)) في المدينة عندما ((وضع كتاباً بين المهاجرين والأنصار ومن تبعهم وجاهد معهم، واِعتبرهم أمة واحدة من دون الناس. وجعل الكتاب أمن الأمة الداخلي والدخول في الحرب والسلم أموراً مشتركة يلتزم الجميع تجاهها حسب مصلحة الأمة. وجعل كتاب الله وسنَّة رسوله دستوراً للأمة. ومع أََنَّ القبائل بقيت وحدات اِجتماعية تتحمل بعض المسؤوليات كالدية والفدية في إطار الأمة، فإنَّ الولاء والمسؤولية يرتبطان بالأمة. وصارت العدالة والأمن والشؤون العامة تهم الأمة ورئيسها))، [5].

ولكن الدين الجديد لم يفرض توحيد اللغة العربية فقط، وإنما وحَدَّ المجتمع والسُوق، وأرسى خصائص نفسية على أرضية اِقتصادية وثقافية، جراء صيرورة الخلافة العربية الإسلامية مركز اِستقطاب وإدارة للسياسية العملية في مكة ولاحقاً في دمشق، ومن ثمَ اِستمرارها في بغداد حتى اِنهيارها سياسياً.

هي بالنسبة للأمم الأخرى أمة قائمة في صعودها أو هبوطها، تقدمها أو تخلفها. المعايير لهما متفاوتة على ضوء المعادين لها أو المؤمنين بها، بالنسبة لنا أمة متجددة، كونها في حضور دائم، تحاول عبر العمل التضامني، التجمع، التوحد: أنْ تكون ذاتا فاعلة في هذا العالم؛ الآخرون: المناهضون لها: يحاولون إلغاءها من عالم الفعل أو تهميشها في أحسن الأحوال. هذه المعادلة كانت كياناً موضوعياً ولا تزال قائمة وحيوية، كان تكونها أي صعودها و صيرورتها يعتمد في بناء ذاتها القومية خلال الفترة الأولى من نشوئها، على الداخل العربي؛ التكوين البشري العربي، وتدافعها الاِجتماعي. أما دمارها الكلي وإنهائها الشامل، سواء المادي أو المعنوي: أي سقوط مراكزها السياسية الهامة: فكان يأتي غالباً وأساساً من الخارج، عبر الحروب عليها والمدمرة لبنائها والغزوات المباشرة أو غير المباشرة. كان للتمزق بين أمرائها وما استتبع ذلك دور هام في الضعف الذي أدى إلى سقوطها ولكن لم يكن الأهم.

الفرد القوي الذي يتبوأ المركز السياسي القيادي الأول غالباً، لا سيما في فترة اِزدهار الأمة، ذو الهِّمة والتصميم والإرادة، ويحسن التصرف على ضوء ما عنده وفي يده، ذو الرأي الإداري السديد، المفكر أو المجتهد بالمفهوم الإسلامي، وصاحب العزم، ((قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أنْ يفعل، جسوراً عليه مقداماً غير خائف ولا ضعيف النفس))، مثلما يذهب إلى ذلك الفارابي... كان ذلك الفرد يلعب الدورَ الرئيس والملموس في الوضع السياسي العربي، ويشكِّل الترس الرئيس في عجلة السلطة العربية المركزية، التي تستمد مبرراتها من الهوية الحضارية العربية الإسلامية. العدالة والمساواة أو الظلم السياسي والتمييز القومي؛ ليست هي وحدها المعايير الأساسية في صيرورة الأمة العربية وتكونها واِستمرارها.

((الشعوبية)) كمفهوم وفق التسمية الجاحظية، هي عنوان الجسم البشري المعادي الجديد للأمة العربية الإسلامية آنذاك، الذي تسلل في الجهاز الإداري نتيجة حيازته على كفاءة في عالم الفكر والتنور والتفقه في عقيدة العرب الجديدة: الإسلام، إضافة لشعوره السياسي بالاِضطهاد، عن حق أو من دون حق، لتحدي صيرورتها أمة عربية تتخذ من اللغة ناظماً لثقافتها وناظماً لإدارتها وسياستها: بالمعنى الثقافي والفكري، ثم السياسي إِستتباعاً.

الغزو الهولاكي، الحرب التتارية الشاملة، كان الهدف منها السيطرة والتملك والتدمير والإمحاء، لذا كان البشر العرب والمنجز الثقافي، غايته المباشرة من التدمير العشوائي الرهيب والاِجتياح التخليفي للتقدم المجتمعي الإسلامي، في مركزه الحضاري العربي الإسلامي؛ عاصمة الإمبراطورية العباسية: بغداد؛ والقضاء على الأُسلوب الإداري والسياسي، إذ أنَّ التكوينات التتارية ((أسست إدارة خاصة، وهي ما عدا أيام حروبها ومقارعاتها لم تتعرض للأديان والمذاهب، إلاّ أَنها ناصرتْ الأقليات، أو بالتعبير الأصح اِعتمدت عليها ولم تَدعْ جانباً من جوانب السياسة العامة إلاّ وَلَجته... واِستخدمت هؤلاء لتقوى في الإدارة على العنصر الغالب وتجعلها وفق ما هو مرغوب لديها، أو لتمَّشي خطتها، وتسيِّر سياستها كما تشاء... فكانت من أمهر الإدارات في خططها الاِستعمارية، وسياستها الداخلية)) [6].

المرحلة العثمانية التي اِتخذت الرؤية الدينية الإسلامية لها ومن المفاهيم الإسلامية منظومة فكرية لأيديولوجيتها على المستوى العربي والعالمي، كانت مرحلة تخليف للأمة بالمعنى الحضاري، وليس إنهاءً للوجود القومي العربي، شمل التخلف كل مواقعها الجغرافية مع اِختلاف النسب هنا وهناك في مواقعها البشرية. التقدم الأوروبي/العالمي الحضاري وزحف قواه الإستراتيجية، هو المعيار الموضوعي في قراءة التطورات وفهم نسق الأحداث وإنتظاماتها؛ في مراحلها الأخيرة وتحت قيادة حزب الاِتحاد والترقي: ذو النزوع الطوراني، حاولت الإمبراطورية إلغاء مفهوم الأمة العربية وبنيتها التكوينية من الفاعلية البشرية وتهميشها كلياً، عبر التتريك اللغوي المستعمل في المراكز الإدارية، وتوظيف الأتراك في المراكز الإدارية الهامة، المركزية، المرحلة العثمانية كانت مرحلة تخلف لجميع مكونات العرب الاِجتماعية، [7].

ولعل العلاّمة الفقيه اِبن خلدون كان يستقريء التاريخ المستقبلي لمفهوم الأمة العربية عندما أكد على عامل اللغة... أكد ((على العربية، واِعتبارها أساس النسبة إلى العرب)) التي ((بدأت بالإسلام واِستقرت منذ القرن الثالث الهجري)) [8]، كونها أسست ثقافة شاملة، وأرست رؤية كلية، لم تكن مرتبطةً ((بالوحدة السياسية والسيادة المركزية للخلافة، بل بقيت تشَكِّل هوية ثقافية معنوية مستقلة بذاتها، تجاوزت الاِعتبارات الإقليمية والمحلية)) [9].

تحررها إثر ذلك ونهوضها مجدداً، يبرهن على حيويتها ومؤشرات نهوض العرب مجدداً، المسافة بين الماضي المتخلف الذي اِستغرق القرون، وحاضرها الاِجتماعي خلال القرن الفائت والعشرين كله، رغم تشرذم واقعها السياسي والإداري، أكثر من ذي قبل، بفعل التجزئة وأساسها الكامن في العمل الاِستعماري الأجنبي... كانت خطوات تحررها ونهوضها هائلة جداً في ميدان التقدم على ضوء واقعها التاريخي: الاِجتماعي والسياسي. لغتها صار مُعترفأً بها، ونسب التعلم لها على مستوى الداخل تنمو وتتطور، ثقافتها معروفة للمجموع البشري تشهد الترجمات الأجنبية منه وله؛ حضورها في الموقع السياسي العالمي: سلباً أو إيجاباً، أصبح مميزاً، تدني تطورها في خريطة التقدم العالمي نسبياً: غدا قصيدة رثاء راهنة ودائمة عند مريدي نهضتها المتواصلة، أو الأساس الذي يبني على ضوء معطياته الملموسة آفاق نهضته المرجوَّة، لا سيما عند دراسة الواقع العربي الراهن والملموس المجسَّد، عن طريق المعلومات والأرقام والمفاهيم، لا التقرير الأيديولوجي المجرَّد... إلخ.

المعيار عندهم تشوف المستقبل المرتجى وفق مقاييس التطورات العالمية، في التحرر والتطور والتقدم والتوحد والبناء، ليس أَدَّل على ذلك اِستحضارهم المتكرر لمفاهيم وذكريات الحروب الصليبية، والاِنتصارات التي تحققت على ضوئها. ودرس أشكال توحد قوتها واِتحادها في كل منعطف تاريخي، وضروراتها في سبيل تحقيق الاِنتصار. على سبيل المثال وليس الحصر..

المرحلة التاريخية التي مرت بها الحركة القومية العربية الحديثة والمعاصرة، التي اِستغرقت كل أعوام ما بعد التحرر من الهيمنة العثمانية/الطورانية التركية، والتي ما تزال قائمة حتى القرن الحادي والعشرين، اِتسمت بصفتي: التقليدية والحديثة على سبيل التوصيف النظري، كمفاهيم سياسية مُفترضة، ننتهج فيها دراسات المرحوم الفقيد هاشم علي محسن حول الموضوع، الواردة في العديد من منجزه التحليلي وفي كتبه [10] الأولى: مرحلة الحركة القومية العربية التقليدية، تشير إلى سيادة قيم وأفكار وأنماط الأنظمة السياسية التي جاءت إثر الثورة العربية التي قادها الشريف حسين من مركزه في مكة، الذي اِرتضى أبناؤه اِستبدال اِستعمار عثماني متخلف، من وجهة نظرهم، باِستعمار أوروبي متقدم، بذرائع متفاوتة، بدلاً من التحرر والتوحد العربيين، كما رفعته شعارات الثورة العربية قبيل وعند التحرر من العثمانيين، فكانت هناك اِتفاقات سياسية مشتركة مع الأسياد الجدد، وعقد اِتفاقيات ومعاهدات عسكرية مع الدول المنتدِبة والمستعمِرة الأوروبية، تلك هي المجريات الجوهرية للتاريخ الذي كانت وقائعه تجري فوق أرض الوطن العربي، في أعقاب مرحلة التحرر القومية العربية من الهيمنة العثمانية، كما يُقال.

أما البداية التي اِحتوت الثانية: الحركة القومية العربية الحديثة، فهي اِندلاع العمل المسلح لنيل الاِستقلال السياسي، والعمل الجماهيري المطلبي لتحسين الحال ونيل الاِستقلال الحقيقي والتحرر الفعلي، ضد الأجنبي في مصر والعراق وسوريا وفلسطين. خصوصاً. وتأسيس المنظمات والأحزاب السياسية المطالبة بالتحرر الوطني والقومي الناجز، ووجدتْ في شعارات الثورة العربية التي نشب أوارها في عام 1916 المَعِين الفكري التي تغترف منه، والزاد الذي تنهل الكثير من محتواه.

كان تطور فكر وسياسة المنظمات والأحزاب التي رافقت هذا التطور وزامنتها أو أعقبتها، هو السمة البارزة على طابع المحتوي الإيديولوجي لها، كانت شعارات الوحدة والحرية والاِشتراكية أو الحرية والاِشتراكية والوحدة، التحرير والديموقراطية والوحدة والتقدم الاِجتماعي والتطور المنشود، أو الترتيب المختلف لتتابعاتها، هي العامل المشترك لعمل حركة التحرر القطرية وحركة التحرر القومية العربية. كانت القضية الفلسطينية في موقع القلب من هذه التطورات الفكرية والسياسية، وتحقيق الوحدة العربية الهدف المنشود لها. الوحدة وتحرير فلسطين كان العنوان المشترك لفعاليات الأنظمة العربية أيضاً: سلباً أو إيجاباً، اِنتصاراتها وهزائمها، صعودها وتقهقرها، أي إنَّ التحرير والوحدة: غدت مرة أخرى، هي المظهر الرئيس للممارسة السياسية العربية. كانت عملية تأميم قناة السويس في عام 1956 هي الذروة في ذلك النهوض، والمؤشر الأساس على أهمية تلك المرحلة من مراحل تطور الأمة. كان الرئيس جمال عبد الناصر هو الرمز لها، والمعبِّر عن طبيعة مرحلتها السياسية التي إِنتظمتها على مختلف الصُعد التي تهم الأمة العربية، هو المعزز لهذا لنهج السياسي الملموس جماهيرياً. وجاءت الوحدة العربية بين مصر وسوريا في 22 شباط 1958 لتكرس حضوره السياسي في المنطقة العربية: الجمهورية العربية المتحدة ورمزها وإعلامها، وليكون كذلك بؤرة جذب لكل الجماهير العربية التي تتشوف المستقبل وتتطلع له، وهو الذي اِفتتح عملية الصدام مع الغرب الأوروبي الاِستعماري: البريطاني الفرنسي على وجه التحديد، من موقع السلطة، وسيادة النظام القومي العربي على سدة الدولة.

كانت الديموقراطية في فترة صعود الحركة القومية الحديثة مُستمدة من ضرورات التطور الاِقتصادي والاِجتماعي، الثورة الوطنية الديموقراطية هي الهدف الذي يسعى المجموع الوطني والقومي بالمفهوم الحديث لتحقيقه، لم تكن الديموقراطية السياسية بالمفهوم التي أفرزته العولمة الأمريكية راهناً هي المقصودة. والذين نقلوا شعاراتهم من كتف اليسار إلى كتف اليمين يدجلُّون على قواعدهم قبل أي طرف آخر وعلى حَدِّ تعبير أحد المثقفين الماركسيين العرب، ((ما أغبى وما أتفه الذين اِنقلبوا من أقصى اليسارية البروليتارية أو الفلاحية العالم ثالثية والبؤرية إلى أقصى الليبرالية والعلموية)). [12]. وعند البعض أصبح اليوم لا يقتصر على مفهومي الغباء والتفاهة؛ أصبح نهجهم السياسي قوامه اِرتكاب الخيانة الوطنية والقومية، نسغه الحيوي الذي يديم الحياة هو الاِتصال مع الأجنبي المعادي للأمة العربية، الذي يشُّن الحروب العنيفة وغير العنيفة عليها، أما حملاتهم الفكرية/الدعائية فقد صارت مهمتها الرئيسة تنطوي على مثلما تتخصص مهاجمة مناهضي: القوي السياسية والنظُم الحاكمة في الغرب والترويج لرؤيتها السياسية، [13].

الأمة العربية: كوجود وذات وهوية ومجتمع عربي، تتعايش مع الآخرين بوئام، كانت تقوم على الاِختلاف والتنوع في بنيتها البشرية، في اِختلافها وتنوعها الجغرافي/السياسي، في بيئتها الحياتية والتوزيعية، ولكن القاسم المشترك هو المجتمع العربي؛ في نطاق الاِلتزام الحضاري العربي الديني: الإسلامي على وجه الخصوص، عندما صارت أجزائه دولاً قطرية مُستقلة اِعترفت بالآخر وفق الظروف المتاحة والأزمان المتفاوتة، اِعتبرت الأكراد شركاء في العراق منذ 14 تموز 1958، يوم لم يكن للحركة الحزبية السياسية الكردية في العراق التأثير المباشر على قرارات قيادة حركة القومية العربية الحديثة للتغييرات والتطورات العراقية؛ واِختيار شخصية كردية في عضوية مجلس السيادة هو الآخر برهان على ذلك الاِتجاه، مقارنة وضع الأكراد بوضع أشقائهم في كردستاني إيران وتركيا يبين ذلك بالملموس، أولاً، صارت اللغة الأمازيغية لغة رسمية ثانية في الجزائر: وهي التي ((لا تمتلك قواعد نحوية، وصرفية، ولا تمتلك مفاهيم علمية، وفلسفية، وأدبية، وبلاغية، وإدارية)) [14]، كما يقول أحد الباحثين، المتابعين: السيد أزراج عمر، ثانياً. اليوم تحذو المغرب حذو الجزائر وتقر اللغة الأمازيغية لغة ثانية فيها، سُنَّة التطور يتواءَم معها العرب، وذلك يكتسي الأهمية التاريخية.

المجتمع العربي تعاون مع أشقائه في الملمات والأفراح، لم تنوجد التناقضات القومية العمودية المدمرة معهم، إلا عندما تخلى البعض عن القيم الدينية الحضارية: القيم التكوينية المشتركة التي تطبع المنطقة بسماتها الخاصة... إلا عندما وجد في التعاون مع الأجنبي السياسي الغربي طريقاً أسهل من التعاون مع الأخ والشقيق والمجاور، وعلى حساب الأمن الوطني والقومي العربي، [15].

كانت الأمة العربية وما تزال كذلك تحاول العيش المشترك مع الآخر، لم تعتدِ على أحد. في الزمن الراهن: كانت تدافع عن نفسها على الدوام أو في الأعم الأغلب، تريدُ تحقيق وحدتها الفيدرالية أو اِتحادها المأمول أو تضامنها الفعلي المنشودة عند أبنائها، اِسترجاع حقوقها التاريخية التي اُغتصبت أو أُهدرَت لصالح الذات الأجنبية. الخلافات الجوهرية التي أَدت إلى نزاعات وحروب بين أقطارها المكونة لها: كان الأجنبي المعادي لنا: ممن ولّى الملوك والأمراء علينا، يحرِّك عواملها ويؤجج نيرانها، الحكّام الذين لم يخترهم الشعب العربي في غالبية مختلف أقطاره أو ممن قد يختارهم بواسطة أهل الحل والعقد والشورى وفق المفاهيم الدينية والإسلامية لإدارة شؤون المجتمع العربي، جعلوا نشوبها أسهل. ذاتها القومية ينبغي تأسيسه على روحية اِختلاف أمتي رحمة. الدولة لفائدة المجموع الوطني القطري ومجتمعها، وكذلك لفائدة دولة المستقبل القومي العربي الفيدرالية. السلطة السياسية شأنٌ خاص بالتدافع والتنافس والغلبة سلمياً وعلى أساس ما تفرزه صناديق الاِقتراع الشعبي. الدولة هي من حق المجموع الذي يمثل هذا المجتمع: سواء أكان تكويناً فكرياً منفرداً أو تكويناً اِجتماعيا سياسياً فكرياً متحالفاً.

الدولة السياسية المعاصرة كمفهوم حديث تنامي على حساب مفهوم الأمير أو الإمبراطور ذي الصلاحيات المطلقة... مفهوم يمثل الأرض أو الوطن، المجتمع أو الشعب وكذلك معه المؤسسات الحكومية التي ينمو تكوينها مع صيرورتها واِحتياجاتها وتوفر الإِمكانيات واِنبثاق الوعي الفكري الملازم عن التجربة اليومية والمرحلية المعاشَتين، لذا ينبغي أنْ تكون في خدمة جميع المواطنين، مرافقها العامة مشتركة، أو كما يقول الفقيه القانوني العراقي المرحوم حسين جميل: ((الدولة مؤسسة تخدم الجميع على حدٍّ سواء، لا يدخل في حساب تأدية الخدمات النظر إلى أي اِختلاف بين المواطنين وفئاتهم من أي نوع كان الاِختلاف)) [16] تناوب إدارة السلطة فيها فرصة ينبغي أنْ تكون مفتوحة أمام الجميع الذي يعمل في سبيل الصالح العام الذي يخدم الوطن والمجتمع في القطر الواحد أو في الأمة المجَزأَة، الاِلتزام الديني يتم على أساس الاِقتناعات المشتركة والإيمان الشخصي بالدرجة الأولى، على أرضية توافق وطني سياسي وفكري واضحين. حقك ينتهي عندما يصل حدود الحق لي. والدولة الدستورية هي التي تضمن الحق للمجموع المجتمعي كما يذهب إلى ذلك أحد المثقفين المناضلين العرب. ينبغي للمفاهيم الفكرية التي توصلت لها البشرية، وفي خدمتها، أنْ تكون وعياً ثقافياً وقاسماً سياسياً مشتركاً عند المجموع المجتمعي العربي.

الهوامش الخاصَّة بهذه الرؤية

[1] تطرق إلى ذلك إلى ذلك كتاب إشكاليات العقل العربي: نقد العقل العربي، من تأليف جورج طرابيشي، ط1، 1998، الصادر عن دار الساقي، 177 - 179، حيث يتطرق إلى مناقشة الموضوع نشوء اللغة العربية، وتعدد اللهجات العربية، وسيادة اللغة الفصحى، القرشية، على جميع اللهجات.

[2] يقول اِبن منظور في لسانه إن قريشاً سُميَّت بذلك، ((لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع، من قولهم فلان يتقرش المال: أي يجمعه))، عن كتاب أحمد أمين الموسوم فجر الإسلام، إصدار دار الكتاب العربي، بيروت/لبنان، الطبعة العاشرة، 1969، ص 14، وإنَّ قصي من قريش كان أول مَنْ ((أصاب ملكاً وأطاع له قومه فكانت له الحجابة والرفادة والسقاية والثروة واللواء والقيادة فلما جمع قصي قريشاً بمكة سمي مجمعاً))، راجع كتاب خليل عبد الكريم المعنون: ((قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية))، إصدار مؤسسة الاِنتشار العربي، بيروت/لبنان، وسينما للنشر، القاهرة، ط2، 1997، ص 45)).

والكتاب بمجمله يبحث في العوامل الموضوعية التي أَدت إلى نشوء الدولة العربية المركزية: ((والمؤلِف ينطلق من تلك اللبنة {القبيلة القرشية} مدققاً النظر في البناء كله، متوقفاً عند أهم تفاصيله مُبرزاً الملامح الذاتية لأعمدة ذلك البناء، إلى جانب إبراز الظروف الموضوعية العقائدية والسياسية والاِجتماعية والاِقتصادية والثقافية التي واكبت عملية البناء))... ((الهادف إلى إضاءة الطريق: من أجل إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي بأسلوب موضوعي... علمي))، كما جاء في الكتاب وعلى صفحته الأخيرة.

[3] راجع المصدر السابق، على سبيل المثال، وخصوصاً الصفحات377 - 392، المعنونة: مصالح صناديد قريش، وكذلك كتاب السيد الدكتور عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي الأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان/بيروت، الطبعة الثالثة، كانون الأول/ديسمبر 1986، وخصوصاً الفصل الأول: العرب قبل الإسلام، الموطن والموقع والأصول، والفصل الثاني المعنون: الإسلام والعربية، تكوين المجتمع العربي الإسلامي في المشرق، في المغرب.

[4] يستند السيد محمود كامل المحامي في إقرار هذه الحقيقة على المؤرخ جورج سارتون، راجع كتابه المعنون الدولة العربية الكبرى، إصدار دار المعارف بمصر: مكتبة الدراسات التاريخية، دون تاريخ وإنْ أشارت المقدمة إلى تاريخ أُكتوبر سنة 1958، ص 131.

[5] الدكتور عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي... مصدر سبق ذكره، ص38.

[6] راجع الكتاب الموسوعي، التوثيقي، المعنون: تاريخ العراق بين اِحتلالين {أي اللاِحتلال المغولي عام 1258 والاِحتلال البريطاني في عم 1917، تأليف المحامي عباس العزاوي، المكون من ثمانية أجزاء، طُبع في بغداد عام 1953، الجزء الأول، ص 36، والنسخة المعتمدة هنا الطبعة المنشورة من قبل إِنتشارات الشريف الرضي، قُم، إيران عام 1410 هجرية.

[7] راجع كتاب الدكتور توفيق برو المعنون: العرب والترك في العهد الدستوري العثماني 1908 - 1914، إصدار دار طلاس، دمشق/سوريا، ط1، 1991، والكتاب عبارة عن دراسة أكاديمية يبحث في الإمبراطورية العثمانية، وهو ((خلاصة الحديث عن الفترة الأخيرة من تلك العلاقات، لا سيما منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حتى نشوب الحرب العالمية الأولى، غير أنَّ أهم ما يلفت النظر فيه التفاصيل الوافية عن بزوغ فجر القومية العربية، في الربع الأخير من ذلك القرن، أَثراً من آثار ظهور واِشتداد حركة النهضة العربية الثقافية والاِجتماعية الحديثة، ثم اِحتدام العواطف القومية من خلال ما فرضته ظروف اِستبداد السلطنة العثمانية بشخص حُكّامها أعضاء جمعية الاِتحاد والترقي وخطر سياستهم، على أثر إعلان الحكم الدستوري الثاني عام 1908، واِشتداد عزمهم على محو معالم شخصية العرب والقضاء على مقومات قوميتهم، من لغة وثقافة، الأمر الذي اِستوجب نضالاً مرهقاً خاضه القوميون العرب خلال عشر سنوات (1908 - 1918) خُتمَ بها العهد العثماني، فحققت الأمة العربية تحررها وإِنعتاقها من نير ذلك العهد))، {من صفحة الغلاف الأخيرة}.

[8] راجع كتاب دراسات في القومية العربية والوحدة، لمجموعة مؤلفين، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، ضمن سلسلة كتب المستقبل العربي (5)، بيروت/لبنان، ط2، تشرين الأول/أكتوبر 1992، والاِستشهاد مقتطع من دراسة الدكتور عبد العزيز الدوري المعنونة: اِبن خلدون والعرب (مفهوم الأمة العربية)، ص 55 - 96.

[9] راجع كتاب: وحدة الثقافة العربية وصمودها بوجه التحديات، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية والمجمع العلمي العراقي، ط1 بيروت/لبنان، كانون الثاني / يناير 1994، والاِستشهاد مقتطع من دراسة السيد عرفان عبد الحميد فتّاح المعنونة: العقيدة الإسلامية، وأثرها في وحدة الثقافة العربية الإسلامية، والبحث هذا جزء من الندوة التي تضمن بحوثها الكتاب، ص 130 - 131.

[10] راجع مجموعة مؤلفاته المعنونة دراسات نقدية لقوى الثورة العالمية، وكتاباته النظرية المنشورة بوساطة الدار اللبنانية للتوثيق والنشر والتوزيع على مدى عقدي السبعينات والثمانينات.

[11] إلياس مرقص نقد العقلانية العربية، إصدار دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق/سورية، ط1، 1997، ص 824.

[12] نظراً لكوني عراقي الجنسية القطرية، أود أنْ أستشهد بتجربة الحزب الشيوعي العراقي على هذا الصعيد، فقد اِتضح أَنَّ ((خمس لقاءات لقيادتنا مع المخابرات الأمريكية والبريطانية، وكان آخر لقاء لها مع المخابرات عام 2001 على هامش اِجتماع المؤتمر الوطني في نيويورك، وعلى ذكر اللقاءات مع المخابرات الكثير من الاِنتهازيين والمدسوسين في منظمتنا الحزبية في دول المهجر عندهم نفس النشاط، والقنصل الأمريكي في دمشق يحب تناول شرب الشاي العراقي في مقرِنا دورياً، ناهيك عن زيارات منسقة تحدث في المنطقة الكردية)).

((... واِنطلاقاً من حاجة العناصر الاِنتهازية إلى مَنْ يناضل عنها، واِعتماداً على تلك الصورة الزاهية الألوان التي تعكسها وتفترض أَنَّ الآخرين يرونها، حزمت هذه العناصر أمرها وقررت التحالف مع الإمبريالية العالمية، خصوصاً وهي سبق وأنْ مهدت أما عبر تصريحات أو لقاءات أو عبر السياسات اللاوطنية التي برزت على مدى السنين العشر الماضية، ولأجله اِلتقى عام (1998) الرفيق أبو داوود: {السكرتير العام للجنة الحزب المركزية} بريتشارد دوني في مكتبه بخارجية أمريكا، وقد علَّق عليه آمالاً كبيرة على هذا اللقاء، لذا واِنطلاقاً مما يراه هو من صورة بالألوان الزاهية، أراد رفيقنا أنْ يتم تحالف الحزب مع الإدارة الأمريكية بمعزل عن (المؤتمر الوطني) وطرح اِسمي الرفيقين (ف و ع) كحلقة اِتصال، لكن ريتشارد دوني وهو يعرف حجم حزبنا الفعلي)) تجاهل العرض، أما اللقاءات اللاحقة التي تمت بين الرفيق (ص ل م) والخارجية الأمريكية على مدى الأعوام (1999 - 2001) اِنتهت هي الأخرى دون جدوى.)) [راجع المطبوعة التي أصدرها الكادر الحزبي (رقم 15) في 31/3/2002]، التي وثَّقَت ما هو معروف للملأ المتابِع، وإنْ حاولت تضخيم دور الذات {وفي الفترة الأخير صار هذا السكرتير عضواً في مجلس بريمر الذي عينه لإِدارة الوضع السياسي في العراق مع الاِحتفاظ بقرار حق اِتخاذ الفيتو ضد قراراته التي لا تخدم الرؤية الأمريكية .

في وقتٍ تعيش هذه المجموعة التي تقود الحزب أضيع من الأيتام على موائد اللئام ! !، المطلوب من المجموع المثقف الواعي المسؤول أمام ضميره السياسي، أمام أمانته التاريخية للجماهير الوطنية، مراجعة التجربة على ضوء الأساسات الفكرية التي أفرزتها تجربة الوطن العربي في مختلف أجزائه، وعي المفاهيم الفكرية للكلمات والمصطلحات، التخلي عن الأوهام، أو الإيمان الأعمى بصدد بعض المقولات، فهم معنى الحزب، إدراك مفهوم الطبقة الفعلي في الواقع الاِجتماعي العراقي والعربي كذلك وعي أسلوب الإنتاج الذي أفرزته التجربة الروسية الذي آل إلى مفهوم دولة كل الشعب والاِشتراكية التي تُبنى على أسسها الخاصة، أي التزوير الفظ لمفهوم مفهوم الاِشتراكية التي تعني خدمة الإنسان والوطن قبل أي اِعتبار آخر سواء أكان ذلك لخدمة الحزب أو القائد،... إلخ ].

[13] راجع صحيفة ((العرب العالمية))، التي فيها الملحوظات النقدية للموضوع المشار إليه للسيد أزراج عمر، بالعدد المرقم 6375 والصادر بتاريخ 11/4/2002 تحت عنوان: ((إقرار الأمازيغية لغة وطنية خطوة إيجابية)). بينما يقول كاتب آخر هو السيد تيسير بن موسى في الصحيفة ذاتها، إنَّ ((الجماعات الأمازيغية تنقسم في فروعها ولغاتها إلى أكثر من عشر فئات، وكل فئة تلتقي إلى حدٍ ما في بعض أصول اللغة الأمازيغية لكنها تختلف اِختلافاً بيناً في التعابير والاِصطلاحات اللغوية، وأيضاً بنطق الحروف))، والمقال المشار إليه أعلاه كان تحت عنوان: ((الاِعتراف باللغة الأمازيغية هل أنهى المشكلة ؟؟))، وورد بالعدد 6385 الصادر بتاريخ 24/4/2002، والموضوعان يتناولان القضية الأمازيغية في الجزائر.

[14] للإطلاع على سبيل المثال لا الحصر كتاب شلومو نكديمون: الموساد في العراق ودول الجوار، اِنهيار الآمال الإسرائيلية والكردية، ترجمة بدر عقيلي الصادر عن دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، عمّان/ الأردن، ط1، 1997، وكتاب الندوة العربية الإيرانية، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، لبنان/بيروت، تموز/يوليو 1996، ص 545 - 556، مثلاً.

[15] راجع كتيب المرحوم السيد حسين جميل الصادر ضمن سلسلة الثقافة القومية: حقوق الإنسان في الوطن العربي، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت / لبنان، شباط/فبراير 1986، ص 173.

[16] ملاحظة جديرة بالاِنتباه: لقد أُعدت هذه الدراسة قبل الغزو الأمريكي والسطو واِحتلال العراق.

 

المركز المكاني ضرورة للأمة

في التوحد الجغرافي بعد الديمومة التاريخية وسيرورتها

بمناسبة رحيل القائد الرمز جمال عبد الناصر

الحلقة الثانية

كان المركز لرسم التطورات القومية العربية كإقليم عربي موحِد مُفترَض أساسه المادي الأمة العربية كمعطى تاريخي مشترك يحظى بالأهمية الكبرى من ناحية إعمال العقل في صيرورته التاريخية ودينامياته التكوينية عاملاً مهماً في تكونها التاريخي . كانت مصر تشكل المركز السياسي في الزمن التاريخي الراهن الذي أعقب نشوب الثورة العربية الكبر قي عام 1916... فترة التحرر الشامل من العثمانيين وحلول الرابطة القومية العربية في الفكر والمفاهيم، محل مفاهيم الرابطة الدينية الإسلامية وفق الرؤية العثمانية، وإقامة النُظم السياسية العربية ((المستقلة)) خلال القرن العشرين، وهي أحد معالم التطور الأساسية وفقاً للتعاقب الزمني، وهي الفترة التي شهدت إنفلاش الإمبراطورية العثمانية بعد صيرورة الرجل التركي المريض لسنوات طويلة من التدهور الذاتي والتدخل الأجنبي بشكل رسمي. وهو أشبه ما يكون بمركز مكة في المرحلة الأولى من نشوء فكرة التوحيد الإسلامية الأولى وبدايات تكوين المجتمع العربي؛ التي كان. أولاً:

للرسالة المحمدية والدين الجديد دور البؤرة الأساس في الواقع العربي الجديد، أي بدايات تبلور المركز الذي تتجمع حوله فكرة/مفهوم الرسالة الدينية وإطارها الجغرافي الأمة العربية الموحِدة والتكوين البشري العربي الذي حمل تلك الرسالة، ويوم تمحورت. ثانياً:

وتوحدت أيضاً، الكعبات القبلية العربية العديدة حولَ الكعبة المكية المركزية، الذي وضع حدّاً للمنافسات والمنازعات في إطار (( اِمتلاك السلطة في المكان المقدس: الكعبة)) التي كان لكل قبيلة كعبتها مثلما كان لها إلهها، الذي سيستمر حتى مرحلة صعود الحكم السعودي وغلبتها بالسيف على الأسرة الهاشمية، [1]، وما يقتضيه ذلك. ثالثاً:

من: اِلتفاف.حضور. وتداول. وتفقه. وتوجس. ومن ثم: تطلع نحو الخارج. وتجمع. اِستنهاض للهمم. والإيمان الضروري بهذا الدور. و رابعاً:

الاِستعداد لبذل الأثمان الباهظة في سبيل إنشائه: الأثمان المادية والمعنوية، والذي أدَّت إلى الحضور الثقافي/اللغوي الديني للأمة بالمعني الحضاري الإسلامي لكل المنتمين إلى العروبة الذين كانوا يمتلكون ثروة لغوية وأدبية هائلة قبل ولادة الدين الجديد. ولذلك، خامساً:

كانت معجزة النبي محمد [ص] معجزة لغوية تجسدت في منظومة القرآن الكريم، العصية على التكرار والتقليد والإتيان بمثله. الاِنتماء الحضاري/الديني بالمعنى التاريخي، وليس الممارسات الطقوسية التي فرضها الإسلام وجعلها اِلتزاماً فردياً واجباً على أرضية ((ألهمها فجورها وتقواها))، كان الدين الإسلامي: كفكر ومفاهيم ورأي يروجه الخلفاء والأمراء والقادة يمثل في التصورات السياسية وواقعها: إمارة مترامية الأطراف في أهم بقاع العالم آنذاك، المنطقة الوسطى: في أفريقيا وآسيا ولسلطتها السياسية/الروحية القرار السياسي النافذ في بعض الأحيان التي تجلت الذروة فيها في زمن هارون الرشيد.

لقد اِكتشف الباحث الخالد والمنظِّر النافذ واللمّاح، العميق الثقافة الجاد المخلص، المتنوع الاِهتمامات فيها المرحوم السيد ساطع الحصري: أبو خلدون المفهوم الحقيقي لذلك المركز، الواقع المكاني المطلوب بشكل مبكر، في القرن العشرين: قبيل منتصفه على وجه التحديد، وصار وعياً تاريخيا عند المفكرين القوميين العرب بشكل تدريجي ووفقاً لفترات التعاقب الزمني، وكافح فكرياً من أجل صيرورته وعياً سياسياً عند جماهير الأمة العربية، خاضَ نقاشاً واسعاً مع غالبية الأسماء الفكرية اللامعة آنذاك من موقع الاِختلاف مع الآخر الذي يبحث عن مرجعية تاريخية لفكره غير مرجعية الأمة العربية التاريخي/اللغوي وهي أساس فلسفته القومية.. خاض حواراً حول البدائل التاريخية عن مفهوم الأمة العربية، [2]، التي نظَّرَ البعض فيها للفرعونية والفينيقية وغيرها مدارس تراثية وفكرية باِعتبارها اِتجاهات فكرية مناقضة للاِتجاه الذي ترتئيه مفاهيم الحركة القومية العربية، تتجلى عصارة تلك الإِلتقاطات الفكرية بقوله: ((لقد زودت الطبيعة مصر، بكل الصفات والمزايا التي تحتم عيها أنْ تتقدم بواجب الزعامة والقيادة في إنهاض القومية العربية. لأنها تقع في مركز البلاد العربية: بين القسمين الأفريقي والأسيوي. كما تكوِّن أكبر كتلة من الكتل التي اِنقسم إليها العالم العربي بحكم السياسة والظروف، وهذه الكتلة قد أخذت حظَّاً أوفر من الحضارة العالمية الحديثة، وقد أصبحت أهم مركز من مراكز الثقافة في البلاد العربية، وهي أغنى هذه البلاد بأجمعها. كما أنها أقدمها في تشكيلات الدولة العصرية، وأقواها في الآداب، وأرقاها في الفصاحة، وكل ذلك [في أي نهضة ]... مما يجعل مصر الزعيمة الطبيعة القومية العربية)) [3]، كان ذلك الحدس الذي يستند للقرائن والحيثيات الجغرافية والتاريخية ينبثق مبكراً في التاريخ الحديث.. أي أنَّ تاريخه يعود لعام 1936 يوم كان يلعب دوره الفكري والإداري في بغداد: العاصمة العراقية، إنه يغوص في إستكناه المنطق الموضوعي للتطور في التاريخ والجغرافية وجوهرهما الفكري، تزيده اِقتناعاً فكرياً وإيقاناً منطقياً التطورات السياسية الموضوعية المرتبطة بالرؤية الفرنسية البريطانية الاِستعماريتين التي تشهدها المنطقة العربية، والمرتبطة كذلك بالمشروع الغربي: لاسيما الخطوات التمهيدية للتهويد الصهيوني في فلسطين التي تكثَّفت قبيل الحرب العالمية الثانية، أي الحضور الصهيوني في التطورات المقبلة وما يترتب عليه من صراع محتمل للاِرادات السياسية الممثلة للطرفين على المستويات المنطقية العربية. بين الراسخ في الأرض منذ مئات السنين الخمسة عشرة إنْ لم تكن بآلاف السنين من جهة، والطاريء عليها بفعل الرؤية السياسية الغربية... كانت تلك الرؤية وذلك المشروع وبحكم طبائع الأشياء قد نجمت عن الغزو الاِقتصادي وموجبات الضرورات الاِستعمارية، من جهة أخرى.

حول تلك الحقيقية العينية المجسَدة في الواقع، يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل في تلخيص وتكثيف للوعي السياسي التاريخي: أَنَّ الرؤية الصهيونية ومشروعها السياسي، ودورها المرسوم في ذهن قياداتها المفكرة وفي أذهان القادة الغربيين كذلك، يستند ((أساساً على إستراتيجية عزل مصر عن الشام)) كي يمكن توجيه الجهد الرئيس نحو الحلقة الأهم في الوضع العربي المستقبلي، بغية التغلب على الإرادة السياسية المصرية {وإستتباعاً بالضرورة الموضوعية: الإرادة السياسية العربية كذلك ملاحظة مني} التي ستنتج حتماً عن قوانين التاريخ والجغرافية، التي ستتجلى في ((طاقة مصر التاريخية بثوابتها، وإمكانيات مصر المعاصرة بكل ما يعتريها من عوامل النهوض أو عقبات التأثُر أو عوارض الاِنكماش والتراجع)). بهدف جعل مصر عازلاً جغرافياً ومنكفِأً على أوضاعه الداخلية، ولتحويلها إلى حاجز مانع بين العرب ومصر كان ((لزاماً وقد رآه نابليون وبالمرستون ومن بعدهما لازماً أن يتحول الجسر إلى حاجز، إذن فإنَّ مكمن الخطر الوحيد على هذا الحاجز هو في مصر، فهي في الشرق كتلة إنسانية متماسكة وراسخة وقادرة بالكم الموجود، وبالكيف المحتمل، على عرقلة المشروع اليهودي بمقاومته، أو التصدي له ومحاربته))، [4].

وإذا رجعنا إلى المصادر التاريخية التي تسلِّط الأضواء على الجغرافية البشرية وعمقها المعرفي ودورها التاريخي الرائد، فإننا سنستخلص بالضرورة المنطقية والتاريخية ما اِستخلصه السيد محمد حسنين هيكل بالقول: ((كانت مصر بحكم ظروف تاريخية عديدة: {تحملها مسؤولية صد التتار، وصد الصليبيين، وحماية دار الإسلام بقلعة الأزهر العتيد} وبحكم ظروف مستجَّدة {اِنسلاخها العملي عن الخلافة [العثمانية] بعد الحملة الفرنسية، وتأثرها بتيارات الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، ونمو طبقة متوسطة وطنية تعتمد على ملكية الأرض الزراعية} أقرب الكل إلى مطلب الاِستقلال، وكان متعلموها ومثقفوها وشعراؤها وفنانوها من أبناء الطبقة المتوسطة وما حولها، قد اِستطاعوا خلق طليعة متقدمة قادرة على تحمل مسؤولية الخطى الأولى نحو المطالبة بالاِستقلال والعمل من أجله، وكان هؤلاء جميعاً هم الذين قادوا ثورة سنة 1919 المطالبة بالاِستقلال، وأصبح الاِستقلال مطلباً لكل شعب عربي. لكن الحدود السياسية لم تكن عائقاً أمام الحقيقة التاريخية الأبعد والأعمق، وكان التعليم والثقافة والشعر والفن هي الطاقات القادرة على القفز فوق حدود التجزئة السياسية المرسومة على الأرض ))، [5].

وكانت مصر بذلك تفرز عبقرية المكان اِستجاباتها الموضوعية، قبل اِستشهاد مجترح هذه المقولة ومفاهيمها التاريخية المرحوم الأستاذ المفكر جمال حمدان، حول ((بين السكان مَنْ لم يقَدِّر ولم يرعَ حُرمة وحق المكان)) [6] في مرحلة ما بعد معاهدة كامب ديفيد التي لنصوص الاِتفاقية فيها طابع الإلزام والأولوية في التطبيق في ميدان العلاقات السياسية الخارجية المصرية الرسمية مع الأقطار العربية. في إشارة واضحة حول قصور الشرط الذاتي في صناعة الأحداث التاريخية راهناً التي كان: المكان قد لعبته قيادة ثورة 23/7/ 1952 على صعيد الأمة العربية، التي دشَنَّت خطوتها العملية الأولى بالتحرر من الهيمنة الاِستعمارية البريطانية الأجنبية، والتمكن من نيل اِستقلالها السياسي الفعلي واِنتزاع سيادتها من براثن التسلط الخارجي؛ أي إنَّ تلك الخطوة العملية قد حررت إرادتها السياسية من الهيمنة الاِستعمارية الخارجية بغية بناء مشروع الأمة العربية السياسي في التحرر والتوحد والتطور والتقدم، وتوفرَ بذلك لقائدها الوعي السياسي التاريخي بالإمكانية العملية الناضجة المختمرة لترجمة الطموح الوطني المصري والقومي العربي المطلوب على الأرض وفي الواقع، والاِشتراطات الضرورية المطلوبة لتحويل الإمكانية إلى واقع مُعاش، كون ((الأفكار والتوجهات الكامنة في ضمائر الشعوب والتي يمكن التعبير عن نفسها بأشكال بدائية أو مرحلية لا تتآكل بفشل التعبيرات الأولى عنها، ولا بضعفها، وإنما تعطي نفسها حياة جديدة ومتجددة في كل زمن طبقاً للظروف ولإمكانيات الفعل المتاحة لها))، [7].

كانت ثورة تموز 1952 وبرنامجها السياسي يمثل اِستقراءً تاريخياً لدور مصر في المرحلة التاريخية القومية العربية الحديثة في عهد عبد الناصر التاريخي، لقد تبلور وعياً سياسياً نفَّاذا عند تلك القيادة التاريخية، في صعوده وعثراته، في تقدمه واِنكساراته، واِستلهام هذا الوعي في الممارسة من أجل الأهداف السياسية التي خصَّبت أفكار وطموحات قيادات ثورات القرن العشرين العربية المخلصة، ودفعت من حياتها الشيْ الكثير بهدف جعله واقعاً ملموساً... اِستلهامه في العمل الكفاحي اليومي هو المطلوب لدى مناضلي الأمة العربية الذين يصرُّون على مواصلة الطريق القومي الشاق، وليس ندب الحظ على غياب القائد الذي هو فرد بشري له بداية مثلما له نهاية. الرموز المضيئة لكل الأجيال هي التي تحفِّز طاقتهم للعمل الجاد نحو مثل تلك الرموز الكبرى التي أرادوا صياغتها في الواقع المتخلف الذي ثاروا عليه.

كانت محتوى التغيير العملي يتدرج من تحقيق الاِستقلال السياسي والإنجاز السيادي لإرادة مصر، وبالتالي توجيهها نحو الوجهة التي تنسجم مع إرادة التاريخ لشعب مصر وطموحاته التاريخية والاِجتماعية والاِقتصادية والسياسية والفكرية، وكان ذلك نابعٌ بالأساس من طبيعة النظام العالمي التكوينية وغير العادل الذي نشأَ بعد الحرب العالمية الثانية وما أفرزته من تقاسم للنفوذ السياسي، والتبدلاّت في السيادة السياسية على كل العالم، وعلى وجه الخصوص في مواقع الوطن العربي المختلفة {طالما الحديث يتمحور حوله}، إلى اِنتقال المنطقة من الخضوع للنفوذ الاستعماري البريطاني الفرنسي على وجه الخصوص إلى الوقوع تحت قبضة السيطرة الأمريكية على المنطقة قبل الرضوخ لاِملاءات التعليمات الأمريكية المطلقة في ظل صيرورة نظامها العولمي المتجبر. العصر الاِنتقالي بلغة البعض . وبأسلوب جديد وغير معهود في الواقع السياسي العالمي: التغيير بواسطة الاِعتماد على الجيش الوطني وتدشين التغيير على يد القيادات الوطنية، وهو ما أعطى مميزاتها الجوهرية كتجربة ريادية ليس في الوطن العربي فحسب، وإنما في كل العالم أيضاً.

والترجمة العملية للتطور السياسي والفكري الاِقتصادي والاِجتماعي على أرضية أهداف واضحة بالنسبة للمفكرين الذين يتشوفون المستقبل أو يحاولون جس نبض الواقع بقصد تغييره نحو الأفضل، الأمر الذي يجعلهم يجدّون البحث عن الخيارات الأصيلة غير المُقلِدة لتثوير الواقع بغية الإخلال بالواقع الاِجتماعي الداخلي الذي رعاه الاِستعمار البريطاني لصالح المجتمع المُناضَل من أجله: المجتمع المصري... يقول الخالد جمال عبد الناصر في مرحلة تالية في تكثيف لهذا الاِختيار وتنظير لمفهومه السياسي: ((نريد أنْ يحل محل النظام الاِقتصادي الاِستغلالي والاِحتكاري، نظام اِقتصادي اِشتراكي ديموقراطي تعاوني من أجل مصلحة الغالبية العظمى من أبناء الشعب، لا من أجل مصلحة فئة قليلة هي التي تستغل، وهي التي تحتكر، وهي التي تكسب مكاسب باهظة على حساب الشعب. نريد أنْ نعمل على ألا تخضع أي طبقة أو يخضع أي قسم من المجتمع لطبقة أخرى أو قسم آخر.. نريد أنْ نتخلص من اِستغلال الإنسان واِستغلال المجتمع لبعضه، ونقرب الفوارق بين الطبقات. تنظيم اِقتصادنا وفقاً لخطة موضوعية لصالح الشعب لا لصالح عدد من الأفراد. نراعي مباديء العدالة الاِجتماعية. نوفق بين النشاط الاِجتماعي العام الذي تقوم به الدولة، والنشاط الاِقتصادي الخاص الذي يقوم به الأفراد على ألا يضير هذا بصالح المجتمع... والدولة لها الولاية، وهذه الولاية تضعها موضع حماية مصالح صغار الرأسماليين، وصغار المدخرين مع الرأسماليين الآخرين... لكن في نفس الوقت نحن لا نريد أن نكون رأسمالية الدولة، بل نعتبر إنَّ رأسمال المال الخاص حر، ما دام يعمل لمصلحة الشعب ويعمل للخير العام، للشعب، وفي نفس الوقت نتدخل بمعنى إننا لا نريد أنْ نقضي أو نصفي الرأسمالية، ولكن نرى أنَّ من واجبنا أن نراقبها))، [8]، إنه اِستخلاص فكري لتجربة معاشة أعقبت الثورة، وإصرار على إثرائه وفق طموح لا يبتعد عن الواقع ولا يبقى أسيراً لحيثياته المكتسبة من التطورات السابقة؛ إنه التغيير الإيجابي المنشود على ضوء دروس مكتسبة بعد خمس سنوات من الممارسة العملية!.

ولكن ماذا كان عليه هذا الواقع ؟، وما هو الأفق المطلوب لتغييره جذرياً؟ وكيف ينبغي تنفيذ رؤيته على صعيد الحلقات المركزية المتتالية لهذا التغيير:

1 - كان لا بد إذن من تصفية الحلقة الأساسية في إدارة الوضع السياسي للبلد، والقضاء على النفوذ المعنوي والمادي لسادتها... وكان ذلك النفوذ المهيمن يتمثل بسلطة الملك المصري: فاروق وبطانته السائدة التي رأت بالبريطانيين القوة التي لا يمكن مواجهتها، أو عدم الاِنصياع لرغباتها السياسية سراً أو علناً . وكان جمال عبد الناصر القائد العسكري، والذي سيغدو الرمز السياسي، قد عمل على تهيئة الوسائل الممكنة في سبيل إنجاز هذه المهمة، عبر الاِشتراك الفاعل في إنشاء تنظيم الضباط الأحرار، وكان التحرك في يوم 23 / 7 / 1952 هي اللحظة التاريخية المواتية لإنهاء ((الوضع السياسي الشاذ)) في الوطن بالقضاء على السلطة السياسية الملكية وقصقصة أجنحة مرتكزاتها الأساسيين دون عنف يذكر. على شاكلة ما سيحدث في العراق يوم الرابع عشر من تموز 1958 في العراق، إنَّ الوعي الفكري حول المستقبل لدى القيادتين هو الفارق النوعي هنا، كما نعتقد.

2 - معالجة ذيول التغيير السياسي الذي أراده البعض السياسي التقليدي أنْ يقتصر دور العسكريين خلاله على أداء مهمة التغيير السياسي فقط، ومن ثَمَ الرجوع إلى الثكنات العسكرية، لماذا ؟: لأنهم كانوا يفهمون بالواقع الاِجتماعي المصري أكثر من غيرهم مثلما كان يتصورون ويعتقدون أي إنهم رأوا في التغيير السياسي هو الهدف المرتجى فقط: التغيير السياسي الذي عجزوا هم عن إنجاز هذا الهدف؛ حول ضرورات هذا التغيير في حلقته المركزية: في قمة السلطة والحُكم، فيما كان القائد الخالد جمال عبد الناصر بفكره الثاقب يرى إنَّ التغيير المطلوب لنقل المجتمع المصري من واقع مرفوض إلى واقع منشود هو أبعد من التغيير في الجانب السياسي... يقتضي ضرورة السير نحو الجانب الاجتماعي، وفي هذه المعضلة وما نشأ عنها من اِختلافات في الرؤية السياسية وخلافات متناقضة في ميادين التنفيذ، كمنت مشاكل الثورة وقيادتها مع الأحزاب السياسية التي كانت قائمة آنذاك، والتي كانت مرجعياتها الفكرية والسياسية في الرؤية السلفية التقليدية: كالإخوان المسلمين، والرؤية السياسية الغربية: كالوفد، والرؤية الفكرية والسياسية الموسكوفية التابعة للرؤية الستالينية وأساليبها القمعية في حل الاِختلافات الداخلية وحجر التطور الفكري في قفص الرغبة الذاتية: كالحزيبات الشيوعية المصرية. كان روح قيادتها المتوثبة تتشبث في المرجعية الوطنية المصرية، وكان الآخرون يسبحون في فضاء المرجعيات الفكرية والسياسية الأخر. كانت الرؤية الناصرية ترى أزمة التطور في مصر تتمحور حول مشكلات الأرض: أي توزيعها على الفلاحين وإنجاز مهمة الإصلاح الزراعي. وتحقيق التطور العلمي في إحداث نهضة معرفية تحاول اِجتثاث شأفة الأمية والتخلف في المجتمع المصري وما يقتضيه ذلك من تعميم القراءة والكتابة والدراسة والمتابعة الثقافية على مستوى الشعب وليس النخبة فقط. وإنصاف العمال لردم هوة تأخرهم في الميدان الاِقتصادي محاولة إِنقاذهم من الاِستغلال. والعمل على تطوير الواقع النسوي في مصر عبر المنجز المتحقق بالوعي والثقافة والدراسة واِحتلال الموقع الوظيفي. فيما الآخرون التقليديون: يحلمون بتسلم كراسي الحكم للسير على هوى برامجهم السياسية المتناقضة المرسومة في أذهانهم.

3 - تصفية النفوذ الأجنبي لاسيما الاِقتصادي منة الذي كان يتمترس في العديد من المواقع المصرية الأساسية، يحتكرها لوحده ويشرف عليها بمفرده. كان تصفية تلك المواقع مهمة راهنة وحيوية لعلاقتها بالتطور المصري الداخلي فكان القضاء على البنوك الأجنبية، وقرار تأميم قناة السويس، ومواجهة الرؤية الغربية التي حاولت التحكم بقرار بناء ((السد العالي)) لإِحداث نقلة نوعية في حياة الشعب العربي المصري، وإرجاع عجلة التغيير المصري إلى قمقم الإجراء السياسي المعزول عن بعديه الوطني والاِجتماعي.

4 - وكان إِجراء التأميم، والإِصرار على عدم التنازل والمضي بمواجهة العدوان الثلاثي حتى الاِستعانة بالشعب المسلح من خلال توزيع السلاح للدفاع عن كرامته السياسية ومصلحته الاِقتصادية هو الذي جعل من الثورة المصرية: الثورة العربية الأم ومن قائدها الرمز المعبر عن النهج المقاوم للطغيان الأجنبي والاِستغلال الداخلي على المستوى القومي العربي، كانت مقاومة مشاريع حلف بغداد باكورة هذه المواجهة، ولكن البعض الرجعي العربي اِستطاع ولو إلى حين خلط الأوراق جاعلاً من المنافسة بين العاصمة التي يحكمها ومركز القاهرة القومي هو المظهر الأساسي في التناقض. ولكن مع التأميم الشهير للمصالح البريطانية وعلى رأسها قناة السويس والمواجهة العسكرية للعدوان الثلاثي: البريطاني الفرنسي/الإسرائيلي هو الذي أيقظ المارد العربي القابع بالنفوس وجعله يتضامن مع الرمز المصري/العربي ويلتحق بمسيرته القومية. من هنا اِبتدأت مرحلة تعشيق الرؤية السياسية القطرية بالرؤية السياسية القومية لتتماهيين في مجرى كفاحي واحد للنهوض القومي العربي، وهو الذي فرض بشعبية واضحة في الكم والنوع الوحدةَ العربيةَ بين الإقليمين الشمالي [سوريا] والجنوبي [مصر] وبالتالي قيام الجمهورية العربية المتحدة التي كانت أملاً متشوفاً وطموحاً مرتقباً ليملأ الأرض العربية تحرراً وتطوراً، مثلما طيرَ صواب وبريطانيا وفرنسا و"إسرائيل" وأمريكا ودفعهم للتنسيق مع الرجعية العربية والقوى الانفصالية للتآمر على هذه التجربة الوحدوية التي كانت واعدة.

وزياد في تسليط الضوء على الطابع الأصيل للتجربة السياسية المصرية في التغيير، من الضروري لَحْظْ ما اِحتواه الدستور المصري المكتوب في بدايات الثورة من مفاهيم ستتعمق تالياً مرحلة بعد أخرى على ضوء تبدل نسبة القوى المجتمعية في مصر... ويلخص الخبرة التاريخية المختزنة، بناء على قراءة واعية متفائلة، حالمة، متشوفة للمستقبل، بالقول: ((نحن الشعب المصري: الذي اِنتزع حقه في الحرية والحياة، بعد معركة متصلة ضد السيطرة المعتدية من الخارج والسيطرة المستغلة من الداخل... نحن الشعب المصري الذي اِستلهم العظمة من ماضيه، واِستمد العزم من حاضره فرسم معالم الطريق إلى المستقبل متحرراً من الخوف متحرراً من الذل، يبني فيه بعمله الإيجابي وبكل طاقته وإمكانياته مجتمعاً تسوده الرفاهية ويتم له في ظلاله القضاء على الاِستعمار وأعوانه، القضاء على الإقطاع، القضاء على الاِحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، إقامة جيش وطني؛ إقامة عدالة اِجتماعية. إقامة حياة ديموقراطية سياسية... نحن الشعب المصري الذي يعرف مكانه على ملتقى القارات والبحار من هذا العالم ويقدِّر تبعات رسالته التاريخية في بناء الحضارة، ويؤمن بالإنسانية كلها، ويوقن أنَّ الرخاء لا يتجزأ، وإنَّ السلام لا يتجزأ))، [9]. رؤية وطنية وقومية وإنسانية طافحة تطمح للبناء والعمل من أجل غدٍ مشرق في عالم إمبريالي يتربص بالوطن العربي شرَّاً: وقواه المستغلة تملك الوسائل لتنفيذ حلقات تصوره خطوة بعد أخرى. وهي القوة الكامنة في المثال الذي أعطته الرؤية القومية العربي في المرحلة الناصرية للعرب من المحيط المغربي حتى الخليج العربي.

كان فهم المكان، ووعي الدور، ومعرفة القدرات، يستند وبالضرورة، إلى وجوب معرفة عينية للواقع المعاش في بعده العربي والإقليمي والعالمي، إلى إدراك معنى ومضمون الأرقام المتوفرة، التي تخص الواقع الاِقتصادي والاِجتماعي الملموسين، لم تكن الشعارات السياسية هي الفيصل الأساس في بناء التصورات البديلة... لم تكن الأيديولوجية هي المحدد التاريخي للفهم والوعي ورسم التصورات المستقبلية الحالمة، كان كيفية العمل والنشاط والتحريض هي مهمات راهنة على الدوام. كان وعي المرحلة وفهمها: مصرياً وعربياً، وإقليمياً وعالمياً، هي الشروط المطلوبة لتبوء الدور التاريخي والمطروحة تاريخياً أمام اِستجابة القائد الجديد لطابع المرحلة، ضرورة وعي القيادة الجدية لكل ملابسات الحاضر سواء أكان سياسياً أو اِجتماعياً، وبالخصوص وعي قائدها ورمزها المعبِر عن النهج الوطني والقومي للتغيير، لتنفيذ المهمات المطروحة على ضوء التغيير الذي سيحدث.

كان واقع مصر قبل ثورة 23/7/1952 يقول الآتي: ((كان المناخ الثقافي من قبل الثورة أسير البعد الواحد، والبعد الواحد، ولصالح طبقة واحدة، وكان ذلك جزءاً من المناخ العام السائد في ظل نظام ملكي اِستعماري تسوده طبقة متمازجة من كبار ملاّك الأراضي وكبار الرأسماليين المتعاونين مع الاِستعمار والاِحتكارات الأجنبية. كانت الثقافة غربية تسير في اِتجاه الغرب وحده، كان التعليم أجنبياً لأبناء هذه الطبقة السائدة، كانت الإنكليزية والفرنسية هما أعلى اللغات صوتاً في مدارس الأثرياء الذين يستقدم لهم المدرسون الأجانب من الغرب)) [الدكتور محمد أحمد خلف الله، مفكر وكاتب مصري وكان وكيلاً لوزارة الثقافة]. أما الديموقراطية السياسية تلك الحجة التي يلوكها كل مَنْ هبَّ ودب للاِنتقاص من تلك التجربة الوطنية والقومية العظيمة في هذه الأيام، والتي كانت قائمة قبل بزوغ فجر الثورة قبل أنْ تلغيها الثورة المصرية وفقاً لمزاعمهم، فيقول جمال عبد الناصر عنها وذلك في خطاب مرتجل أُلقيَ في 22 / 2 / 1964 بمناسبة عيد الوحدة : ((الديموقراطية اللي كانت موجودة قبل الثورة، لما كانت الرجعية تسيطر على اِقتصاد البلاد وثروة البلاد كانت هي صاحبة النفوذ وكانت الرجعية هي صاحبة الاِمتيازات كانت الديموقراطية مزيفة، وكانوا بيقولوا أنَّ فيه حرية سياسية أو فيه ديموقراطية سياسية، لكن الاِستغلال والإِقطاع ورأسمال المستغل قضى على كلمة الديموقراطية اللي قالوها وعلشان كده إحنا بنقول لا يمكن بأي حال من الأحوال أنْ يقال أنَّ هناك حرية إلا إذا توفرت الديموقراطية السياسية والاِجتماعية)) ورأي في تحالف قوى الشعب هو البديل السياسي الاِجتماعي عن التحاف الطبقي بين الإقطاع والرأسمالية الطفيلية أو المستغلة، وفي ذلك يقول: ((قوى الشعب العاملة التي تحالفت.. العمال... والفلاحين... الجنود... المثقفين والرأسمالية الوطنية... هي التي قضت على التحكم الإقطاعي وتحكم رأس المال وهي التي قضت أيضاً على الاِستعمار والاِحتلال البريطاني وهي التي قدَّمت أرواحها)) [نقلاً عن مقالة للسيد خيري عزيز الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية ورئيس قسم الشؤون الخارجية بمجلة الطليعة (المصرية) سابقاً والمعنونة عبد الناصر والاِتحاد السوفييتي]. والأرض التي شكلت القضية الحيوية في تطورات المسألة الوطنية المصرية كان التشخيص للقيادة الناصرية فيها كما يلي ((كانت مئات الألوف من الأفدنة ملكاً لأفراد معدودين، بل ملايين الأفدنة ملك لأفراد معدودين، وكان فيه أفراد بيملكوا عشرات الألوف من الأفدنة)) وعن الوضع العمالي رأى أَنَّ ((الرأسمال المال المستغل كان يتحكم، وكانت العملية سهلة جداً، الرأسمال المستغل يستطيع أنه بيرشي الحكام، وبهذا يقدر يستغل الحكام)) [عن الكاتب جهاد عودة الباحث بمركز الدراسات الإستراتيجية في الأهرام في مقالة بعنوان مصر وسائر العرب في إدراك عبد الناصر]... إلخ.

لذلك يمكن الاِستخلاص على ضوء ضرورة توفر مفهوم المكان في التحليل السياسي التاريخي إضافة إلى أخذ مجمل الظروف الموضوعية التي شهدها العصر: في الوطن والأمة والعالم، بنظر الاِعتبار القول التالي: عندما يتزاوج الواقع الموضوعي مع الإِرادة السياسية فعلاً لا قولاً، عملاً لا دعاية ... يتزاوج الواقع الوضوعي مع الوعي الكلي عند القيادة السياسية ستنبثق تجربة سياسية ملهمة للمجموع المهتم بالوطن والأمة، وليس للجميع الذي يعيش في وسطهما بالتأكيد، ولذلك يمكن الاِستشهاد بالقول التالي الذي سطَّره المفكر الفقيد إلياس مرقص في كتابه الموسوعي عن العقلانية العربية: ((القومية العربية اليوم وبالأمس وغداً هامة جداً، جوهرية تماماً، نسبة لحياتنا ووجودنا، نسبة للعالم والحاضر والمستقبل، نسبة للديموقراطية والتقدم الاِجتماعي وحقوق الإنسان والسلام العالمي))، [10]، ((الوجود بمجموعه هو معيار الوعي))، [11]، وإنَّ ((الوحدة تقتضي دائماً الاِختلاف)) وليس الخلاف، و((الوحدة دائماً تقتضي الاِختلاف دائماً، بوصفه أساسها وجذرها وأصلها وعلَّة وجودها))، [12]، و((الجهاد الأكبر مؤسس جميع الاِجتهادات المستحقة فعلاً))، [13]، لذلك، كما يقول الفقيد مرقص جمال ((عبد الناصر فكَّر وعمل، والجماهير تحرَّكت. الجماهير، كل إنسان فرد، في وجدانه ووعيه أولاً، ثم نزل إلى الشارع. ولم نذهب إلى لندن، فاتحين أو محررين، لم نغْزُ أحداً، كافحنا الغزو...))، [14]، وتلك ألف باء المفاهيم السياسية القومية العربية في مرحلة القومية العربية الحديثة في فترة الحكم الناصرية وتجربتها الكبيرة، كما نعتقد، وليس أقانيم محببة دون وعي فكري بمفاهيمها النقدية.

المراجع والهوامش لهذه الرؤية

[1] راجع كتاب السيد فاضل الربيعي المعنون اِرم ذات العماد من مكة إلى أورشليم: البحث عن الجنة، إصدار دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت لبنان، الطبعة الأولى: كانون الثاني / يناير 2000، ص 248. وخلاله تبدى، كما يذهب إلى ذلك المؤلف: ((تاريخ الصراع حول مكة، الذي، رأيناه، تلخيصاً للصراع حول (الكعبة).و((اِمتلاك حق إدارة الكعبة)). البعد الحقيقي للصراع يدور حول ((في نطاق اِمتلاك السلطة في (المكان المقدس): الكعبة.

[2] من الأمثلة الواضحة على تلك المساجلات: مع جمال الدين الأفغاني. علي عبد الرازق. حسين كامل سليم. فكري اِباظة. إحسان عبد القدوس. لطفي السيد باشا. اِنطوان سعادة. طه حسين. سلامة موسى. محمد فريد، محمد مصطفى المراغي، أمين الخولي، أحمد أمين... وغيرهم الكثير.

[3] راجع الكتاب الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، الذي يضم الأعمال السياسية القومية الكاملة للسيد المرحوم ساطع الحصري، بيروت / لبنان، ط 2، أيار / مايو 1990، القسم الثاني، ص 1048.

[4] راجع كتاب السيد محمد حسنين هيكل المعنون: المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، الكتاب الأول: الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية لماذا لم يفاوض العرب؟، كيف فاوضوا؟، الطبعة الثالثة في 3 نيسان/إبريل 1996، إصدار دار الشروق، القاهرة/مصر، ص 256 - 257.

[5] راجع كتاب السيد محمد حسنين هيكل المعنون حرب الثلاثين سنة: ملفات السويس، الطبعة الأولى 1407 هـ 1986 م، الناشر: مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة/مصر، ص 30 - 31.

[6] راجع كتاب السيد محمد حسنين هيكل المعنون أكتوبر 73: السلاح والسياسة، الطبعة الأولى 1414 هـ 1993 م، الناشر: مركز الأهرام للطباعة والنشر، ص 7 - 11.

[7] راجع كتاب السيد محمد حسنين هيكل المعنون ملف المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، عواصف الحرب وعواصف السلام، الطبعة الأولى، الكتاب الثاني الصادر في 10 حزيران/يونيو 1996 عام، مصدر سبق ذكره، ص 32 - 33.

[8] راجع كتاب الدكتور محمد السيد سليم المعنون التحليل السياسي الناصري: دراسة في العقائد والسياسة الخارجية، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت/لبنان، الطبعة الأولى، أيلول / سبتمبر 1983، ص 194.

[9] راجع كتاب الأستاذ محمود كامل المحامي المعنون الدولة العربية الكبرى، إصدار دار المعارف بمصر، مكتبة الدراسات التاريخية، دون ذكر لتاريخ الصدور وإِنْ أشارت المقدمة إلى تاريخ أكتوبر 1958، ص 396.

[10] راجع كتاب الفقيد إلياس مرقص المعنون نقد العقلانية العربية، إصدار دار الحصاد للنشر والتوزيع، سورية - دمشق، الطبعة الأولى 1997، ص 818.

[11] المصدر السابق، ص 814.

[12] المصدر السابق، ص 895.

[13] المصدر السابق، ص 804.

[14] المصدر السابق، ص 775.

يتبع