تقرير
إخباري
الرصاص
الطائش يمزق ليل العراقيين وأجسادهم
بغداد
- (قدس برس): بات العراقيون
يعيشون قلقا مستمرا، ينغص حياتهم، بسبب
الرصاص الطائش، الذي يطلقه الجنود
الأمريكيون، في كل مرة يتعرضون فيها لأي
هجوم، أو بسبب ذلك الرصاص، الذي يطلقه أفراد
العصابات الكثيرة، المنتشرة في كل مكان، ضد
الشرطة العراقية الناشئة، أو الذي تطلقه
الشرطة عليهم، أو الرصاص الذي يطلق خلال
عمليات السلب والنهب.. ويذهب ضحية زخات الرصاص
هذه يوميا عدد من العراقيين، تبقى جثث معظمهم
في مشرحة الطب العدلي لفترة من الزمن، قبل أن
يتعرف إليها أهالي الضحايا.
لا
تتوقف الرصاصات الطائشة، طوال الليل، عن
استهداف أجساد العراقيين النائمة المتعبة
على السطوح، هربا من الحر، حيث ينام معظم
العراقيين على أسطح المنازل، بسبب الانقطاع
المستمر للتيار الكهربائي، والارتفاع الهائل
لدرجات الحرارة. الرصاص المجنون لا يتوقف عن
حصد أرواح العراقيين في بغداد والمدن الأخرى،
واللصوص يتحركون بحرية، ويمارسون "مهنتهم"،
التي تدر عليهم أرباحا كبيرة، في ظل الفوضى
الأمنية.. ومنع التجوال، الذي يبدأ من الساعة
الحادية عشرة ليلا، لم يمنعهم من ارتكاب
المزيد من الجرائم، وسرقة السيارات من
المنازل، عبر السطو المسلح والتهديد.
ومع
أن عدد الدوريات الأمريكية في شوارع المدن
العراقية يزداد مع تزايد أعمال المقاومة
والهجمات ضد القوات المحتلة، إلا أن اللصوص
لا يخافون من ذلك، وهم مستعدون للمخاطرة،
خاصة أن غنائمهم عادة ما تكون كبيرة، يسيل لها
اللعاب. وغالبا ما تمزق سكون الليل في بغداد
أصوات الدبابات وفرقعات الرصاص، التي ترافق
عمليات دهم المنازل. ومثلما يسرق اللصوص
العراقيون ما يجدونه، يسرق الجنود
الأمريكيون أيضا ما تقع عليه عيونهم في
المنازل، التي يدهمونها، حتى لم تعد الصحف
العراقية تتسع لذكر مثل هذه الحوادث اليومية،
التي يذهب ضحاياها الكثير من المدنيين
الأبرياء، ويفقدون فيها أموالهم، وأحيانا
حياتهم، من دون أن يقدم الأمريكيون لهم حتى
الاعتذار، أو تسمح لهم سلطات الاحتلال بتقديم
الشكاوى على ما يجري.
وآخر
ما نشرته الصحف العراقية ما جاء على لسان حارس
كلية الزراعة في جامعة بغداد، في صحيفة /العراق
اليوم/، حيث قال إن الجنود الأمريكيين، الذين
فتشوا حقلا للدواجن في الكلية، مثلما فتشوا
منزله القريب منها، سرقوا منه 50 ألف دينار..
كما لم يسلم خاتم زوجته هو الآخر من السرقة..
وقد اعترف ضابط أمريكي بعد هذه الشكوى بأن بعض
الجنود يفعلون ذلك، ولكن في الواقع لم تتخذ أي
إجراءات ضد الجنود اللصوص.
يجوب
اللصوص العراقيون الشوارع.. يسلبون من يشاؤون
من الناس.. يسرقون سياراتهم أو ما تحمله
أيديهم وجيوبهم، مما خف حمله وغلا ثمنه. ولكن
الليل في بغداد تبدل مع الاحتلال، الذي جاء
واعدا بالحرية والأمن والأمان، فانتشر
الخراب والموت والدمار.. ولم يعد ليل بغداد
كما يعرفه الذين زاروها في سالف الأيام،
فليلها داج مع ظلمات الكهرباء المنقطعة،
ودجلة لم يعد يستقبل سماره كما كان. والناس
يلوذون بمنازلهم مع الساعة الحادية عشرة، عند
بدء منع التجوال، ومن يقبض عليه الأمريكيون
متلبسا بخرق منع التجول، يحال إلى السجون،
ليقضي عشرة أيام في معسكرات الرعب.
وهكذا
بات الناس المتعبون الخائفون يلوذون
بمنازلهم مبكرا، حتى لا يتركوا أنفسهم عرضة
للأخطار المحدقة من كل مكان، لكن أصوات
الرصاص أو الانفجارات، التي عادة ما تستهدف
الجنود الأمريكيين المرعوبين هم أيضا في
معسكراتهم، قد ترمي بشظاياها على النائمين،
مثلها مثل الرصاص الطائش.
وتؤكد
مصادر من دائرة الطب العدلي في بغداد أنها
تستقبل يوميا ما يقرب من 40 جثة من قتلى الرصاص
الأمريكي المتهور، أو قتلى عمليات السرقة، أو
الانفجارات. وهكذا تنتشر الأحزان، في كل بيت
في العراق، في ظلال الاحتلال الذي جاء ومعه
كثير من الوعود الخلابة، التي تكشفت عن واقع
محزن أليم.
أما
ليل بغداد الذي كان يغنيه الشعراء، وتصدح فيه
أصوات الموسيقا، فقد صار ليلا مجنونا قاتلا
مخيفا، فلم يعد للشعر فيه مكان، ولا للهدوء،
ولا للأحلام من نصيب، والعراقيون صاروا
يودعون بعضهم بعضاً، قبل أن تنطبق جفونهم على
بعضها، طلبا للنوم، وهي تستعد ليوم جديد،
ربما لا تراه.