من
أجل اتقاء الشبهات
محمد
ناجي عمايره
لم
يعد موضوع زيف الأسباب التي شنت أميركا الحرب
على العراق من اجلها خلافيا فحتى المصادر
الأميركية التي كانت تجادل في ذلك اعترفت
أخيرا بأن مسألة أسلحة الدمار الشامل
العراقية وتعاون النظام العراقي السابق مع ما
تسميه (الإرهاب) وغياب الديمقراطية وتخليص
الشعب العراقي من الدكتاتورية ليست إلا ذرائع
واهية من اجل الهيمنة والسيطرة على المنطقة
كلها.
والذين
يحاولون تجاوز هذا الموضوع الأساسي اما
منغمسون إلى أذقانهم في الدفاع عن الاحتلال
الأميركي البريطاني وممارساته الإرهابية
وإما غافلون عن حقيقة تلك الأسباب او
مستفيدون من وجود المحتلين والظروف التي
أوجدها الاحتلال.
وهناك
من يريد تجاهل الماضي القريب والانطلاق من
اللحظة الراهنة ليس من باب الحكمة ولكن من باب
(عفا الله عما مضى) وأما مقولة (ما فات مات) فهي
مقولة خبيثة يراد منها التسامح مع العدوان
وتسويغ ما نتج عنه والادعاء بأن الأمر الواقع
والاعتراف به يكفي للتعامل مع القضايا
الوطنية والقومية بعامة من باب (افتح صفحة
جديدة) دائما.
وبعض
أجهزة الإعلام الأميركي الضالعة في مخطط
الهيمنة الأميركية
على
المنطقة والعالم، تساهم في هذا التجاهل
والتناسي وهذا يحدث الآن وحدث سابقا في
فلسطين وفي مناطق كثيرة من العالم.
وانسياق
بعض المتابعين والمحللين العرب وراء هذه
النغمة ليس بلا سبب فهو دليل على قبولهم
لمبررات واشنطن ولندن للعدوان على العراق
لمزاعم "اسرائيل" في تهويد فلسطين.
وإن
كنا نرجو ان يتوافر حسن النية لدى بعض هؤلاء
وهم يظنون ان تناسي الماضي، قد يفيد في
التركيز على الراهن.
غير
ان الراهن ـ الحاضر مبنى على الماضي وأسسه
ومرتكزاته فيه وهذا يعني ان نسيانه أو تجاهله
يجعل المسائل منقطعة عن جذورها والنتائج غير
متصلة بمقدماتها والعلل منفصلة عن أسبابها
ولعلنا لا نبريء جميع من يتناولون المسائل
بهذا الشكل المبتسر فهناك دائما شيء في نفس
يعقوب.
نقول
هذا ونحن نرى ان المحتلين يريدون الخلاص من
ورطتهم وأزمتهم بنقل العبء إلى أكتاف الآخرين
والآخرون لا يمكن أن يوافقوا على ذلك وهم
يدركون ان الحرب كانت عدوانا وأنها احتلال
وليست (تحريرا) وأن الخلاص المزعوم من النظام
العراقي السابق جر العراق والعباد إلى سيطرة
واحتلال لا يدري أحد إلى أين سينتهي بها.
وإذا
كان هناك من اعتقد أن الأميركيين جاءوا
مخلصين ومحررين في البداية فإن هؤلاء قد
أفاقوا على حجم المأساة ومستوى الفجيعة
وحقيقة الحلم الذي راودهم ولا أظن أن عاقلا
مدركا بلا غرض يمكن أن يذهب إلى حد القناعة
بان واشنطن ولندن جاءتا لتحرير الشعب العراقي
وإقامة نظام ديمقراطي منتخب لسواد عيون
العراقيين.
وهذا
لا يعني ان نتوقف عند الأسباب وننسى النتائج
لكن المطلوب أن نعاين الموقف من جميع نواحيه
ولا نقدم الذرائع والحجج للمحتلين ليكون ذلك
مكافأة لهم على احتلالهم ومظالمهم وبالمقابل
لا يجوز ان يحمل بعضنا من العراقيين والعرب
كرههم للنظام السابق على الارتماء في أحضان
الأميركيين والإنكليز والقبول بمقولاتهم
والانصياع لرغباتهم والسير في ركابهم.
وعلى
هذا فإن النتائج واضحة وهى احتلال يقابله
مقاومة عنيفة وخسائر فادحة والمحتلون لم
يستطيعوا إحلال الأمن والاستقرار ولا حماية
أنفسهم ولهذا فهم يطالبون بقوات دولية تكون
بقيادتهم وتحت أمرتهم لتنفيذ أهدافهم وتحقيق
مآربهم التي لم تتحقق بعد كل هذا الوقت من
الاحتلال، وهذا هو السبب الذي جعل بوش يقبل
مكرها بالعودة إلى الأمم المتحدة في محاولة
لترطيب الأجواء مع الدول التي رفضت إشعال
الحرب والعدوان بعد أن ذهب بعيدا وحده في
إنزال العقوبات بالعراق دون أن يمتلك أي
أسباب منطقية أو مقبولة دوليا لذلك، وها هو
مشروع القرار الأميركي البريطاني يدعو قوات
دولية إلى العراق يتردد في أروقة مجلس الأمن
بانتظار ظهور ظروف جديدة لإقراره في الوقت
الذي يستدعي بوش ورامسفيلد (15) ألف جندي من
الاحتياطي لدعم قوات الاحتلال ومساندتها في
مهمتها المعلنة وهى مكافحة الإرهاب في العراق.
ثمة
حاجة إلى التأمل وتدقيق النظر في كثير مما
يكتب ومما يقال هنا وهناك وثمة حاجة إلى فهم
أولئك الذين يدعون الحكمة وبعد النظر
ويحاولون تصديرها إلى الآخرين.
وأخيرا
فأن الحلال بيّن والحرام بيّن لكن بينهما
أمورا (متشابهات) وعلينا أن نتقي الشبهات ما
استطعنا إلى ذلك سبيلا.