د.
أحمد مصطفى/كاتب عربي يقيم في لندن
رغم
ان المظاهرات التي عمت العواصم الغربية لم
تكن بحجم المظاهرات التي سبقت حرب غزو
واحتلال العراق، إلا أنها كانت بارزة بما
يحرج كل عربي ومسلم. فمقابل مائتي مصري
تظاهروا في القاهرة، محاطين بألفي شرطي،
تظاهر اكثر من عشرين ألفا في لندن وألفين في
اليونان وألف وخمسمائة في مدريد واكثر من
خمسة آلاف في أسطنبول وأنقرة وثلاثة آلاف في
بروكسل واكثر من ألفين في سيئول وعدة مئات في
كل من باريس وبرلين وفيينا وطوكيو وغيرها من
العواصم، ثم عشرات المئات في واشنطن ونيويورك.
صحيح ان مجموع من تظاهروا في عواصم الغرب
والشرق لم يصل إلى المليون متظاهر الذين
خرجوا في بريطانيا في شباط/فبراير الماضي
معارضين للحرب الأميركية البريطانية التي
كانت على وشك الوقوع. لكن الرمز كان قويا،
خاصة وأن مظاهرات هذا الأسبوع تزامنت مع
الذكرى الثالثة لانتفاضة الأقصى وربط
المتظاهرون من مريدي السلام في العالم بين
فلسطين والعراق رافعين اللافتات ومرددين
الشعارات التي تدعو إلى إنهاء احتلال البلدين
العربيين المسلمين. كل ذلك فيما العرب
والمسلمون يتباكون على عجز عواصمهم عن مقاومة
الضغوط الأميركية والبريطانية والصلف "الاسرائيلي".
لقد
خجلت معظم وسائل إعلامنا ـ حتى ما توصف عادة
بالتحرر والتقدمية ـ من نقل تلك المظاهرات
بكثافة كي لا يقارن المشاهد بينها وبين وضعنا
كجماهير عربية فنشعر وكأن العالم يتظاهر
نيابة عنا نحن أصحاب الشأن. إلا ان في ذلك بعضا
من سطحية الإعلام الإلكتروني في أيامنا هذه،
فتلك المظاهرات في الواقع بقدر ما هي تعبير
عما نشعر به جميعا ولا نستطيع التعبير عنه،
إلا إنها أيضا ـ وبشكل أساسي ـ تعبير عن رفض
تلك الجماهير لمواقف حكوماتها أولا قبل
انتقادها للأمريكيين و"الاسرائيليين".
البريطانيون والأميركيون تظاهروا في الأساس
ضد (10 داونينغ ستريت) والبيت الأبيض، لأنهم
يشعرون بأن الحكومتين في لندن وواشنطن خدعتهم
بإقناعهم بعدالة الحرب لغزو واحتلال العراق.
من المفترض ان الشعب البريطاني انتخب حزب
العمال واختار توني بلير لقيادة الحكومة، لكن
نسبة كبيرة من هذا الشعب ترى الآن ان بلير
أساء استخدام التفويض الشعبي وزادت عجرفته
إلى الحد الذي يهدد ما تبقى من قيم
الديموقراطية. والحال كذلك بدرجة أو بأخرى مع
الأميركيين في نظرتهم لجورج بوش الابن. أما
بقية الأوروبيين من ألمان وأسبان وفرنسيين
ونمساويين ويونانيين فيعبرون عن رفضهم
لقيادة أمريكا ـ ووصيفتها بريطانيا ـ لما
يسمى بالعالم الحر، أو تحديدا الغرب المتقدم.
وربما
كان موقف الكوريين الجنوبيين، الرافضين
لاحتمال استجابة حكومتهم للطلب الأميركي
بإرسال قوات للعراق تعاون الاحتلال، ومعهم
الأتراك وشعوب أفريقيا واسيا وأمريكا
اللاتينية
اقرب
إلينا نحن الشعوب العربية في التضامن مع شعبي
العراق وفلسطين ورفض الاحتلال الأميركي
والقمع "الاسرائيلي". لكن، في الوقت ذاته
تظل هذه الحركة العالمية التي تعبر عن نفسها
بالتظاهر وشتى أشكال الاحتجاج الأخرى حركة
إنسانية مريدة للسلام معارضة للحرب ولكل
أشكال الاستغلال المرتبطة بصعود العولمة
وسيطرة القوة المتفردة. وفي هذا يتشارك البشر
جميعا، بمن فيهم نحن العرب، وان كان بعضهم لا
يستطيع التعبير عن مواقفه بتلك الأشكال التي
تطورت في الغرب وبعض الدول في العالم الثالث
مع تطور تكوينات المجتمع المدني والمنظمات
غير الحكومية.
ان
تراجع دور الحكومات في الدول الرأسمالية
الراسخة لصالح القطاع الخاص وتغليب التوجه
الفردي أوجد فراغا تحاول حركة الجماهير ملأه
الآن. أما في بلادنا العربية فما زالت الدول
تملأ الفراغ ـ أو معظمه على الأقل ـ بما لا
يتيح فرصة كبيرة لحركة جماهيرية واسعة
ومتطورة. ذلك لا ينفي ان الجماهير أيضا تتحمل
قدرا مساويا من المسؤولية عن تراجع حركتها في
بلادنا العربية التي تشهد عمليات تحول منذ
السنوات الأخيرة من القرن العشرين. ولم تستطع
الجماهير العربية الاستفادة من هذه التحولات
والعمل على انتزاع بعض الحقوق البسيطة، ربما
بسبب ما جبلت عليه على مدى عقود من الاستبعاد
من المشاركة الحقيقة لأسباب تتباين من بلد
إلى آخر. هذا في الواقع هو السبب في استمرار
تظاهر الآخرين ضد احتلال العراق وفلسطين
بينما نحن نشاهدهم على شاشات التليفزيون
ونكتب عنهم دون ان نفعل الكثير.
وعلى
ذكر الفعل، لا يجوز ان نركن إلى ان العالم
يفعل ما علينا ان نفعله دون نتائج،
فالمظاهرات المليونية لم تمنع الحرب على
العراق ولم تخفف من الإرهاب "الاسرائيلي"
ضد الفلسطينيين. لا يمكن تصور بالطبع ان
المظاهرات وأشكال الاحتجاج الأخرى، مهما كان
حجمها، ستوقف القوة العسكرية الغاشمة
التي
تعمل لصالح الشركات الكبرى في العالم. لكن
حركة الجماهير أيضا تفعل الكثير، فان لم تكن
تقلل من التأثير الفاجع ـ إنسانيا ـ لعجرفة
القوة فأنها تبقي العالم على الأقل واعيا
بخطورتها. بمعنى آخر تحول تلك الحركة
الجماهيرية الاحتجاجية دون التخلي عن رؤية
الخطأ خطأ، وهذا في غاية الأهمية ويحتاج
للفعل والعمل من اجله: الإبقاء على بعض القيم
الإنسانية الأساسية وفضح من يحاول تزييفها.
لقد شهد التاريخ الإنساني فترات مشابهة ـ مع الفارق بالطبع ـ من غطرسة القوة ومحاولات طمس الأسس القيمية والأخلاقية بدعاوى الواقعية والنفعية السريعة والسطحية المخدرة، وشهد كذلك حركات مشابهة لاحتجاجات الجماهير الآن ـ مع الفارق أيضا ـ مما أبقى تلك الأسس قائمة حتى الآن على طول القرون. وهذا ما يستحق ان نعمل من اجله، ولا عيب من الاستفادة من تجارب الآخرين ومحاولة تعلم ان نفعل شيئا لنعبر عما نؤمن به حقا، حتى لو كانت النتيجة الوحيدة هي تخلصنا من الخوف والجبن والنفاق.