"الرمادي"
رشاد
أبو داود/الأردن
كان
لا بد من التوقف عندها. هي تدعوك للراحة. يوم
أو ليلة. غرفة في فندق. دوش بارد يزيل غبار
الطريق الصحراوي. سرير أو شبه سرير. سقف كأنه
وجد فقط ليحمل تلك المروحة الكبيرة. تدور
المروحة. تستلقي أنت ومن معك. تنام بعمق.
تستيقظ مع الفجر. تتفحص سيارتك. تتزود بالماء
والخبز وما تيسر من طعام. تودعك "الرمادي".
تنطلق إلى هدفك ومكان إقامتك. فما يزال أمامك
مسافة تساوي تلك التي قطعتها من عمان أو
الزرقاء إلى "الكويت" مكان إقامتك ومصدر
رزقك وسجل سنوات ثلث عمرك أو نصفه.
كانت الرمادي في منتصف الطريق. وأظنها ما تزال
كذلك! فأحداث التاريخ لا تغير تضاريس
الجغرافيا.
مدينة شاسعة بحنان لا ادري أيهما اكبر عمرا،
تلك الأشجار الباسقة بعنفوان أم البيوت
الممتدة بعفوية على الأرض. أيهما اكثر حلاوة،
الرطب المتدلي من أشجار النخيل كثريات من
الكريستال، أم تلك الكلمات التي يستقبلك بها
"الرماديون" ما ان تدخل أول المدينة.
هلا عيني.. وين تريد؟ يدلك على الطريق، وان شعر
انك لم تعرف، يخاف عليك ان تضيع. يصعد معك.
يوصلك إلى أول مفترق طرق واضح. يطمئن عليك، في
أمان الله عيني. تحاول ان تكافئه بغير عبارات
الشكر والعرفان. تمد يدك إلى جيبك. يصرخ في
وجهك: عيب أخوي، ما يصير، حِنّا كلنا أخوان،
في أمان الله. يقولها وهو يبتعد. تخجل من نفسك.
تنطلق بهدوء. تشعر بالرغبة في إطالة مدة بقائك
في "الرمادي". وقبل ان تصل إلى نهاية
المدينة، تلح عليك الرغبة بالبقاء، تقف عند
مطعم شأنه شأن مطاعم نهايات المدن بسيط في
شكله. دكانتان مفتوحتان على بعضهما. مطبخ
مفتوح على العيون وعلى الهواء، أمامهما بضعة
مقاعد خشبية طويلة، سقف من البوص بالكاد يحجب
أشعة شمس تموز أو آب، تشدك إليه رائحة اللحم
المشوي، تجلس أنت ومن معك، يأتيك فتى يافع
بلباسه "الرمادي" الأبيض، دشداشة بيضاء
وحطة ملفوفة حول الرأس، يسألك بخشونة رجولية
ماذا تطلب، فلا مجال للنعومة الأنثوية عند
رجال المدينة حتى لو كان الرجل نادل مطعم.
تأكل بشهية نابعة من إعجابك بهذا المزيج
الرائع من القسوة والحنان، الأصالة والطيبة.
الطبيعة ونزعة، تغييرها إلى الأفضل مع الحرص
على إبقاء روحها في الجديد.
أتذكر "الرمادي" وقد أصبحت المدينة
الأولى في مقاومة الاحتلال، يرد اسمها كل يوم
في نشرات الأخبار، أتوقف عند ذكريات المرور
فيها ورجولة أهلها، تتزاحم في الذاكرة أسماء
مدن رفضت الغزاة وانتصرت ولو بعد حين.
وربما "للرمادي" من اسمها نصيب، ففي ظل
السواد الذي يغطي العراق يبرز دور الرمادي
كلون ليس حياديا بل لون تلك المنطقة الفجرية
بين الليل والنهار، حتما ما من ليل لا يتلوه
نهار وما من حرية بدون دم.