ما جدوى الشكوى؟!!

ابراهيم العبسي

في بادرة خطيرة جدا، تعكس حجم الاستخفاف "الاسرائيلي" بمجلس الامن والمجتمع الدولي، هدد المندوب "الاسرائيلي" في رده على الشكوى السورية المقدمة للمجلس لبحث العدوان "الاسرائيلي" على ضواحي دمشق، بأن سوريا ستلقى عقابا "اسرائيليا" قاسيا، إذا ما استمرت في إيواء المنظمات "الارهابية" الفلسطينية على حد تعبيره.
حدث ذلك أمام أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائمين، الكبار والصغار، وأمام من يمتلكون القرار، ومن لا يمتلكون شيئا. هكذا بكل الصلف والمروق والبلطجة والاستهتار بمجلس الأمن والقواعد الديبلوماسية المتبعة في جلسات أهم وأعلى هيئة دولية، يفترض أن لها حرمتها واحترامها وهيبتها، فبدلا من أن يستخدم المندوب "الاسرائيلي" اللغة الديبلوماسية الهادئة، حتى لو كانت كاذبة وملفقة في تبرير العدوان، ذهب إلى استخدام لغة التهديد والوعيد، في إهانة وقحة ومتعمدة لمجلس الأمن، ربما لم يجرؤ عليها أي مندوب دولي منذ قيام منظمة هيئة الأمم المتحدة عام 1945 حتى الآن. وبدلا من أن يتصدى أحد المندوبين الكبار أو الصغار لإيقافه وتعنيفه وإلزامه بآداب الحديث والسلوك، وحتى طرده من المجلس، مضى المندوب "الاسرائيلي" الذي كان يتمترس وراء المندوب الأميركي إلى القول إن العدوان "الاسرائيلي" كان دفاعا عن النفس!!، في إصرار لا يقبل الشك أو التأويل على الاستخفاف بأعضاء المجلس، وبكل دول العالم التي استنكرت العدوان وشجبته، وعلى استمرار "اسرائيل" في مواصلة عدوانها، واستعدادها لتطوير هذا العدوان وإيصاله إلى المدى الذي تراه مناسبا، في الوقت المناسب أو غير المناسب، وبالسلاح الذي تراه وبالطريقة التي تراها، ضاربة عرض الحائط بالانتقادات الدولية، ودعوات "ضبط النفس"!! وهكذا بدلا من أن تتحول جلسة مجلس الأمن إلى محاكمة السياسات العدوانية "الاسرائيلية" المتصاعدة والخطيرة، حول المندوب "الاسرائيلي" الجلسة إلى منبر لتهديد سوريا والشعب الفلسطيني والأمة العربية، معتمدا على دعم ومؤازرة المندوبين الأميركي والبريطاني اللذين ذهبا في مداخلتيهما حد التطابق مع المندوب "الاسرائيلي"، حينما وصفا العدوان "الاسرائيلي" على سوريا، بأنه "دفاع عن النفس" تماما كما وصفه المندوب "الاسرائيلي"، الأمر الذي يعني بأن القرار الذي سيتخذه مجلس الأمن بشأن هذا العدوان "الاسرائيلي" الجديد مجرد قرار مفرغ من أي محتوى، أو مجرد قرار يحمل رقما جديدا لا قيمة له، سوى تشجيع الحكومة "الاسرائيلية" على مواصلة عدوانها ضد الأمة العربية، تماما مثل كل القرارات السابقة التي وقفت فيها واشنطن دائما، ومعها لندن أحيانا، إلى جانب العدوان "الاسرائيلي" ضد الشعب الفلسطيني وضد سوريا وضد الأمة العربية، وما دام الأمر كذلك، وهو كذلك دائما، فما جدوى الشكوى إلى مجلس الأمن؟!! وما جدوى مجلس الأمن نفسه بعد أن اختطفته الولايات المتحدة وباتت تسيطر عليه وتتحكم بقراراته وتسيرها وفق مصالحها وسياساتها، ووفق مصالح وسياسات حلفائها، وفي مقدمة هؤلاء الحلفاء، "اسرائيل"؟!!
ألم يحن الوقت لإعادة النظر في هيكلية هذا المجلس، وكيفية اتخاذ القرارات فيه بما ينسجم مع المتغيرات والتطورات الدولية التي استجدت على الساحة العالمية منذ عام 1945 حتى الآن، لاسيما بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي، وفقدان المجلس لأسس التوازن التي قام عليها بعد الحرب العالمية الثانية وبروز قوى إقليمية ودولية كبيرة في العالم؟!!
أم ترى ان الولايات المتحدة لا تريد لهذا المجلس أن يعود للاضطلاع بمهامه المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة ألا وهو فض النزاعات ومنع الحروب وإحلال الأمن والسلم الدوليين، وتنصيب نفسها بديلا لهذا المجلس كما هو حادث فعلا منذ اثني عشر عاما، أي بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي؟!!
وإذا ما استمرت الولايات المتحدة في استخدام المجلس بصيغته الحالية فمن يضمن تحقيق الاستمرار والسلام في العالم، بعد ان أصبحت واشنطن نفسها طرفا في الاضطرابات والنزاعات والحروب بفضل سياساتها الإمبريالية الجديدة، وسياسات "اسرائيل" العدوانية التوسعية في منطقة هي الأكثر عرضة للانفجار والخروج على بيت الطاعة الأميركي!!