ايران..
وفاتورة الحياد!!
ابراهيم
العبسي
أين
كانت ايران حينما بدأ العراق يتعرض لحملة
إعلامية أميركية ظالمة وعنيفة، تتهمه بدعم
الإرهاب الدولي، وامتلاك برامج متطورة
للأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية
تهدد أمن العالم وسلامته وحريته!!
وأين كانت ايران حينما وجد العراق نفسه وحيدا
في مواجهة الوحش الأميركي وحليفه البريطاني،
عندما سمح لفرق التفتيش الدولية باستباحة
مؤسساته العسكرية والمدنية ليثبت للعالم كذب
وزيف المزاعم الأميركية، في محاولة منه لتجنب
ضربة عسكرية قاتلة ومميتة!!
ولماذا التزمت طهران الصمت، بعد ان نجح
العراق في كشف بطلان الأكاذيب الأميركية حول
امتلاكه لمثل هذه الأسلحة، وبشهادات رؤساء
فرق التفتيش!!
ألم تدرك ايران آنذاك ما كانت تحذر منه بغداد،
من ان الوحش الأميركي، إنما يتخذ من إصراره
على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل،
ذريعة لغزو العراق واحتلاله، حتى بعد فشل فرق
التفتيش في إثبات هذه المزاعم!!
ألم توجه بغداد في ذلك الوقت دعوة لكافة الدول
العربية والإسلامية، وفي مقدمتها الجمهورية
الإسلامية في ايران، للوقوف معها وإدراك
المغزى الحقيقي لهذه الافتراءات، إلا وهو ضرب
العراق وغزوه واحتلاله، ومن ثم التحول إلى
جبهة أخرى في المنطقة، والى دولة أخرى، حتى
تبسط واشنطن سيطرتها وهيمنتها على المنطقة
بالكامل!!
ألم يحذر العراق من ان الوحش الأميركي لن يشبع
نهمه الإمبريالي بضرب العراق واحتلاله،
وإنما بالامتداد شرقا وجنوبا لابتلاع دول
أخرى، وفي مقدمتها جمهورية ايران الإسلامية!!
ولماذا وقفت ايران على الحياد حينما بدأت
طبول الحرب الأميركية تقرع ضد العراق، وأخذت
الجيوش الأميركية تتدفق إلى المنطقة تمهيدا
لاجتياح العراق، الذي تحقق فعلا!!
ألم تدرك طهران آنذاك، وهي الدولة
الراديكالية والإقليمية الكبرى المجاورة
للعراق، والمعادية للسياسات الأميركية،
والمدرج اسمها في واشنطن ضمن قائمة الدول
الإرهابية والداعمة للإرهاب، ان التواجد
الأميركي في العراق سوف يشكل تهديدا مباشرا
لها!!
أم تراها كانت تصدق المزاعم الأميركية من ان
الحملة العسكرية الأميركية تستهدف الإطاحة
بنظام الرئيس العراقي صدام حسين الذي كانت
ترى فيه طهران عدوا للثورة الإسلامية ولا بأس
من وقوفها على الحياد والتفرج على ضرب النظام
العراقي وانهياره مغلبة رغبتها في الانتقام
والتشفي، على رؤية الأبعاد الرهيبة التي
ستترتب على المنطقة، وعلى طهران بالذات بعد
احتلال العراق، وتحويله إلى قاعدة عسكرية
أميركية على الحدود الايرانية!!
لماذا لم تغلب طهران في ذلك الوقت عداءها
الجوهري مع واشنطن، على عدائها الثانوي مع
النظام العراقي، وتقف بالفعل لا بالقول، ضد
غزو العراق واحتلاله، باعتباره يشكل تهديدا
مؤكدا لها، وان كان هذا التهديد مؤجلا!!
والآن، ما الذي يمكن ان تقوله طهران بعد ان
اصبح التهديد المؤجل، معجلا، وبدأت الإدارة
الأميركية باتهام النظام الايراني، بأنه
يمتلك المنشآت والبرامج القادرة على إنتاج
أسلحة نووية متطورة تهدد أمن وسلامة المنطقة
والعالم، بعد ان كانت تتهمه بالإرهاب ودعم
الإرهاب فقط!!
أليس هذا هو نفس التكتيك والأسلوب والسيناريو
الذي اتبعته واشنطن قبل احتلالها للعراق!!
ثم أليس استجابة طهران للمطلب الأميركي
الأوروبي أيضا في السماح للوكالة الدولية
للطاقة الذرية بتفتيش المنشآت والمواقع
الايرانية والذي سيمتد حتما إلى المؤسسات
العسكرية والمدنية، هكذا بشكل مفاجىء ودونما
إنذار، هو ما حدث مع العراق بالضبط!!
ولكن هل تأمل طهران بسماحها لوكالة الطاقة
الذرية الدولية بتفتيش منشآتها ان تتجنب
الضربة الأميركية التي بدأت تخشى منها حتى في
حالة عدم عثور فرق التفتيش على أية أسلحة
نووية متطورة، أو غير متطورة!!
من المؤكد ان طهران قد أدركت متأخرة أبعاد
اللعبة الأميركية القاتلة والمميتة، فها هو
مرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي يدعو
الدول الإسلامية إلى الوقوف مع ايران في
التصدي للهجمة الأميركية على طهران، والتي
بدأ فصلها الأول بفرق التفتيش، هذه الهجمة
التي ستتوالى لابتلاع دول المنطقة واحدة تلو
الأخرى، على حد تعبير السيد خامنئي، ان لم يكن
بنفس الذريعة والسيناريو، فبذرائع
وسيناريوهات أخرى مبتكرة، أثبتت واشنطن
مقدرتها على اختلاقها وإلزام العالم
بتصديقها.
ولكن هل ستستجيب الدول الإسلامية ودول
المنطقة بالذات لمثل هذه الدعوة المتأخرة، أم
أنها ستعيد إنتاج نفس الموقف الايراني السلبي
في الصمت والوقوف على الحياد، تماما مثلما
فعلت طهران مع بغداد، وسيجد النظام الايراني
نفسه في مواجهة نفس مصير النظام العراقي
السابق!!
بالطبع نحن لا نتمنى هذا المصير لجمهورية
ايران الإسلامية، بل نشعر بالحزن حيال ما
تتعرض له، ونتمنى ان تجد من يقف معها وينتصر
لها ضد الهجمة الأميركية التي بدأت فعلا، مع
ان هذا التمني بعيد المنال كما تعلم طهران
ويعلم مرشد الثورة، فما نتمناه ونرغب فيه شيء..
وما يمكن ان يحدث على ارض الواقع شيء آخر.