الرفاهية والاحتلال والوطنية  

العراق وقضية تيسير علوني

وليد الزبيدي/كاتب عراقي

wzbidy@yahoo.com

عندما يطرح البعض من العراقيين، تساؤلات عن الرفاهية، التي وعدت بها أميركا العراقيين، قبل الاحتلال وبعده، فإن هذا الطرح، وان كان لدى الغالبية، يهدف إلى كشف عورات الإدارة الأميركية، إلا أنه، في الوقت نفسه، يشكل قاعدة لخطاب خاطئ.

الذي يقع على بلده الاحتلال، ليس كالذي يناقش أخطار الاحتلال، ويأتي بالنظريات ويطرح الآراء والأفكار، لهذا علينا أن نفرز بدقة عالية بين ثلاثي (الرفاهية والاحتلال والوطنية). فإذا تعاملنا مع الرفاهية، على حساب الوطنية، فإن الخسارة ستكون فادحة، إذ سيحقق الاحتلال واحداً من أهم وأكبر أهدافه، المتمثل بنزعة الوطنية، أو على الأقل تقليل حضورها الشعوري والوجداني عن العراقيين. وهنا تكمن خطورة، ما يردده البعض، من تساؤلات عن الرفاهية، التي وعدت بها الإدارة الأميركية، وقالت انها ستجلبها، بعد انقشاع غبار الحرب.

من هنا، يجب أن نطرح سؤالاً آخر، عن الدوافع التي تقف وراء مخطط الولايات المتحدة، في احتلال العراق، خاصة أن المسوغ، الذي اعتمدته أساساً في ذلك، وهو أسلحة الدمار الشامل، تبين أنه مجرد كذبة كبيرة، وهذا ما اتضح على أرض الواقع.

أما إذا كان هدفها، وكما تحاول أن تروج لذلك، هو إحلال الديمقراطية، فهذا يعني أن مسلسل الاحتلال، يجب أن يطول ثلاثة أرباع دول المعمورة.

إذن يجب أن نعترف بأن ثمة مصالح كبيرة وواسعة، تقف وراء إصرار الإدارة الأميركية، على احتلال العراق، وإذا أدركنا هذه الحقيقة، وعرفنا أن تلك المصالح تصب في مسار تقدم ورقي ورفاهية الإمبراطورية الأميركية، فإن ذلك، يجعلنا نقف بدقة، عند جميع المنحنيات ونرى بوضوح المسالك والطرقات. أي إن ما تردده الإدارة الأميركية من شعارات، ليس هو الحقيقة، وإنما هي محاولات واسعة، لدفعنا إلى المزيد من الضبابية، حتى لا نرى حقيقة الاحتلال بالوضوح المطلوب. وهذا الأمر يحتم علينا، أن نضع قضيتين أساسيتين أمامنا، عندما نتحدث عن الاحتلال والرفاهية، وهما:

أولاً: أن الرفاهية، إذا ما جاءت إلى العراقيين، فأنها تأتي من واردات العراق وخيره الوفير، وليس من جيب المواطن الأميركي، بل ان الشركات الأميركية، ستحقق أعلى الأرباح، لأن لها حصة الأسد من ميزانية اعمار العراق.

ثانياً: التعاطي مع أي شكل من أشكال الرفاهية، يجب أن يكون من خلال التدقيق في حدود وأبعاد مصلحة الاحتلال في ذلك، قبل أن يكون بمثابة خدمة للمواطن.

من خلال فهمنا الدقيق لعلاقة الرفاهية بالاحتلال، في بلد غني بثرواته وعقول أبنائه، مثل العراق، فأننا سنصل إلى مفهوم الوطنية، وارتباطها العميق والمتجذر في العقول والعواطف.

لهذا فإن الدعوة للمطالبة بالرفاهية، قد تكون هي المطلب الأول والأخير، لقبول الاحتلال والترحيب به، على أوسع نطاق، فإذا ما تحققت الخطوة اللاحقة، وتم إغراق السوق بالبضائع، وإلى غير ذلك من أشكال الرفاهية الأخرى، فإن هذا المطلب، قد يكون على حساب الوطنية، بكل ما تعني هذه الكلمة، وبجميع مدلولاتها وأبعادها.

ويفترض أن يتجه الخطاب الوطني العراقي، إلى التعريف بمخاطر الاحتلال، على البناء الحقيقي للمجتمع، وأن يكون الفرز دقيقاً وواضحاً، بين مفاهيم الرفاهية، وأهداف وسلوكيات الاحتلال، والفهم الحقيقي والعميق للوطنية.

العراق وقضية تيسير علوني

وليد الزبيدي/كاتب عراقي

wzbidy@yahoo.com

رغم كل التفسيرات، التي تحاول أن تربط بين الإعلامي العربي تيسير علوني، الذي اعتقلته السلطات الأسبانية، كما تدعي وعلاقته بالقاعدة، إلا أن القضية برمتها، في الواقع، ترتبط بعلاقة الولايات المتحدة، بوسائل الإعلام العربية، ويستطيع المتابع، أن يلمس حجم التوتر، في هذه العلاقة، خلال الأسابيع الماضية.

إذ بدأت من الهجوم العنيف، الذي شنه نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفوتيز، على بعض الفضائيات العربية، محاولاً من خلالها إرسال برقية شديدة اللهجة، إلى جميع وسائل الإعلام، التي يوجد لها مراسلون ومكاتب في العراق.

وخلال الأيام الماضية، ازدادت حدة التوتر، وسارعت القوات الأميركية، إلى اعتقال مراسلة إحدى الفضائيات العربية مع مصور القناة، واقتادتهما إلى معتقل المطار في بغداد، وأجرت معهما تحقيقاً مطولاً، ومارست أساليب سيئة ضدهما، لا تتناسب مع قوة ومكانة السلطة الرابعة، التي تقول الخطابات الأميركية، أنها تسعى لتقويتها في مختلف أرجاء العالم.

كما اضطرت أكثر من صحيفة في العراق، لمناشدة مجلس الحكم الانتقالي، للإفراج عن مصوريها، الذين اعتقلتهم القوات الأميركية، في أماكن خدمية، ولم يكونوا بالقرب من مقر للقوات الأميركية، وكانت إحدى هذه الصحف، التي توجهت بالنداء للإفراج عن مصورها، تعود إلى شخصية بارزة في المجلس الرئاسي، في مجلس الحكم الانتقالي، الأمر الذي أثار تعليقات البعض من العراقيين، عن حجم الصلاحيات، التي يمتلكها المجلس، وقدرته على التأثير على إجراءات القوات الأميركية.

وقبل ذلك، أصدرت القوات الأميركية أوامر صارمة منعت بموجبها، تصوير العمليات التي تنفذها المقاومة العراقية، ضد دورياتها ومقراتها.

أما المحنة الحقيقية، فهي طبيعة الصراع، بين دوافع المهنة الإعلامية، وتفسيرات القوات الأميركية، فمن جهة يتحرك الإعلاميون في كل مكان، ومن جهة ثانية، تحصل الهجمات بكثرة وفي كل مكان، فإذا صادف وجود إعلامي مصادفة، في المكان الذي يتعرض فيه الجنود الأميركيون للقتل، فهذا يكفي لاعتقاله، ووضع الكيس الأسود برأسه، وتعرضه لأبشع وأسوأ أنواع المعاملة.

وعلى هذا الصعيد روى لي إعلامي عراقي، كيف بطحوه أرضاً لما يقرب من الساعة، لأنه صادف مروره، قرب دورية تعرضت لانفجار لغم في منطقة الغزالية، ببغداد، وقال: انه زجر زميلاً له، عندما حاول الإشارة إلى أنهما من الصحافة، لأن ذلك، سيتم تفسيره من قبل القوات الأميركية، على أن حضور صحفي في هذا الوقت، وفي هذا المكان، يدلل على أنه يعرف تماماً موعد الهجوم، أي أن له علاقة مع رجال المقاومة العراقية. قال الزميل، أنه فضل أن يبقى مطروحاً على وجهه، وتلقي المعاملة السيئة، على ذكر مهنته.

نعود إلى قضية الإعلامي العربي المتميز تيسير علوني، لنقول أن الاتهامات الموجهة له، واعتقاله إنما يندرج ضمن السلوك الأميركي، الرامي إلى تخويف أصحاب الكلمة وردع المؤسسات الإعلامية الكبرى، لاعتقادهم أن نشر أخبار المقاومة يسهم في تشخيصها، وبالتالي يساعد على سرعة انهيار الاحتلال الأميركي، في العراق، الذي يعيش أسوأ الأوضاع، ولا يعرف كيف يخرج من ورطته.

لكن ما نريد قوله ان الذين ينفذون الهجمات، يعيشون في قرى وأراض زراعية، غالباً ما تكون بلا كهرباء، ولا أظن أنهم يهتمون كثيراً بما يقال، لكن ما يهمهم، هو ما يحصل على أرض الواقع، وهم أدرى بتفاصيل ذلك.