المُضحك
المُبكي
توجان
فيصل/كاتبة ونائبة سابقة في البرلمان الأردني
طريف
ومسلِّ موقف الأنظمة العربيّة من قرار إبعاد
عرفات أو اغتياله، وما تلاه من استعمال
أمريكا للفيتو، ولا نقول حق الفيتو كما تفعل
الأنظمة العربيّة، فليس في فيتوهات مجلس
الأمن أي أثر لما يمكن ان يسمّي حقّاً، بل هو
خاوة لا أكثر.
أوّل
واكثر ما يبعث على
السخرية، هو قول تلك الأنظمة أنّه لا يجوز
إبعاد عرفات لأنّه الرئيس المنتخب للشعب
الفلسطيني" !! معني هذا انّه يجوز إبعاد
باقي رؤساء الأنظمة العربيّة لأنّها غير
منتخبة. يضاف إلي ذلك أن إجراء إبعاد غالبيّة
رؤساء الأنظمة العربيّة لن تعترضه صعوبة
إجرائيّة كالتي تعترض إبعاد عرفات. فالأنظمة
غير المنتخبة لن تخرج جماهيرها للشارع لتشكيل
سد بشري لمنع الإبعاد أو حتّى التصفية.
واتّباع الأسلوب المعروف بإجبار الناس،
بالترغيب أو الترهيب، على
الخروج للشارع بقيادة زمرة من المخابرات
لتأييد الحاكم، سيؤدّي إلي عكس النتيجة
المطلوبة. فهؤلاء المجبرون، أو حتى
الوصوليّون المتملّقون لكل من هو في السلطة،
سيقلبون هتافاتهم مائة وثمانين درجة عند
اللحظة الحاسمة، والأرجح أن يتجاوزوا الهتاف
إلي الفعل. فاللحظة نادرة وانتظارها لدي
الغالبيّة الساحقة طال.
الأنظمة
العربيّة تعرف هذه الحقيقة، ودليل المعرفة
يتمثّل في حجم الحراسات الشخصيّة المتصاعد،
وتصاعد القمع لكل اشتباه في معارضة، ممّا بدأ
يخلق متضرّرين جدد بين قطاعات الشعب
السلبيّة، تحوّلوا بسبب الاستهداف الأعمى
المرعوب إلي معارضة ميدانيّة اخطر من
المعارضة السياسيّة التقليديّة التنظيريّة.
لهذا فإنّ وتيرة الذعر العربي الرسمي ارتفعت
حين انتقل التهديد الإسرائيلي من مجرّد
الإبعاد( فهذا على
الأقل أمر رغبت، بل وتواطأت لتنفيذه بعض
الأنظمة العربيّة من قبل والآن، ونعيد
القاريء إلي القصّة الحقيقيّة لتنقّل عرفات
بين عدة محطّات، بما فيها غزّة وأريحا ثمّ رام
الله)، إلي التصفية الجسديّة. فالأخيرة تحرّك
الكوابيس التي ظلّت تطيّر النوم من أعين
غالبيّة القادة العرب، على
امتداد عهود بعضهم التي طالت، ومنهم من اعترف
بها في مقابلاته مع الصحافة الأجنبيّة (فهذه
لا يملكون شطب أسئلتها غير المرغوبة) بتسليمه
بأن الأعمار بيد الله، والإيحاء بالتالي بأنّ
عين الله تحرسه لورعه وتقواه، أو في إشاراته
للاحتياطات الأمنيّة التي كان يتخذها فيما
يسمونه بزمن الأزمات.. وبعض الحكّام العرب كل
سنوات حكمهم أزمات، باعترافهم الذي بدونه لا
يمكن تبرير فرض الأحكام العرفيّة أو قوانين
الطواريء بشكل دائم أو شبه دائم. وهذه
الكوابيس ليست ناشئة عن أوهام، بل إنّها
نابعة من استعادة تجارب وأحداث التاريخ
الحديث نسبيّاً!!
ثم
إنّ الإبعاد في هذه المرحلة أخطر
على الأنظمة العربيّة من سابقاتها.
فهنالك احتمال لأن يُفرض على إحداها استضافة عرفات،
على الأقل ليكون في متناول يد إسرائيل
لتصفيته جسديّاً إن ثبت انّه ما يزال الزعيم
الفلسطيني، أي إن لم يغيّر المواقف التي من
أجلها تريد إسرائيل التخلّص منه. وهذا يجعل
الدولة المضيفة متورّطة في نظر العالم، ولكن
الأهم، في نظر الشارع الفلسطيني الذي قد يلجأ
للانتقام لزعيمه. وحيث يزداد نفوذ وتغلغل
أمريكا وإسرائيل في القرار السيادي لتلك
الدولة، تزداد احتماليّة فرض عرفات عليها.
وهذه الدول أصلاً صوفتها حمرا ء" في نظر
الشعوب العربيّة، وفي نظر شعبها أيضاً. أي أن
الأمر سيكون تصديراً، ليس فقط للانتفاضة
الفلسطينيّة لتلك الدولة،بل قد يؤدّي إلي
انتفاضة أخري وطنية!!
وسياسة
الإبعاد بحد ذاتها لها تداعيات خطيرة تمس أمن
واستقرار الأنظمة العربيّة بما هو أبعد واخطر
من موضوع عرفات. الإبعاد سياسة مارستها "إسرائيل"
وتمارسها بحق غير المرغوب بهم من الفلسطينيين
. ومع مخطّط تهويد القدس والاستيطان في
الضفّة، والذي تسارعت وتيرته وتكشّفت معظم
خرائطه النهائيّة بصورة مرعبة بعد إطلاق ما
سمّي بالمفاوضات السلميّة، أصبح بين
المبعدين سكّان بعض المناطق، كالقدس مثلاً،
غير المرغوب فيهم كرقم سكّاني محض، دون النظر
إلي تاريخهم السياسي والنضالي. فالتفوّق
الديموغرافي هو مطلب أساسي للأمن الإسرائيلي.
وأمن "إسرائيل" هو البوصلة الرئيسيّة
التي تحرّك كامل السياسات "الإسرائيليّة"
والأمريكيّة. والإبعاد يعني تهجير أعداد ضخمة
من الفلسطينيين إلي البلاد العربيّة بالذات.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والسعار
القائم باسم مكافحة الإرهاب، يستحيل ان تقبل
دول من تلك التي سهّلت هجرة الفلسطينيين
إليها بعد حربي عامي 48 و67 (من مثل أمريكا
واستراليا وكندا وبعض دول أمريكا اللاتينيّة)،
دفعات من أولئك المهجّرين لتخفيف العبء عن
إسرائيل وعن بعض الدول" الصديقة"
لبريطانيا آنذاك ولأمريكا الآن، باعتبار
الأخيرة وريثة بريطانيا في كل مستعمراتها
السابقة.
ولا
يقف الأمر عند الخطر الديموغرافي بزيادة عدد
المهجّرين واقتصار استيعابهم
على الدول العربيّة وحدها تقريباً، بل إن
هنالك تعقيدات أخري تواكب حملة التهجير أو
الإبعاد الجماعي المتصاعدة. فالعبء
الاقتصادي مثلاً سيكون اكبر، و على دول نخرها
الفساد (الآتي من غياب الديمقراطيّة كما من
التبعيّة لأمريكا) فارتفعت المديونيّة ونسب
البطالة والفقر فيها، وبدأت كل المخاطر
الاجتماعية المصاحبة لهذه الحالة بالظهور
والتفاقم. وكل هذا يتم في زمن، بعكس عام 48
بالذات، لا يريد فيه أحد دفع الفاتورة
الماليّة والاقتصادية للتهجير الجماعي .
المتسبّب في المشكلة - إسرائيل - لم ولا ولن
تدفع ابتداء. وأمريكا بالكاد تفي مطالب
إسرائيل لتغطية نفقات عدوانها وسياساتها
التوسّعيّة، وتريد من أوروبا والدول العربية
الثريّة ان تدفع. وأوروبا في أغلبها، وخاصة
ألمانيا التي أجبرت على
تقديم كامل موازنة إسرائيل عند إعلان قيامها،
متمرّدة على
الهيمنة الأمريكيّة والانفراد الأمريكي في
إدارة العالم. والدول العربيّة الغنيّة جري
استنزافها من أمريكا بما جعلها مضطرّة لرفض
الدفع حفاظا على
ذاتها.. وحتى وكالة غوث اللاجئين والتي كانت
تموّل من هؤلاء وغيرهم، أفلست وتكاد تكون شبه
ملغاة، ممّا يلقي ضوءاً على
صورة الوضع الاقتصادي الخطير للمهجّرين -"المبعدين"-
الجدد وللدول التي سيُبعدون إليها!!
ونضيف
إلي هذا تداعيات مخطّط الترانسفير الذي لا
تنفك إسرائيل تعلنه، والدول العربيّة تنكره
أو تتجاهله في دس يائس لرأسها في الرمال.
فالترانسفير وارد كنتيجة حتميّة لما يسمّي
بالتسوية النهائيّة في المنطقة، وخاصّة إن تم
تنفيذ خارطة الطريق التي، وهنا مكمن لمزيد من
العجب والطرافة والسخرية، تتحمّس لها الدول
العربيّة المرشّحة لاستضافة المهجّرين من
داخل ما يُسمّي إسرائيل، وليس فقط من الضفّة
والقطاع. فغالبيّة مؤيّدي خارطة الطريق من
الإسرائيليين، وهؤلاء يشيد بهم العرب بمن
فيهم السلطة الفلسطينيّة باعتبارهم مؤيّدين
لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، يصرّحون ان
قيام الدولة الفلسطينيّة هام لأمن إسرائيل
لأنّه الوسيلة الوحيدة لإعلان إسرائيل وطناً
لليهود فقط"!!
صحيح
أن حال الشعوب العربيّة بائس في ظل مخطّطات
كهذه. ولكن لأن الأنظمة العربيّة جزء من
الأداة التنفيذيّة لهذه المخطّطات، بدون وعي
أحياناً وبوعي، ولو ربّما بدون إرادة، في
الأغلب الأعم، فإنّ من حق الشعوب ان تتّكيء على الركام في لحظات استراحة
المحارب، وتستمتع بمنظر أنظمتها المأزومة
والمرعوبة، وهي تتلقّى في حضنها دفعات من جمر
النيران التي ساهمت في إشعالها!!