دور
الأحزاب السياسية في تطبيقات الحكم السليم في
المجتمع الفلسطيني
د.
أحمد مجدلاني/ فلسطين المحتلة - رام الله
الانشغال
الذي تبديه مؤسسات المجتمع المدني في قضايا
الشأن العام الوطني والسياسي بما في ذلك،
موضوع الحكم السليم وقضايا الديمقراطية
وحقوق الإنسان، كل هذه القضايا تلعب دورا
مهما ليس على صعيد تعميق النقاش والحوار داخل
النخب السياسية والفكرية في المجتمع
الفلسطيني بهدف رسم صورة النظام السياسي الذي
نريده ونطمح له في بلادنا، بل بما يمكن أن
تلعبه هذه النقاشات والحوارات من دور تنويري
تثقيفي عبر نشر وتوزيع وتعميم هذه الأفكار
والنقاشات على مستوى واسع، بهدف خلق وتعميق
رأي عام وطني فلسطيني اتجاه هذه القضايا
المطروحة على بساط البحث.
مما
لاشك فيه إن مسألة الحكم السليم ودور الأحزاب
السياسية في توفير ضمانة لممارسته تطرح أكثر
من تساؤل وعلى أكثر من مستوى نظري وواقعي
تطبيقي، وأيضا ارتباطا بالثقافة السياسية
السائدة والتي في جزء كبير منها ثقافة
موروثة، اعتبرت ولزمن طويل وحتى بعد تشكل
النظم السياسية وإقامة الدول الحديثة في
المنطقة العربية بصلاحية (مقولة الحاكم
المستبد العادل)، وجرى تصوير هذا المنطق حتى
من قبل بعض المثقفين الذين عملوا كأبواق
لصالح الحكام والسلاطين انه مرحلة انتقالية
ضرورية ولابد منها لتجاوز مرحلة عدم النضج
السياسي في المجتمعات العربية، وجرى استنادا
لهذه القاعدة تبرير بل تشريع ما تقوم به أنظمة
الاستبداد من قمع وقتل وتعذيب وتشريد لأبناء
الوطن.
بيد
إن الخصوصية التي ميزت الوضع السياسي
الفلسطيني، لجهة أن النظام السياسي
الفلسطيني قد نشأ وتولد في سياق عملية كفاحية
ضد الاحتلال، وان تميزت النخب السياسية
العليا والمسيطرة على صنع القرار فيه بأنها
امتداد فكري وطبقي للنخب السياسية العربية
الأخرى، إلا انه وبسبب الطبيعية النضالية
لهذا النظام باعتباره حركة تحرر وطني وخارج
أرضه قد فرضت شكلا من أشكال الممارسة
الديمقراطية التي اتسمت بالفرادة والتميز،
رغم ما يقال ويسجل على هذه الديمقراطية من
ثغرات ونواقص.
غير
أن السمة المميزة لهذا النظام رغم التعددية
السياسية والفكرية والتنظيمية التي تمتع بها
، فقد بقى نظاما مغلقا وغير منفتح ، ويقوم على
أساس من الحصص المتفق والمتوافق عليها ، وقد
تتغير نسبتها تبعا للظروف والمتغيرات
السياسية أو للتحالفات التي قد تنجم عن هذه
المتغيرات ، إلا أن السمة الرئيسية له انه يظل
مغلقا ، رغم السمة التمثيلية الواسعة التي
يتميز بها أيضا ، بمعنى تشكيلة المجلس الوطني
، والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية .
هذا
الواقع على مدار عدة عقود وبسبب طبيعة الصراع
مع الاحتلال، وبسبب إن الجسم الرئيس لهذا
النظام كان في المنفى، فلم تأخذ قضايا مثل
المراقبة والمحاسبة والشفافية والمكاشفة
دورها عبر آليات ممأسسة، بل إن القضايا التي
كانت تطفو على السطح عند كل خلاف سياسي أو
تنظيمي كانت تنتهي بصفقات على المحاصصة وتغلق
الملفات التي كانت الروائح المنبعثة منها
تزكم الأنوف البعيدة قبل القريبة، والتبرير
كان دائما وأبدا الحرص على الوحدة الوطنية.
لقد
توفرت فرصة كبيرة وجدية أمام النظام السياسي
الفلسطيني لكي يعاد بناءه وتجديده مع قيام
السلطة الوطنية الفلسطينية على الأرض
الفلسطينية، ولأول مرة توثقت علاقات النظام
السياسي بالمجتمع والأرض، وكذلك توفرت فرصة
جدية عبر الممارسة الديمقراطية التي اتيحت
بأجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لكي
تعاد بناء أسس النظام السياسي الفلسطيني وفق
معايير جديدة، ولكي يفتح الطريق نحو ليس
دمقرطة هذا النظام فحسب وإنما دمقرطة المجتمع
أيضا.
بيد
إن النخبة السياسية المهمينة بسبب طبيعتها
الطبقية والفكرية المحافظة عملت على إعادة
إنتاج النظام السابق وفقا لصيغ مستجدة وحافظت
على هيمنتها وتفردها واحتكارها لصنع القرار
وعلى كافة المستويات.
ولقد
كان لعزوف قوى سياسية مؤثرة وفاعلة عن
المشاركة في الانتخابات، ولطبيعة النظام
الانتخابي الذي صمم لإنتاج هكذا تركيبة أن حد
من إمكانية ظهور تشكيلة تمثيلية واسعة في
صفوف المجلس التشريعي وأعطى المجال لطغيان
اللون السياسي الواحد على هذا المجلس الذي
وفر كما اشرنا استمرارية للنظام السياسي
السابق.
ولكن
ورغم كل شيء، فإن حقيقة أن لا ديمقراطية بدون
أحزاب سياسية، مسألة لا تقبل الجدل والنقاش،
فإن بنى الأحزاب والقوى الوطنية
والديمقراطية، قد تكلست عبر هذه التجربة
الطويلة من الركود السياسي في ظل الركون على
توازع الحصص، وقد انعكس ذلك عل بناها
وأوضاعها الداخلية، والتي باتت هي أيضا بأمس
الحاجة إلى دمقرطة حياتها الداخلية، بما في
ذلك إعادة النظر بأشكال ومضامين الصيغ
التنظيمية التي أقامت عليها بناها الحزبية.
ومع انه قد توفرت فرصة تاريخية كبرى لهذه
الأحزاب والقوى( وخصوصا اليسارية) بالعملية
الديمقراطية التي كان أطلقها غورباتشوف عبر
ما سمي بالتجديد لان تعيد النظر بأوضاعها
وأساليب عملها، إلا أنها وان تعاطت شكلا مع ما
فرضته هذه المتغيرات إلا أنها من حيث المضمون
لم تستطع أن تولد حركة فكرية تجديدية عميقة
وقوية تؤثر وتغير من بناها وأشكال وأساليب
عملها، كما إن الفرصة الذهبية الأخرى التي
توفرت لهذه القوى مجتمعة عند قيام السلطة
الوطنية أن تتحول لأحزاب جماهيرية، وتتبنى
برامج اجتماعية اقتصادية تعبر من خلالها عن
تمثيلها الطبقي والاجتماعي الذي كانت
ومازالت تدعيه لنفسها، إلا أنها بدلا من ذلك
غلبت كما هو الحال دائما الشأن السياسي
والوطني العام على القضايا الاجتماعية
والاقتصادية والديمقراطية، ولم تدرك انه قد
نتج واقع جديد تداخلت فيه مهام استكمال
التحرر الوطني مع المهام الاقتصادية
والاجتماعية والديمقراطية، فبدت هذه القوى
وكأنها تعيش في غربة حتى عن أعضائها بسبب جمود
خطابها السياسي، وعدم قدرته على موائمة
التطورات والمتغيرات الحاصلة على الأرض.
إن
الانتقادات الصحيحة التي تطلقها معظم القوى
السياسية على النظام السياسي الفلسطيني،
وأوجه القصور والخلل الذي تعتريه ونقص
الديمقراطية وانتهاكه أحيانا كثيرة للحقوق
العامة والديمقراطية وتفرده وهيمنته على
مراكز صنع القرار، إن كل ذلك وان بدا صحيحا
وفي مكانه فإنه من جهة أخرى لا يبرر أن لا تقوم
هذه القوى أيضا بدمقرطة حياتها الداخلية
ليتسنى لها خوض معركة إصلاح وإعادة بناء
النظام السياسي الفلسطيني لأنه بالضرورة يجب
أن يعاد بناءه على أسس حزبية، كما إن هذه
القوى حني تستطيع من لعب دور فاعل في تكريس
مبادىء الحكم السليم في المجتمع ومن ممارسة
دورها الرقابي على السلطة التنفيذية، وتصويب
أدائها وتصحيحه عليها أن تحسم وبالأساس أيضا
موقفها من النظام السياسي نفسه وهل هو شرعي
وممكن التعامل معه على قاعدة مشروعيته أم
مازال التشكيك في شرعيته ومشروعيته قائما،
وبالتالي فإن الحديث عن التصحيح والتصويب
يصبح رياضه ذهنية خارج المكان والزمان.
-
إن انفتاح النظام السياسي الفلسطيني وتكريس
التعددية السياسية والفكرية والتنظيمية فيه،
لا يمكن أن تتم إلا من خلال مداخل ديمقراطية
وأبرزها وأهمها تكريس دورية الانتخابات، في
المجتمع لضمان انتقال السلطة وتدوالها بشكل
سلمي وديمقراطي.
-
كما وان صياغة نظام انتخابي عصري وديمقراطي
يقوم على أساس التمثيل النسبي أو/و المختلط من
شانه أن يكرس هذه التعددية ويفسح في المجال
لتجديد بنية النظام السياسي الفلسطيني
وبالتالي توسيع خيارات الرقابة والمحاسبة
وتوفر آليات لحكم سليم.
-
دمقرطة الحياة الحزبية الداخلية من خلال
دورية عقد المؤتمرات وانفتاح هذه الأحزاب على
الجماهير، وعرض أفكارها وبرامجها للنقاش
العلني، وأجراء تجديد حقيقي في بناها
ومؤسساتها.
-
أجراء الانتخابات في المجالس البلدية
والقروية، لضمان مشاركة شعبية واسعة في صناعة
القرار وتحديد خيارات الناس وتنوعها وفقا
لقدرتهم على المساهمة في صنع حياتهم.
-دمقرطة
مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني والحرص على
تطوير أوضاعها وأجراء الانتخابات فيها
وتوضيح نسب التجديد فيها حتى لا تتحول إلى نسخ
مكررة من الأحزاب السياسية، خصوصا وان بعضها
امتداد واذرع لهذه الأحزاب.
إن
مدى نجاحنا في تطوير ودمقرطة مؤسسات المجتمع
المدني وفي المقدمة منها الأحزاب السياسية
سيلعب وبدون أدنى شك دورا هاما في التأثير عل
خلق مناخ مواتي لحكم سليم يقوم على أساس سيادة
القانون واحترامه وعلى أساس فصل حقيقي
للسلطات، ويضمن رقابة ومحاسبة وفقا لآليات
معروفة ومحددة.