استحالة الإمبراطورية في عصر المدنية المحتوم

مطاع صفدي/مفكر عربي يقيم في باريس
ماذا يشغل الفكر الإنساني في هذه الحقبة من مراجعة الحدث (الإرهابي) في 11/9/2001 سوى إعادة تحليله واكتشاف أبعاده اللاحقة به خلال العامين المنصرمين. هذا الموضوع يسيطر  على إعلام العالم، لكن بقدر ما يكون هذا الخيال اللفظي شاغلا للدنيا، فانه يولد سؤالا آخر: ولماذا هذا الانشغال نفسه، وهل يتعلق الأمر بالحدث واستثنائه الفريد، أم ان العالم يكاد ينساه لينصرف إلى هم آخر، وهو سؤال التدبر مع الحدث الأكبر والأخطر الذي ولده مع بروز ظاهرة الامبطرة الأحادية، وما تنطوي عليه من تهديد حقيقي شمولي لن تنجو منه دولة أو حضارة في كوكبنا الذي بات صغيرا فعلا كهدف واحد للوحش الأكبر الفالت في غابة. هذا بالرغم من ان العرب والإسلام هم الذين يتلقون التمارين الأولى لممارسة الوحش ذاك، إلا ان المسرح هذه المرة لا ينفصل عن بقية المشاهدين. فالكل معنيون بالكارثة الممسرحة في جغرافية محدودة من ارض العرب والإسلام، ولكنها تنذر الجميع بتخطي أمكنة الجغرافيا لتحل في الصميم من الزمن الإنساني. فلا مفر من الدور المرسوم لكل حضارة معاصرة من تلقي حصتها من التهديد ومن طريقة تخصها في التعامل مع تداعياته في عقر دارها الخاص. ومع ان امبطرة أمريكا ليست ظاهرة جديدة تماما وأنها برزت مقوماتها بعد انهيار جدار برلين واختفاء المعسكر الاشتراكي، فإن الدعوة إلى قيام نظام عالمي جديد كانت تنتظر حدثا حربيا كبيرا يعوض عن الحرب الكونية الثالثة التي كان كل من المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي يعدان كل طاقاتهما لخوضها المحتوم.
فقد انهار أحد قطبي الثنائية التي انقسم إليها العالم من تلقاء ذاته، دون ان يكلف عدوه الرأسمالي معركة واحدة. فجاء انتصار الغرب  على طبق من ذهب. ذلك هو التغيير الكوني الحاسم الذي جعل من سقوط جدار برلين فاصلا تاريخيا في تطور الخارطة الجيوسياسية والحضارية لما كانت عليه قبل الحدث، وما صارت إليه بعده. فالفكر السياسي يعتبر اختفاء القطب الاشتراكي الفجائي هو خط الاختلاف التاريخي الأهم، وليس الحدث الإرهابي الذي أصاب نيويورك بعد عقد ونيف من انهيار جدار برلين، رمز الانقسام الأوروبي والعالمي لنصف قرن كامل. هذا لا يعني الحط من قيمة الحدث الثاني وما يحمله من رموز الاختراق الأهم في صميم العلاقة الاستبدادية بين أسياد وعبيد العصر الحديث. لكن ينبغي فهم فرادة هذا الاختراق  على خلفية التغيير الكوني في الميزانين الاستراتيجي السياسي والحضاري للعلاقات الدولية والأممية الشاملة، المتحقق مع انهيار القطبية السابقة المتحكمة في مختلف صراعات وتوازنات النصف الثاني للقرن العشرين.
لقد اختفت الثنائية القطبية بين قوى دولتية كبرى، لكنها تحولت إلى ثنائية من نوع جديد مختلف بين دول الغرب المنتصر وبين بقية العالم. ثم ما لبث هذا الغرب ان أجرى إعادة تمييز وتمايز بين دوله وثقافاته بالذات، وبدا انه يسير في خط انقسام جديد  على ضوء الاستقطاب الواقع بين حلفاء الأمس، وشركاء الحضارة الواحدة افتراضيا أي بين ضفتي المحيط الأطلسي الأمريكية والأوروبية، كأنما ذلك التفاصل الجغرافي العظيم الذي يمثله المحيط لا بد ان يدعم كذلك تمايزا إنسانيا وثقافيا بين دفتي الحضارة الواحدة افتراضيا. وتكرر هذه الصفة، إذ ما لبث انقسام المصالح بين القارتين ان عكس انقساما اعمق على الصعيد الاجتماعي والثقافي، الذي يمكن التعبير عنه اصطلاحيا بالفارق النوعي ما بين (المدنية) لأوروبا و(الحضارة) لأمريكا. فالرأسمالية قد تكون واحدة بحسب اللغة الاقتصادية، لكنها على صعيد فكر (الإناسة) ـ أي الانثربولوجيا البشرية بخاصة، فالنظام الاقتصادي مهما كان تأثيره حاسما إلا انه يظل يتبع البيئة التي ينمو تحت وطأة ظروفها الظاهرة والباطنة. وبذلك يأتي الاختلاف السياسي ثمرة أيضا لتباين الثقافتين للغرب نفسه.
ان التمايز الأوروبي ـ الأمريكي لا يفرض نفسه بسبب تضارب المصالح المادية وحدها في تقاسم العالم حول النفوذ السياسي والمغانم، لكن يبدو ان لكل منهما هويته الثقافية الخاصة التي يقترح نشرها على مجتمع الكوكب كله سواء بالإرغام أو بالإقناع. ويبدأ التباين بالتعبير عن نفسه بعد سقوط الاستقطاب العقائدي السابق ومنذ القيام بتمرين الحرب الأممية بقيادة أمريكا ضد العراق تحت شعار معاقبة هذا البلد لخروجه عن الشرعية الدولية وغزوه لبلد آخر جار ومستقل وذي سيادة معترف بها. فالأوروبيون انضموا بسرعة إلى حلف هذه الحرب رغم شعورهم ان القائد الأمريكي يبحث لنفسه عن مشروع آخر يخصه وحده من وراء احتلال جيوشه لأخطر منطقة استراتيجية هي الخليج العربي. ولقد صدق حس الأوروبيين بسرعة ما أن تحول الخليج كله إلى منطقة نفوذ عسكري اقتصادي يخص أمريكا وحدها، ومع خطة طرد منظمة للمصالح الأوروبية وحتى لرموزها الثقافية وليس من أقطار الخليج فقط بل من مساحة المشرق كله، ثم تبعها المغرب كذلك.
أوروبا تتشبث بما تدعوه مدنيتها لها ولكل الإنسانية، أما أمريكا فتخترع العولمة لتستوعب حركة الاقتصاد العالمي في دورتها الاقتصادية الخاصة بها، وذلك تحت شعار أمركة الكوكب كطريقة حياة أحادية لشعوبه وحضاراته كلها. بينما تتصور أوروبا ان زمن تنميط الشعوب في عقلها وسلوكها قد انقضى وولى مع غروب العقائديات الشمولية، وأن العصر هو لانفتاح الحضارات على بعضها، ومد جسور التعاون ما بين خصوصياتها كيما تتحول هوياتها القومية والاثنية إلى تنويعات اغنائية لثقافة العالم، دون احتكارها للنمذجة الأحادية تحت طائلة أية قوة مادية أو أيديولوجية شمولية وقسرية. فالتغيير الذي حدث لعالم اليوم لم يكن وليد صدفة، أو طاريء من أي نوع، حتى ولو كان في حجم الضربة (الإرهابية) الكبرى التي تلقتها أمريكا في 11/9/2001 لكنه هو التغيير الانطولوجي ـ ان صح التعبير ـ المتلاحق الذي حدث في عمق الشخصية المفهومية لصورة العالم ونوعية مصيره المختلف من كل انعطافات التاريخ السابقة والمشابهة من حيث التأثير في زمانها ومكانها.
أول من أدرك ما ستكون عليه طبيعة هذا التغيير/الانقلاب، ليسوا هم المفكرين وحدهم، بل هم أصحاب الشركات العملاقة عابرة القارات، إذ بدا لهم ان العالم غدا بدون حراسة معارضة، وان اجتماع المال والقوة والتكنولوجيا في يد أمريكا يجعل كل أشكال المنافسات والمقاومات الأخرى بدون أساس واقعي، وبالتالي فإن كل ما يُصنف في خانة القيم والأخلاق والقانون، ومؤسساتها الدولية لا يمكنها ان تشكل خط دفاع أول أو أخير في وجه ما هو محتم وصائر لا محالة مما سيفرضه خلل شبه نهائي بين قطب أحادى متملك لوحده من قانون فائض القوة في كل ميزان استراتيجي مع الآخر. سواء كان هذا (الآخر) مؤسسة أو دولة أو حضارة مغايرة، وبين هذا الآخر عينه المجرد خاصة من أسلحة الدمار الشامل.
هذه المعادلة البسيطة كان يمكنها ان تنشيء على قاعدتها أيديولوجيا شمولية جديدة، تضع حدا لما سمي بزمن انقضاء الأيديولوجيات بعد انهيار جدار برلين، ومع ذلك لن تخلو هذه الأيديولوجيا من ذلك العيب الأساسي الذي اشتركت فيه كل سابقاتها، وهو اعتبارها لذاتها أنها تمثل آخر المعتقدات.
اصبح جل رموزها معروفا للقاصي والداني، ساهمت هذه الموجة المتصاعدة خاصة وراء كواليس السلطتين المالية والسياسية في أمريكا بإنتاج رئاسة شاذة في قانونية وصولها إلى السلطة، وفي تركيب القوى السرية والظاهرة التي تدعمها، وكان أهمها الاختطاف الصهيوني لكنائس بروتستانية متشابكة مع الاحتكارات الصناعية الكبرى. وهي قصة أصبحت معروفة مشاعة أيضا في كل مكان. لكنها لا تكاد تهز وجدان المجتمع الأمريكي الذي اعتاد ان يمارس حياته اليومية في ظل هذا النموذج السلطوي السائد منذ نشأة الولايات المتحدة. وهو نموذج التحالفات المعقودة بين قوى الأمر الواقع المتملكة فعليا من مصائر هذه الجمهورية المتفاخرة تحت اسم العالم الجديد دائما. فلقد تم تركيب نظام الحكم الرئاسي منذ القديم، على قواعد انتخابية معينة لا تتيح تداول السلطة خارج طبقة هذه القوى وتحالفاتها الفوقية الغامضة، وأما ما يسمى بالمجتمع المدني فهو غارق في مشاغله الحياتية اليومية المفروضة عليه بفعل نظام عمل إنتاجي لا يرحم، مما يجعله مسلوب الوعي تحت ضغط الإعلام النمطي المسيطر، ومسلوب الإرادة كذلك بفعل قانون الاندماج الكلي في صيغة الكتلة الطامسة لمعالم الفرد وحريته الحقيقية المجهولة منه أولا. ولقد كشف مفكرون أمريكيون عبر مختلف مراحل التطور الرأسمالي ما ينطوي عليه نظام الحكم هذا من ديكتاتورية متسربلة بالمؤسسات الديمقراطية التي تعتمد تمثيلا طبقيا بل فئويا، يبعد الأغلبية الساحقة عن التأثير الفعلي في توجهات الدولة الرئيسية في الداخل وخاصة في الخارج.
ذلك هو التفسير البنيوي الذي ينبغي ان يؤخذ به لفهم عمق التعارض الصارخ في بنية دولة تدعي الديمقراطية بينما تنشر وتدعم الطغيان في أنحاء العالم حتى يكاد يصل بها الأمر إلى إعلان الإمبراطورية العسكرية الناسفة لقواعد السلوك الدولي والمتجهة إلى السيطرة المباشرة  على سياسات الأمم جميعها، بما فيها أوروبا نفسها. فالتفسير الصحيح لهذه الظاهرة هو أن الديكتاتورية الفعلية المبطنة للنظام الأمريكي داخليا هي التي تنفجر خارجيا على شكل اندفاع إمبراطوري ما ان أتيح لها التمتع بتراكم فائض القوة لديها. مع زوال قطب القوة العالمية الأخرى المعارضة لها دوليا. فلم يكن لهذه الديكتاتورية الباطنية ان تتطور إلى الشكل الإمبراطوري الذي وصلت إليه أخيرا لو أن حضارة أمريكا استطاعت ان تتجاوز قانون السيطرة الكاملة لقوى الأمر الواقع، وفي مقدمتها تحالف المال والسياسة، وأن تخلق مقابلها سلطة معارضة ومراقبة فعالة من قبل المجتمع المدني الذي بقي هامشيا ضعيفا دائما أمام تنامي تلك القوى واستحواذها دائما على سلطات الحكم والقضاء والتشريع والإعلام والتعليم.
فالإمبراطورية على الطريقة الأمريكية هي نتاج الديكتاتورية الداخلية وانعكاسها الحتمي على العلاقات الدولية من جهة، وما يتولده من سياسات التسلط والحرب بدءا من الدول الصغيرة وصولا إلى تركيع كبار العالم الآخرين تدريجيا. وهو الرقم الأصعب الذي أمست تصطدم به هذه المعادلة المفروضة. وقد كان احتلال العراق هو المناسبة الدموية لوضع المشروع الإمبراطوري في حال الفضيحة العسكرية والسياسية الكاملة تحت أنظار العالم أجمع. الأمر الذي يكاد يعيد المبادرة مجددا إلى كل أشكال المعارضة من داخل أمريكا نفسها، وبالطبع من أوروبا وتيارات الرأي العام الدولي وقوى مجتمعاته المدنية المختلفة بأساليب نسبية متنوعة.
هل يتوقع المراقبون الفكريون أن تمارين الإمبراطورية الأولى الفاشلة، سوف ترتد  على السياسة الداخلية لأمريكا، وقد تتجاوز هذه المرة مسألة انتخابات الرئاسة المحصورة بحزبي السلطة (الديكتاتورية) أصلا، تتجاوزها إلى أسرار النظام البنيوي نفسه المقنع بالمؤسسات الدستورية الزائفة. هذا التساؤل تطرحه طلائع أكاديمية متحررة إلى حد ما من لعبة الديمقراطية الفوقية، وتصدر حوله دراسات ومؤلفات محدودة النشر، غير أنها تعبر عن تنامي نوع المعارضة الفكرية والأخلاقية، التي تكتسب تدريجيا أدوارها المفقودة في كسر قوقعة العنف، المتمثلة في حضارة التقدم المادي والتفوق العسكري. فتوقع انكسارات من داخل هذه القوقعة مؤذنة بذلك باجتراح جسر العبور المنتظر من تلك الحضارة المنعكسة إلى رحاب المدنية حينما تنتصر ربما إنسانية الإنسان على حيوانيته.