العـرب لا ينتمـون إلى أنفسهـم  

محاسبة سوريا أم التهويل عليها؟

د. عصام نعمان

          أمريكا هي القوة الأعظم في عصرنا. فرنسا تدرك هذه الحقيقة. لكنها لا تقبل، لمجرد ان أمريكا هي الأقوى، الاستسلام لسياستها والدوران في فلكها. لو فعلت، لكان في ذلك خطر على مصالحها وعلى الأمن والسلام الدوليين.

          في المناظرة التي دارت من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أيام، فاز جاك شيراك على جورج بوش بالنقاط و... بتصفيق أعضاء الوفود وجمهور المستمعين. مع ذلك، ليس في الأفق ما يشير إلى ان الرئيس الفرنسي سيصل في صراعه مع الرئيس الأمريكي إلى درجة يتجاوز معها المعارضة السياسية.

          الحقيقة ان أعداء "اسرائيل" وأمريكا من العرب والمسلمين لا يحتاجون، مرحليا، إلى اكثر من معارضة شيراك السياسية اللاذعة للرئيس الأمريكي. إنها تكفي لتأجيج حميّة المقاومة، الفلسطينية والعراقية، وإعطائها أملا بأن ثمة أفقا سياسيا لكفاحها المسلح ضد الاحتلالين "الاسرائيلي" والأمريكي. فشيراك يقدّم لها بمعارضته حيثيات إضافية لتبرير ما تقوم به فعلا واصلا منذ سنوات، قبل هجمات 11 أيلول / سبتمبر وبعدها.

          شيراك يفعل ذلك لحماية مصالح فرنسا عربيا وعالميا، ولعله يفعل ذلك أيضا لاعتبارات "إنسانية". فهو يدرك أن سياسة إدارة بوش مؤذية لجميع الشعوب والدول، حتى للولايات المتحدة ذاتها. لذا يحاول ، بمنطق لا تنقصه الجرأة، تأليب العالم ضد سياسة بوش من دون إعطائه ذريعة للنيل من فرنسا ومن أوروبا وحتى من شعوب آسيا وأفريقيا المستضعفة.

          ليس خافيا على أحد ان أمريكا لم تعد مؤيدة لتوحيد أوروبا. لذلك تحاذر فرنسا إغضابها لئلا ترتد عليها اقتصاديا وسياسيا، ولئلا تُضطر أمريكا إلى اعتماد الشعار الإمبريالي القديم : " فرّق تسد ".

          من هنا يمكن تفسير قول شيراك لصحيفة "نيويورك تايمز" إن فرنسا لن تستخدم في مجلس الأمن حق النقض " الفيتو " ضد مشروع أمريكا الرامي إلى اجتذاب بعض الدول للمشاركة في القـوة الدولية متعددة الجنسية تحت قيادة أمريكية، مع إعطاء الأمم المتحدة دورا اكبر في الشؤون الإنسانية والاعمارية وفي وضع دستور للعراق.

          شيراك يضرب برفق فوق حزام أمريكا وليس تحته، لكنه يفعل ذلك بحذق ومثابرة على نحوٍ يشجع أعداءها على تصعيد كفاحهم ضدها.

 

***

          هذا الصراع الممسوك والمضبوط بين فرنسا وأمريكا مرشح للاستمرار لغاية انتهاء معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2004. شيراك سيثابر في خلال هذه الفترة على انتقاد طريقة بوش في شن "الحرب على الإرهاب"، كما سيثابر على معارضة سياسته العراقية الفظة أملاً في دعم خصومه من المرشحين الديمقراطيين للرئاسة.

          بوش لا يجد مصلحة له في التراجع عن سياسته الخارجية. إن هو فعل، خسر الصراع في الداخل الأمريكي مع خصومه الديمقراطيين. قد يُظهر بعض المرونة في الشكل، لكنه يحرص على التمسك بمفاصل سياسته في الأساس. هذا ما فعله في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسيثابر على فعله في المستقبل. ذلك إن محور الصراع في الانتخابات الأمريكية ليس السياسة الخارجية بالدرجة الأولى بل الوضع الاقتصادي وتفاقم عجز الميزانية. فمعظم المرشحين الديمقراطيين، ما عدا هوارد دين والى حدّ ما وسلي كلارك، سبق ان وافقوا على قرار الكونغرس تفويض الرئيس الأمريكي بشن الحرب على العراق. هم لن يتمكنوا، إذاً، من استغلال مأزق إدارة بوش في العراق للنيل منها. سينتقدون بوش بالتأكيد، لكن لن يكون في وسعهم ان يصيبوا منه مقتلا. هذا يفسر حرصه على التمسك بثوابت سياسته، لا سيما ما يتعلق منها بـ "صوابية" شن الحرب على العراق، وبمحاولة إحياء "خريطة الطريق" المطروحة على "اسرائيل" والفلسطينيين من طرف اللجنة الرباعية، والمطروحة أرضا بسبب سياسة الاغتيالات الشارونية وبناء جدار الفصل.

          المشكلة ان سياسة بوش في العراق وفلسطين تتأثر باعتبارات أيديولوجية فاقعة من شأنها تكريس انحياز أمريكا الدائم للكيان الصهيوني ومحاربتها الناشطة للقوى العربية الداعمة للمقاومة في كل من فلسطين ولبنان والعراق. وبما ان تزايد الانتقاد الأميركي والعالمي لمغامرة بوش في العراق من شأنه تعظيم حاجته لأصوات الناخبين اليهود الأمريكيين، فأن ثمة خطراً داهما بأن يستغل ارييل شارون موسم الانتخابات الأمريكية لترحيل ياسر عرفات وتصعيد هجومه الوحشي على منظمات المقاومة الفلسطينية ومحاولة سحقها. ألم يعلن مبعوثو شارون إلى واشنطن توصلهم إلى تسوية مع الإدارة الأمريكية في شأن مسار جدار الفصل بالقرب من مستوطنة  "ارييل" الأكثف سكانا؟ هل ثمة ما يمنع توصل شارون لاحقا إلى "تسوية" مع بوش بعد ترحيله عرفات إلى خارج فلسطين؟

***

          أين العرب من كل هذه الأحداث المتسارعة من حولهم؟ ما هو موقفهم؟ هل لديهم الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة التحديات الماثلة؟

          الحقيقة ان العرب مصابون بمرض مزمن اسمه فقدان الانتماء إلى الذات، إلى أنفسهم.

قبل الإسلام، كانت القبائل العربية موزعة في ولائها بين الروم والفرس والأحباش. بعد انهيار الخلافة الفاطمية وقيام الدول السلطانية ذات القيادة المملوكية عاودت القبائل العربية سيرتها الأولى في الانحياز إلى القوى غير العربية في محيطها الجغرافي. ثم جاء الأتراك العثمانيون وبسطوا سيطرتهم على دنيا العرب اكثر من 400 سنة استكان العرب، من بدو وحضر، في خلالها وكأنهم خرجوا من ذواتهم  ومن انتمائهم. بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، توزع العرب مجددا في ولائهم بين بريطانيا وفرنسا.

          الظاهرة نفسها تجددت بعد الحرب العالمية الثانية إذ توزع العرب، باستثناء مصر الناصرية، في تحالفاتهم وولائهم، وأحيانا في انتمائهم، بين أمريكا والاتحاد السوفياتي. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، استكان بعضهم وليس كلهم للهيمنة الأمريكية. هل تراهم يتوزعون مستقبلا  في ولائهم بين أمريكا و"إسرائيل"؟

          في حال فقدان الانتماء إلى الذات، لا وجود لإرادة سياسية ولا سبيل إلى مواجهة الأعداء. بالعكس، تصبح الواقعية والوقوعية والاستكانة حكمة تاريخية والاستسلام أمراً يوميا.

          للقضاء على هذا المرض المزمن لا بدّ، أولا، من تشخيصه والإقرار بالإصابة به. ولا بد، ثانيا، من وصف الدواء اللازم لمعالجته. ولا بد، ثالثا، من مباشرة المعالجة بتصميم وتركيز وصبر ومجالدة.

          لعل قلة من القوى الحية في الأمة تجادل في وجود المرض واستشرائه في جسدها وانعكاسه على تفكير أبنائها وسلوكهم. ولعل قلة أيضا في صفوف الأمة تؤمن، قولا وفعلا، بان الدواء الأفعل هو الانتماء إلى الذات من دون الانزواء عن المحيط، وان المعالجة المثلى هي في المقاومة من حيث هي السبيل إلى تكوين الإرادة، إرادة الانتماء إلى الذات، وإرادة الدفاع عن الهوية والحقوق والمصير.

متى تغدو هذه القلة الحية كثرة فاعلة؟

          ليس في تاريخ الأمم شعب أهمل الانتماء إلى ذاته كما فعل العرب. لا مبالغة في ان فقدان الانتماء إلى الذات يعادل فقدان المناعة المكتسبة ضد الأمراض الوافدة.

ليس في حاضر الشعوب شعب أحوج من العرب إلى الانتماء لذاته وإعادة تكوين إرادته.

المقاومة هي الدواء والطريق.

محاسبة سوريا أم التهويل عليها؟

د. عصام نعمان *

يعتبر كولن باول، وزير خارجية الولايات المتحدة، أبرز (حمائم) إدارة جورج بوش. قد يكون حمامة ناعمة وادعة ينطرب لهديلها الجميع إلاّ.. سوريا. فهو كان استبق نهاية الحرب في العراق ليهدد سوريا من على منبر اللوبي اليهودي (ايباك) في واشنطن مساء 31 مارس/آذار المنصرم. وبعد اختتام جولته في العراق الأسبوع الماضي ارتأى أن (يهدل) بتهديداته لسوريا مرة أخرى.

قال إن سوريا لا تقوم بما فيه الكفاية لوقف دعمها (للأنشطة الإرهابية في المنطقة). اكثر من ذلك: (إنها تتغاضى عن تسلل عناصر إرهابية عبر حدودها مع العراق).

وكان باول قد أثار مع الرئيس بشار الاسد في أثناء زيارته الأخيرة لدمشق مطالب أمريكية عدّة، أهمها: (وقف دعم الأنشطة الإرهابية)، و(طرد الأشخاص الضالعين في أنشطة إرهابية من دمشق ومن لهم صلة أو علاقة بمنظمات إرهابية)، و(وضع حدّ لمساعي تطوير أسلحة الدمار الشامل)، و(منع استخدام الأجواء أو الأراضي السورية في نقل الأسلحة إلى "حزب الله" اللبناني)، و(منع تدفق المقاتلين عبر الحدود لإحداث فوضى داخل العراق)، و(ضرورة تعاون دمشق في كشف الحسابات المصرفية الخاصة بأسماء الأعضاء السابقين في نظام صدام حسين لدى مصارف سورية).

فوق ذلك، لم ينسَ باول توجيه إنذار مبطّن لسوريا بقوله انه إذا ما مرّر الكونجرس (مشروع قانون محاسبة سوريا فإن ذلك سيجعل من الصعب علينا ان نتابع نهجا لعلاقات أفضل معها). لماذا؟ لأن القانون المذكور يتضمن طلبات أخرى أبرزها دعوة سوريا إلى سحب قواتها من لبنان.

جون بولتون، وكيل وزير الخارجية لنزع الأسلحة والأمن الدولي، قدم شهادة خطية وأجاب عن أسئلة في جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وآسيا الوسطى التابعة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي حول مشروع (محاسبة سوريا). كانت لهجته أقسى من باول، بطبيعة الحال، كونه (صقرا) معروفا وشديد العداء لسوريا وايران. فهو لم يكتفِ بترداد اتهامات باول ومطالبه بل رشّ عليها أيضا بعض التوابل الحارة من طراز:

(وجود تقارير حول قيام العراق بنقل أسلحة دمار شامل إلى سوريا لإخفائها عن مفتشي الأمم المتحدة)، و(سماح سوريا بتدفق معدات عسكرية ومتطوعين إلى داخل العراق) و(وجود جهود سورية لامتلاك تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام لامتلاك سلاح نووي) و(وجود مخزون من غاز الأعصاب (سارين) لدى سوريا يمكن استخدامه بالطائرات أو الصواريخ البالستية)، و(مواصلة سوريا تطوير قدرة هجومية بالأسلحة البيولوجية).

مع ذلك غالب بولتون عواطفه واعترف بأن واشنطن لم تتمكن حتى الآن من تأكيد التقارير التي تحدثت عن قيام العراق سراً بنقل أسلحة دمار شامل إلى سوريا لإخفائها.

كل هذه الاتهامات والطلبات، على حدّتها حتى لا نقول فظاظتها، لم ترتعد لها البتة فرائص المسؤولين السوريين. بالعكس، رد عليها فاروق الشرع، وزير الخارجية المحنّك، ببرودة لافتة: "سوريا مستعدة للتعاون مع الطلبات الأمريكية إذا كانت واقعية ومقبولة وتندرج في إطار الشرعية الدولية". ثم تساءل بنبرة لا تنقصها السخرية: "لأمريكا طلبات كثيرة. هل هناك دولة واحدة في العالم تستجيب إلى كل طلبات أمريكا"؟

ثمة من يتساءل أيضا: هل الغاية من تهديدات باول وبولتون محاسبة سوريا أم التهويل عليها؟

يبدو ان المسؤولين السوريين مقتنعون بان مشروع (قانون محاسبة سوريا) ليس المقصود به محاسبتها بل التهويل عليها، على الأقل لغاية نهاية الفترة الزمنية التي تفصلنا عن انتخابات الرئاسة الأمريكية في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2004. طبعا، هم لا يستبعدون ان يتطور التهويل إلى تهديد ومن ثم إلى تنفيذ كون النفوذ الصهيوني واسعا وقاطعا في أروقة مجلسي الكونغرس، ناهيك عن نفوذ أصدقاء (اسرائيل) في إدارة بوش، وبينهم وزراء ووكلاء وزارات وموظفون كبار، بالإضافة إلى دخول الولايات المتحدة موسم الانتخابات حيث يسهل على اللوبي اليهودي الابتزاز بامتياز.

مع ذلك كله، فإن الأمر لا يعدو كونه تهويلا. فإدارة بوش ستكون عاجزة، عشية الانتخابات، عن ان تفتح على نفسها جبهتين عسكريتين في سوريا وايران في الوقت ذاته. علماً ان وجودها في العراق يواجه مقاومة شديدة ومتفاقمة، وسياستها المنحازة للكيان الصهيوني ترتد عليها بنقمة واسعة في العالم العربي والإسلامي.

لماذا، إذاً، كل هذا التهويل؟

ثمة مدخلان لفهم الموقف الأمريكي من سوريا، الأول اسمه العراق والثاني فلسطين.

في العراق، تعرف أمريكا جيدا أنها تعاني الأمرّين من مقاومة شديدة ومتصاعدة. وهي تعرف أيضا ان سوريا تعرف وتبني على الشيء مقتضاه. ليس سوريا التي تعرف وتخطط لما يجب ان تكون عليه خطوتها المقبلة فحسب بل ايران أيضا. ذلك ان للبلدين حدودا طويلة مع العراق تمتد مئات بل ألوف الكيلومترات، ويمكن ان يتسلل عبرها ألوف المقاتلين فضلا عن تهريب السلاح والعتاد والمال ومختلف لوازم الدعم اللوجسيتي.

أمريكا متخّوفة من احتمال ان تغتنم سوريا فرصة غرقها في المستنقع العراقي لتمد يدّ العون اللوجستي إلى المقاومة العراقية في منطقة ما يسميه الإعلام الأمريكي (المثلث السني) المحاذي لحدود العراق الغربية معها. كما تتخوف واشنطن من ان تحذو ايران حذو سوريا، بل ان تسبقها إلى تثوير أهل الشيعة في الجنوب العراقي ومدهم بالمال والسلاح. كل ذلك بقصد توسيع دائرة اشتباك المقاومة العراقية مع قوات الاحتلال الأمريكية وإرهاقها وحملها على الانسحاب.

إن إدارة بوش غير قادرة على تحمل هزيمة عسكرية أو سياسية في موسم الانتخابات الرئاسية. لذلك فقد بادرت إلى التهويل على سوريا بطائفة من الطلبات بقصد ترهيبها وحملها على التفكير في ما ينتظرها إذا ما فكرت بالمشاركة في المشهد العراقي المضطرب.

في فلسطين، تخشى إدارة بوش دورا سوريا مناهضا لها أيضا. ها هو ياسر عرفات يتهاتف مع فاروق الشرع عقب اتخاذ حكومة شارون قرارا بـ (إزالته)، فيبثه الشرع تضامن سوريا معه. هل يكون تواصل الشرع وعرفات مقدمة لإعادة التواصل بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية بقصد تشجيع أطرافها الناشطة في الداخل على التخلي عن (خريطة الطريق) ومعاودة سياسة الكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني؟

إن إدارة بوش لا تخشى من مضاعفات هذا الاحتمال فحسب بل تخشى أيضا من احتمال جنوح سوريا إلى تثوير جبهة مزارع شبعا في الجنوب اللبناني ضد الاحتلال (الاسرائيلي). فهل تستطيع أمريكا تحمّل فتح جبهة عسكرية طويلة عريضة على امتداد فلسطين ولبنان وربما سوريا أيضا، خاصة إذا ما قرر ارييل شارون الهروب إلى الأمام بشن حرب محدودة ضد سوريا في لبنان بقصد القضاء على (حزب الله)؟

أمريكا تتخوف، على ما يبدو، من عواقب اندلاع النار مجددا على حدود "اسرائيل" مع كل من لبنان وسوريا، ومن تجدد عمليات المقاومة في العمق (الاسرائيلي) مع ما تجره هذه التطورات من خطورة وحرج في موسم الانتخابات الأمريكية.

 

غير ان ثمة وجها آخر للميدالية الأمريكية في المنطقة العربية الساخنة. انه وجه الاستعداد للمساومة. لقد حدث ذلك في منتصف الثمانينات وليس ما يمنع ان يتكرر مجدداً. ففي تلك الآونة جرّبت إدارة الرئيس ريغن الحلول محل (اسرائيل) في لبنان بعد اضطرار هذه الأخيرة إلى الانسحاب تحت وطأة ضربات المقاومة الإسلامية. ماذا حدث؟ بادرت أمريكا إلى إجراء تسوية مع سوريا عادت بموجبها دمشق بقواتها وأجهزتها إلى إدارة الأزمة اللبنانية تفاديا لنشوء فراغ جديد تعود بنتيجته المنظمات الفلسطينية إلى لبنان ويعود معها الاضطراب الأمني.

لعل أمريكا تتجه في العراق إلى مصير مشابه لما حدث لها في لبنان. فهي تخشى ان تتصاعد المقاومة في العراق، خاصة بعد ان تنضم إليها قوى وطنية شيعية في جنوبه، أو تنظم هذه القوى جبهة مستقلة لمقاومة أمريكا بدعم من ايران، فتجد أمريكا نفسها مضطرة إلى تفادي الغرق في المستنقع العراقي بسحب قواتها ووقف النزيف المالي الذي أدى إلى زيادة عجز الميزانية الأمريكية بنحو 500 تريليون دولار.

لكن الجلاء عن العراق يُحدث فراغا كبيرا ويوجه بالتالي دعوة سافرة لايران لملئه. من هنا قد تنبع حاجة طارئة لدى أمريكا لإجراء تسوية مع سوريا (وتركيا) لإدارة الأزمة العراقية بمعزل عن ايران النووية (؟) التي تتوجس واشنطن من خطر دورها الإقليمي.

قد يقول قائل ان أمريكا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هي غير أمريكا في عقد الثمانينات من القرن الماضي. فقد انهار الاتحاد السوفييتي، وانفردت أمريكا بزعامة العالم، وتعاظمت قوة (اسرائيل) بعد إخراج مصر والأردن من حمأة الصراع بتوقيع معاهدتي (كامب دايفيد) ووادي عربة، وسقط العراق تحت الاحتلال الأمريكي واصبح في وسع واشنطن تطويق ايران من الغرب (العراق) ومن الشرق (اوزبكستان) ومن الشمال (تركيا) ومن الجنوب (أفغانستان).

هذا صحيح، لكنه لا ينفي حقيقة أخرى بل حقيقتين: أولاهما احتمال إصابة القوات الأمريكية في العراق بإرهاق شديد شبيه بما أصيبت به في فيتنام واضطرت معه إلى الانسحاب، وثانيتهما تفاقم أزمة الاقتصاد الأمريكي وعجز الميزانية الأمر الذي ستجد معه إدارة بوش (أو الإدارة الديمقراطية التي ستخلفها) نفسها مضطرة إلى وقف نزيف نفقات الحرب بالخروج من المستنقع العراقي.

أيا ما كان الأمر فإن في مقدور سوريا، وسط التحديات والمتاعب التي تواجه أمريكا في العراق وفلسطين، الصمود في وجه ضغوطها وعدم الانزلاق إلى مساعدتها على مواجهة المقاومة العراقية بالتزام مهمة مستحيلة هي حراسة حدودها الشرقية الطويلة مع العراق لمنع وصول الرجال والسلاح. وبالعكس، إن في وسع سوريا عدم التزام هذه المهمة المستحيلة والتلويح بالتزام عكسها  أي دعم المقاومة العراقية عبر حدودها الشرقية الطويلة  من اجل إكراه أمريكا على القيام بأمرين: منع (اسرائيل) من مهاجمة لبنان لضرب (حزب الله)، والرضوخ لمطلب الفلسطينيين، بل العرب والمسلمين وكل الشعوب المحبة للسلام، بنشر قوات للأمم المتحدة للفصل بين الجانبين (الاسرائيلي) والفلسطيني وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي 242 و338 وقبلهما القرار 194 في إطار التفاوض على تسوية عادلة  إذا أمكن  تقوم على أساسها دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة.

نعم، في وسع أمريكا التهويل على سوريا لتحقيق أغراض شتى. لكن سوريا، ومعها لبنان، قادران أيضا، بقليل من الشجاعة وكثير من الحصافة، على مواجهة التهويل وحتى التهديد الأمريكيين، بل على التصرف سياسيا وميدانيا بمهارة على نحو تتحقق معه الحكمة القائلة: مصائب قوم عند قوم فوائد.

* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف -  وزير سابق للاتصالات - كاتب و معلق سياسي (لبنان)

* inaaman@issamnaaman.com

www.issamnaaman.com