العراق
بين الحقائق والتوقعات
بقلم
الدكتور لويس حبيقة[1]
هنالك أمران مفاجئان فيما يخص الحرب ضد
العراق، هما قوة وتماسك المقاومة العسكرية
والشعبية وسؤ التقدير الأميركي لها ولحجم
المعارك ومدتها. يشابه
سؤ التقدير الأميركي بشأن العراق الى حد كبير
سؤ توقع هجوم 11\9، وبالتالي عدم التحضير
لمواجهته أو لتجنبه. ولو
أحسنت الولايات المتحدة التقدير، لما ذهبت
ربما الى الحرب لأنها على ما يبدو غير مستعدة
لها. فالعراق لم
ينقسم جغرافيا أو مذهبيا أو دينيا، ولم يظهر
هذا العداء الشعبي تجاه الحكم العراقي بل حصل
علنا عكسه. هنالك
ضياعا أميركيا واضحا تجاه ما يجري، بالرغم من
التصريحات الرسمية التي تغطيه أو تنفيه. لا يمكن للغرب أن يخسر حربه
بسهولة، ولا يمكن للعراقيين أن يسلموا بلدهم
للمهاجمين بسهولة أيضا. من
هنا ترتفع التكلفة السياسية والاقتصادية
للحرب، مما يسبب هستيريا سياسية واعلامية
وادارية عالمية في التعامل مع تطوراتها.
تنفق الولايات المتحدة سنويا عشرات
مليارات الدولارات على استخباراتها وتعطيها
أفضل التكنولوجيا المتوافرة.
من هنا التعجب بشأن ما يحدث والذي يدل على
الاستهتار أو ربما عدم الكفاءة في استعمال
التكنولوجيا في الاستخبارات.
في كلتا الحالتين، لا بد من أن يحاسب
الأميركيون عاجلا أم آجلا من خطط لهذه الحرب
ونفذها اعلاميا وسياسيا وعسكريا بل من اساء
تقدير أبعادها فأدخلهم في مواجهة لم يكونوا
مستعدين لها أو ربما غير راغبين بها أصلا.
وعد الرئيس بوش الأميركيين والعالم بحرب
سريعة ونظيفة، وهي عكس ذلك حتى الآن.
أما التبعية البريطانية، فلا تعود فقط
الى العلاقة الأنغلوساكسونية العميقة بين
الدولتين بل بين الشعب الواحد وانما الى خوف
بريطانيا من التفرد السياسي الأميركي في
قيادة العالم. بريطانيا،
على عكس فرنسا والمانيا وبلجيكا، تعالج مشكلة
التفرد الأميركي الخطير ليس بالمواجهة وانما
بالتعاون وربما بغض النظر بانتطار ظروف أفضل.
من الصعب حتى الآن على رئيس الوزراء طوني
بلير الدفاع عن خياراته، وربما وقع ضحيتها
كيفما انتهت الحرب. استقالة
ريشارد بيرل من مركزه في وزارة الدفاع
الأميركية، وان لم تكن مرتبطة مباشرة بسير
الحرب، تعود حتما لها بشكل أو آخر.
فالدمج بين المصالح الخاصة والعامة
وتدافع الشركات الأميركية للحصول على عقود
غير شرعية في عملية بناء العراق قبل أن تنتهي
الحرب، هما من أسباب الضياع أو التردد
الأميركيين. من
يمارس السياسة لتأمين مصالح اقتصادية خاصة
يفقد حتما الموضوعية، بل حسن الرؤيا المطلوبة
في ظروف كهذه. لا شك
ان بيرل شارك في التحضير للحرب، بل كان من أول
المبشرين بها بل من الدافعين اليها.
نظرياته التي تدعو الى الغاء الأمم
المتحدة وتأمين سيطرة أميركية على العالم لم
تكن بدافع عقائدي بل بدافع الطمع والجشع.
ريشارد بيرل هو الضحية السياسية الأولى
للحرب ضد العراق، ولا شك ستكون هنالك ضحايا
أخرى أهم ربما تساهم في الغاء حظوظ التجديد
للرئيس بوش.
لا يعود الطمع الأميركي البريطاني في
العراق الى الأسلحة والنفط والسياسة فقط،
وانما ايضا الى ما يحتويه العراق من ثروات ومن
فرص كبيرة للاستثمارات. فالاقتصاد
الغربي يعاني منذ 3 سنوات من ركود مقلق، ولا بد
من ايجاد فرص استثمارية جديدة للشركات
الأميركية تفاديا لزيادة البطالة المضرة
اجتماعيا وسياسيا. لذا
يشكل العراق نافذة كبرى للاستثمارات بعد ما
عاناه من حصار في السنوات الماضية، وتأخر في
كل الميادين. مقدرة
العراق على تسديد كل الديون وقيمة كل
المشاريع التي ستقام ضمنه تجعله في وضع فريد
بين مجموعة الدول النامية والناشئة.
ما يدعو للعجب أن هنالك عقودا تعلن
لمشاريع يستفيد منها أصدقاء نافذي الادارة
الأميركية مما يتعارض مع أبسط مبادئ الأخلاق
والواقعية والمنطق وحسن الاداء والتوقيت. التحدي الأكبر الذي يواجه أميركا
وبريطانيا بعد الحرب هو اعادة بناء ثقة
الشعوب العربية بهما، مما يفرض تغييرا جذريا
في سياساتهما في المنطقة وتجاه المؤسسات
الدولية.
موقع العراق الاقتصادي والجغرافي مهم جدا
في قلب المنطقة العربية والخليج النفطي
تحديدا. تقارب مساحة العراق 437 الف كلم2،
منها 5 ألاف للمياه وهي نسبة كبيرة في منطقة
اقليمية تعاني من نقص كبير فيها.
أطول الحدود العراقية هي مع ايران (1458 كلم)
وثم السعودية (814) وسوريا (605) فتركيا (352)
والكويت (240) والأردن (181 كلم) و 58 كلم على
الشاطئ. يحتوي
العراق على النفط والغاز والفوسفات والكبريت.
تشكل الأراضي القابلة للزراعة حوالي 11,89 %
من المساحة، بينها 35 الف كلم2 مسقي. 41 % من سكانه ال 24 مليون نسمة هم دون
ال 14 سنة و 56 % منهم بين 15 و 64 سنة، أي يحتوي على
هيكلية سكانية شابة وبالتالي نشطة ومنتجة.
لا شك أن العراق متأخر في معظم المؤشرات
الاجتماعية والانسانية والتكنولوجية
والعلمية بسبب الحصار، ولا بد من استثمار
جهود وأموال كبيرة في سبيل التغيير أي لنقل
العراق من الاقتصاد القديم الى الجديد.
تؤثر الحرب ضد العراق سلبا على كل الأسواق
الاقتصادية الدولية. فالأسواق
الأميركية تتقلب كثيرا بسبب الخوف والقلق من
مدة وعمق الحرب ومن عدم ثقة الأميركيين أكثر
فأكثر تجاه ما يقال لهم. يؤثر
هذا الوضع مباشرة على سعر صرف الدولار في
الأسواق النقدية. فينحدر
سعر الصرف تجاه اليورو عندما يسؤ الوضع
العسكري الأميركي ويرتفع عندما تتحسن
معنوياتهم. تؤثر
أجواء القلق سلبا على الاستثمارات والانفاق،
وبالتالي على مؤشرات النمو الأميركي.
هنالك خوف كبير اليوم من حدوث انكماش اذا
ما طالت الحرب أو اذا ما بقي الضياع الاداري
الأميركي قائما. أما
في أوروبا فالنتائج الاقتصادية هي في الاتجاه
نفسه وان كان الشعور الأوروبي أكثر استقرارا
بسبب عدم مشاركتهم في الحرب.
فالخوف في أوروبا يكمن في احتمال مساهمة
الحرب في دفن اتفاقية ماستريخت التي تفرض على
الدول التقيد بمعايير دقيقة بشأن عجز
الموازنة والتضخم والدين العام.
المعروف ان العجز يزداد في زمن الضيق بسبب
الانفاق على الحاجات الاجتماعية الملحة من
بطالة وغيرها، كما تخف الايرادات بسبب تباطؤ
الاقتصاد. أما
التأثير على بقية مناطق العالم من أميركا
اللاتينية الى أسيا وغيرها، فيقع أيضا في
الاتجاه نفسه وان كان بحدة أقل.
سيكون التأثير على اقتصاديات المنطقة
كبيرا جدا ومزمنا وسيقيم بالتحديد عند انتهاء
الحرب. تتغير أسواق النفط تبعا للعرض
والطلب، ولا يزال تقلبها في حدود مقبولة بفضل
منظمة أوبيك وتأقلم انتاجها مع الطلب العالمي.
اذا طالت الحرب سيتدنى الطلب على النفط،
وبالتالي يمكن أن تنخفض أسعاره.
توقعات أوبيك بشأن النمو الاقتصادي
العالمي لسنة 2003 ما زال 3,2 %، وهو بعيد المنال
في هذه الظروف. تقدر
منظمة الأوبيك حجم الطلب العالمي هذه السنة ب
77,43 مليون برميل من النفط في اليوم، بزيادة
قدرها 1,1 % عن سنة 2002، يأتي معظمه (68 %) من خارج
دول المنظمة. لا بد من مراجعة هذه الأرقام
انخفاضا مما ينعكس سلبا على ايرادات الدول
النفطية. يعني
انخفاض هذه الايرادات تسريحا للعمالة
العربية والأسيوية من الدول النفطية،
وبالتالي تأثيرا سلبيا مباشرا على الأوضاع
الاجتماعية. أما
التأثير على لبنان تحديدا، فلا يمكن الا أن
يكون سلبيا اذ أن عجز الموازنة سيزيد عما هو
مقدر بسبب تباطؤ الاقتصاد وضعف الايرادات
وزيادة الانفاق الاجتماعي، كما بسبب عدم
مقدرة الدولة على القيام بالخصخصة الموعودة. ان وقوع لبنان في المرتبة 131 عالميا
في ترتيب الاداء الاقتصادي على 165 دولة (المرتبة
17 بين 19 دولة عربية)، وفي المرتبة ال 100 على 151 (أيضا
17 بين 19 دولة عربية) فيما يخص الأهلية
الائتمانية يفرضان على الدولة مراجعة
سياساتها المعتمدة الآن قبل الغد.
التحدي الذي يواجه الدولة اللبنانية
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو النجاح في
احياء ثقة مواطنيها بها والتي لا يمكن للحرب
العراقية أو لأية أزمة أخرى التسبب في تأجيله
أو اهماله.
[1]
www.louishobeika.com