عقل في الكف.. بطاطا.. الحرية!

حسن م. يوسف/سوريا

yousef@net.sy

اعتقد ان التفاصيل الصغيرة تلعب دوراً بالغ الأهمية في فهم اللوحات الكبيرة. لذا اسمحوا لي ان الفت انتباهكم إلى خبر صغير تجاهلته معظم الصحف العربية، رغم انه يبدو بالنسبة لي بالغ الدلالة. فقد وزعت السيدة الأمريكية الديموقراطية (شيلا جاكسون لي) العضو في مجلس النواب، قبل أيام، رسالة اقترحت فيها على أعضاء الكونغرس الأمريكي ان يأكلوا (بعض البطاطا الفرنسية) و(التوست الفرنسي). وسر هذه الدعوة الغريبة يكمن في أن النائب (بوب ني) رئيس لجنة الإدارة بمجلس النواب كان قد أمر، في آذار/مارس الماضي، كنوع من العقاب لفرنسا على موقفها غير المساير في مجلس الأمن، ان تغير أسماء الأطعمة التي يرد فيها اسم فرنسا، وهكذا تم تغيير اسم البطاطا المقلية من (فرنش فرايز) إلى (ليبرتي فرايز) ـ أي مقليات الحرية! ـ كما تم تغيير اسم الخبز المحمص من (فرنش توست) إلى (ليبرتي توست)، وقد قالت السيدة شيلا في رسالتها: "إن الوقت قد حان لتنحية الخلافات مع فرنسا جانباً" وحثت مجلس النواب على إعادة الأسماء القديمة إلى قائمة الطعام في مطعم مجلس النواب!

أعتقد أن هذا التفصيل الذي يبدو هامشياً وضئيل الأهمية ينطوي على دلالات خطيرة، في ضوء المستجدات التي تشهدها الساحة الأمريكية الآن. فقد كتب الصحفي البريطاني النزيه (باتريك سيل) -المتخصص في شؤون الشرق الأوسط- عقب عودته من زيارة لأمريكا الأسبوع الماضي: "إن طريقة التفكير الأميركية بالنسبة للشرق الأوسط تمرّ بمرحلة أكاد أصفها بثورة عميقة. فقد بدأ الرأي العام يتمرد ضد السياسات الفاشلة التي سارت عليها إدارة بوش، وضد تكاليفها الباهظة مالياً وبشرياً، فضلاً عن الفوضى العارمة، وقد انقلب التيار ضد مصممي هذه السياسات وبخاصة ضد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبيه بول ولفوفيتز، ودوغلاس فايث الذي اصبحوا الآن في موقع الدفاع بعدما اعتبروا مسؤولين عن حالة الفلتان التي تعاني منها أميركا".

في هذا الضوء تبدو دعوة السيدة شيلا لأعضاء الكونغرس الأمريكي لأن يأكلوا (البطاطا الفرنسية) و(التوست الفرنسي) بمثابة مؤشر إلى ان (بطاطا الحرية) التي حاولت أمريكا ان تفرضها من خلال غزو العراق لم تعد مبلوعة حتى في مطعم العم سام! ‏