وقفة
على أطلال أيلول/سبتمبر
حمدان
حمدان/كاتب من فلسطين يقيم في دمشق
ان
الولايات المتحدة اليوم، في حالة اشتباك مع
مركز الإرهاب العالمي في العراق.. وبهذا
المعني ظل الرئيس الأمريكي جورج بوش يعيد
خطابه الذي ألقاه على عملاء جدد لصالح مكتب
التحقيقات في فرجينيا بمناسبة مرور سنتين على
أحداث أيلول/سبتمبر في نيويورك وواشنطن.
وسنة بعد سنة، يتوغل الرئيس الأمريكي في
تصعيد تطرفه ضد الإسلام، وهو ما يعني تكثيف
دروسه اللاهوتية على يد الكهنة من كنائس
المسيحية المتهودة، أولئك الذين يضمرون الشر
كله للعرب والمسلمين، وبغلو يفوق غلواء
الحملات الصليبية قبل ألف عام من هذا القرن.
لم يتعرض الرئيس بوش وفق ما تم تلقينه، لما
تفعله سياسات أمريكا لهذا لعالم، بل لما
يفعله عالم الشر لأمريكا، وهي (ميديا) درجت
عليها السياسات الأمريكية، من حيث هي مستقاة
من منطق الاختبار الإلهي لشعوب مصطفاة، مثل
شعب "اسرائيل"، وربما شعوب الأنغلو ـ
ساكسون ـ (البيوريتانية) وليس سواها، فشعوب
التوراة هي التي تجسد الخير في هذا العالم،
أما شعوب ما سواها، من مسلمين ومسيحيين
وبوذيين وهندوسيين وكونفوشسيين وزراداشتيين
وابراهميين.. فانه ليس بمقدورها إلا ان تمثل
عالم الشر الخالص.
لقد بكى بوش على سقوط الضحايا من الأبرياء في
البرجين ومبنى البنتاغون، ونحن نتحدى أن
العالم كله، بجميع أديانه ومذاهبه وطوائفه..
كان قد بكى لهول الفاجعة، لكن ذلك لم يلفت نظر
بوش وإدارته من حوله، لأن بكاء العالم غير
الأمريكي، على موت ضحايا أمريكيين، إنما يعزز
مقولة إنسانية الإنسان مهما كان جذره
ومعتقده، حتى البهيمة فإنها تحنو على الآخرين
من جنسها وفصيلتها وصغارها، فكيف بالإنسان
الذي ميزه خالقه بقدرات المحاكمة والإدراك
والتكيف والطبع والتطبع.
لقد بكى بوش، إلا انه لا يريد ان يرى العالم
الذي أبكته أمريكا خلال عقود وعقود، لا يريد
ان يرى شعوب أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية،
الذين وضعتهم مصالح بلاده في قيعان التخلف
والفقر والمرض، لا يريد ان يرى مئات الألوف من
قتلاهم، على يد دكتاتوريات سبق لأمريكا ان
صنعتها.. لا يريد السيد بوش، ان يرى ماذا فعلت
أمريكا بأفريقيا وتاريخ أجداده مع الزنوج
الذين سيقوا كالبهائم في اسفل عنابر سفنه
العابرة للبحار!
وهو لا يريد ان يرى ماذا فعلت السياسات
الأمريكية في آسيا، فمنذ أواسط الخمسينات،
وأمريكا ذاتها، تقف وراء كل انقلاب عسكري
ديكتاتوري في مناطق آسيا، ومنذ أواخر
الأربعينات وقفت أمريكا ـ كأول دولة عالمية ـ
إلى جانب الباطل الصهيوني ضد شعب فلسطيني لم
يعتد على أحد، هذا في الوقت الذي ظلت أمريكا
تزود "اسرائيل" بكل وسائل الدعم، المالي
والعسكري والدبلوماسي والصناعي.. لغايات
عدوانية وليس لسواها.
لا يريد بوش، أن يرى تاريخ أمريكا في ايران
أيام الدكتور مصدق، ولا تاريخ أمريكا في مصر،
أيام جمال عبد الناصر، ولا تاريخ أمريكا في
السودان وليبيا والجزيرة العربية وسورية
ولبنان والعراق.
لقد بكى على الأمريكيين فقط، لأن ملايين
القتلى بدواعي المصالح الأمريكية، لا
يستحقون البكاء، وقد سبق للسيدة مادلين
اولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية في
ولاية الرئيس كلينتون، ان قالتها جهارا نهارا
(إن موت مليون عراقي، هو ثمن متواضع أمام
أهداف الولايات المتحدة ومصالحها العليا)..
فهل (المليون) عراقي الذين تحدثت عنهم السيدة
اولبرايت من طرف شفتيها لا يعادلون شيئا في
قاموس مذهب الخير التوراتي.. ثم لماذا تبكون
وتنسون بكاء الآخرين؟!
لماذا لا تجيبون بإنصاف، على دوافع كراهية
شعوب العالم للسياسات الأمريكية، وربما
اليوم لشعب أمريكا نفسه؟ هل يسقط حب الإنسان
وكراهيته من فراغ، هل بمقدوركم أن تبرروا
بمنطق العدل، سياساتكم الداعمة لشخص مثل
شارون، وهل في العالم إنسان يحمل عقله في
رأسه، فيقول، بأن شارون "رجل سلام"!، إذن
من قتل الأطفال وروع الأمهات، ودمر البنيان
واقتلع الأشجار.. وهو الغاصب المحتل الذي لا
يريد الاعتراف باحتلاله وجرائم سياساته..
فالسيد بوش يرى ما تفعله حماس وما يفعله
الجهاد.. ولا يتساءل عن أسباب العنف وجذور
تصاعده، انه لا يرى الاحتلال الصهيوني لأرض
فلسطين، تماما مثلما لا يرى الاحتلال
الأمريكي للعراق، فهو يبدأ من فلسفة الإرهاب،
فالمقاومة الوطنية عنده إرهاب، وقتل العرب
والمسلمين حالة مشروعة من الدفاع عن النفس،
ذلك ان أفغانستان والعراق وفلسطين، هي
الأقطار المهددة لأمريكا، وقد عاد الرئيس بوش
في خطابه المذكور، لتكرار إدانة العراق
لارتباطه بالقاعدة، بعد ان أفلس في الحديث عن
أسلحة الدمار الشامل.
في مناسبة أحداث أيلول/سبتمبر، فإننا لا نقف
إلى جانب قتل المدنيين من الناس، لأننا لم نكن
نحن وراءها ببساطة، لكنك لا تستطيع ان تمنع
شعبا، سلبت أرضه، واستخف بكرامته، وقتل
أبناؤه، واستبيحت أعراضه، ويراد له ان يقذف
خارج الكون الإنساني.. ان يبقي هكذا دون غضب أو
رد..
ونحن لا نستطيع أن نجري وراء الأحكام القيمية
لهذا الرد أو ذاك، طالما انه متسبب نتيجة
أفعال جرمية سبقته، فأيلول هو ناتج حصاد
الاحتلال الأمريكي للجزيرة العربية، انه
ناتج حصاد نهب ثروات الخليج حتى الإفقار،
وأيلول هو ناتج حصاد السياسات الأمريكية
المتغطرسة إلى جانب "اسرائيل، وضد العرب
بمئات ملايينهم لا ضد شعب فلسطين فحسب،
وأيلول هو ناتج النفخ المزاميري التوراتي، ضد
المسلمين بملياراتهم في هذا العالم.
لقد سبق عدوان أمريكا تدعمها الصهيونية
العالمية، على العرب والمسلمين، أحداث أيلول
بتاريخ كامل، وها هي أمريكا ترصع عدواناتها
على العرب والمسلمين، باحتلال العراق اليوم،
إنّا لا نملك ردا للشعوب الحانقة من أيلول
جديد، وإلا فلترحل أمريكا من ديار العرب
والمسلمين، وتعيد تطبيع علاقاتها مع ربع
بشرية هذا الكون، مثلما هي العلاقات الطبيعية
بين دول هذا العالم.